المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معركة النص


عبدالناصر محمود
04-27-2015, 07:15 AM
معركة النص*
ــــــــ

8 / 7 / 1436 هــ
27 / 4 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_7327.jpg


معركة النص
---------

فهد بن صالح العجلان
-----------

طبعة : مجلة البيان – الرياض - 1433 هجري

ــــــــــــــــــــــــ

بعد حمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم بدأ المؤلف قصة معركة النص, حيث الرؤى المصادمة للنص الشرعي في كثير من الكتب والمقالات باسم التفسير الفقهي الذي لا يقره النص, معتبرا أن ذلك هو الخيط الموحد لأكثر الأفكار المعاصرة المصادمة للنص الشرعي.

بعد ذلك بين المؤلف خطورة هذا التوجه الجديد لأعداء النص الشرعي على الأمة, حيث يمكن خداع الناس وتمرير الباطل إلى أفكارهم باسم النص الشرعي الذي يقدسونه, والذي لا حل له إلا بكشف وإزالة أقنعة اللصوصية الثقافية.

ومع وجود فئة أخرى ترفض المساحة الاجتهادية التي يقبلها النص, تبدو خيوط معركة النص أكثر تشابكا, وتحتاج لكتابات العلماء الراشدين لضبط ميزان هذا الأمر الخطير, يكشف الانحراف الذي لا يحتمله النص والفهم الاجتهادي الذي يتسع له الدليل, وقد سلط المؤلف الضوء في هذا الكتاب على بعض صور هذه المعركة, تحت عناوين مختلفة سأتناولها تباعا في هذه القراءة.

1- الانقياد المشروط: التمسك بقول أحد الفقهاء والزعم بأن في المسألة خلاف للهروب من دلالة النص الشرعي أمر يلجأ إليه ذوي التوجهات المنحرفة, بينما حدد الإسلام مصدر التحاكم عند التنازع والخلاف: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} النساء/59, بينما انحصر خلاف الفقهاء حول دلالة النص, فهو من النص يبدأ وإليه يعود, فإذا ما كان الحكم مجمعا عليه, رأيت بوصلة هؤلاء تتجه للتشكيك بالإجماع من الأساس!!

2- تحت عنوان: "البقع السوداء" حاول المؤلف كشف عوار الانحراف الفكري المعاصر الذي يحاول دائما الاستخفاء وراء الاختلاف الفقهي, إلا أن البقع السوداء التي تظهر جليا عن يمين وشمال هذا التقليد تظهر واضحة لكل بصير, لتكشف زيف وانحراف هذا التفكير عن الخلاف الفقهي الراقي, وقد ضرب مثالا على ذلك بمسألة "حدود الحجاب الشرعي".

3- في الطريق إلى العلمانية: تناول المؤلف فكرة "أن الأحكام الشرعية لا يصلح فيها الإلزام, فمن أحب أن يصلي أو ...فلنفسه ومن لم يفعل فلا يصلح أن نلزمه, فهذا شأن بينه وبين ربه" وهي نفس الفكرة العلمانية "فصل الدين عن الدولة" بينما أوامر الله ونواهيه متوجهة إلى الفرد والمجتمع, وإلى النظام الذي يحكمه أيضا, وإلا فكيف التعامل مع عقوبات الحدود والتحاكم إلى الله ورسوله عند النزاع؟!!

4- علمنة الأحكام الشرعية: وذلك من خلال رفع الإلزام لأحكام الشرعية والاقتصار على النصح والموعظة الحسنة للمخالف, أو من خلال تغيير سبب الإلزام في تلك الأحكام, من كونها أوامر الله ورسوله, إلى اختيار الأكثرية وتعاقد الناس على إلزامها ديمقراطيا, فقتل المرتد ليس من باب ارتداده عن الإسلام, وإنما للخارج عن القانون المتمرد على الدولة..وهكذا.

5- يؤمنون بالشريعة ..إلا قليلا: عبارة تشير إلى من يجعل تقبله لأحكام الشريعة مشروطا بموافقتها للعقل, وتعظم المصيبة حين يكون قد ملئ عقله مسبقا بأحكام مسبقة تناسب هواه, فإذا ما وجدت آية محكمة أو حديثا صحيحا تعارض عقله, بادر بتأويل النص المحكم لأنه ينافي عقله وهواه, وبالتالي فإن جزءا من الشريعة غير قابل للتنفيذ, يتسع بحسب العقل الذي يحمله كل إنسان!! فهناك فرق بين من يقول: "أؤمن بالشريعة وكل ما فيها هو حق ومصلحة" وبين من يقول: أؤمن بالشريعة ما لم تعارض العقل والمصلحة".

6- وتحت عنوان "ولا تهنوا ...في طريق المطالبة بتطبيق الشريعة" ناقش المؤلف قضية تطبيق الشريعة بما يتوافق مع كيفية تطبيق القوانين في النظم السياسية المعاصرة, من موافقة الأغلبية في المجتمع, وقابليته بعد ذلك للتعديل أو الحذف, ناهيك عن كون مشروعيته وقوته تنبع من رغبة الناس وإرادتهم لا من كون الشريعة واجبة التطبيق لأنها من رب العالمين, وقد ذكر المؤلف سلبيات وآثار هذا الفكر من عدة جهات.

7- جامعة الانحرافات الفكرية: "حد الردة" الذي يشكل إحراجا لا يطاق أمام ضغط الثقافة الغربية المعاصرة التي تضع "الحرية الدينية" في قمة هرم الحقوق والحريات, فتناولت البحوث التي تبحث عن تخفيف شرعي لشدة النكير الغربي على هذا الحكم الشرعي, بالتأويل أو النفي أو التكيف, على الرغم من إجماع الفقهاء على إقامة الحد باختلافات فرعية حول بما تثبت الردة وشروط إقامة الحد, وقد ذكر المؤلف 10 انحرافات فكرية حول هذا الحكم الشرعي.

8- تحت عنوان "الشاطبي المفترى عليه" : أظهر المؤلف التشويه الكبير لصورة الإمام الشاطبي, حيث حرص كثير من المنحرفين على وضع اسم "الشاطبي" في واجهة تأويلاتهم المنحرفة للأحكام والنصوص الشرعية, واتخاذ كتابه "الموافقات" ذريعة للتهوين من النصوص الشرعية بدعوى المصلحة أو العقل أو الأصول والكليات, لتخدم موافقاته بذلك مشاريع التخفيف من الأحكام الشرعية, بينما الحقيقة أن تعظيم نصوص الشريعة ومراعاتها وتقديمها على العقل والمصلحة أصل ثابت ومحكم اعتمده الشاطبي رحمه الله.

9- بين مقاصد الشريعة ومقاصد النفوس: تحت هذا العنوان استعرض المؤلف عبارات من أمثال: "نحن بحاجة إلى إعادة النظر في هذا الحكم حسب المقاصد الشرعية" التي يتخذها أصحاب الفكر المعاصر لافتة لانحرافاتهم, فالمقاصد الشرعية عند الأئمة التي وضعوها تخدم النص الشرعي وتثبته, وتختلف بذلك عن مقاصد نفوس أصحاب الاتجاه الفكري المنحرف لرد جملة من النصوص والأحكام غير المرغوب فيها.

10- مصارع المغرقين: تحت هذا العنوان استعرض المؤلف بعض الآثار التي تؤكد احترام الفقهاء وتقديمهم للنص الشرعي, ليذكر فيما بعد مذاهب أهل الشك في السنة النبوية وتفاوتهم بين ناف للسنة مطلقا, وبين من اشترط شروطا للحد من الاعتراف بالنص الشرعي, مع مفارقة تبخر هذه الشروط إن وافق الحديث هواهم.

11- هوس التفسير السياسي: حيث يغطي هذا التفسير مساحة واسعة من حركة خلايا العقل العلماني المعاصر, وربط أي حكم شرعي بأقرب حدث سياسي وإن كان ظاهر البطلان والفساد, فأحدهم يقرر تأثير السياسة –الدولة الأموية- على الشافعي, بينما ولادة الشافعي كانت بعد زوالها.

كما تساءل المؤلف عن شدة صرامة أئمة السلف من الأحكام الفقهية المتعلقة بالتعامل مع (السلطة السياسية)، حيث يصار إلى تبريرها وعدم الأخذ بها باسم *** المصالح ودرء المفاسد, بينما هي في الحقيقة ***** ربانية للشريعة, لأن التفسير السياسي هو أعظم قوس جائر يسدد إلى جسد التراث الإسلامي.

12- التسامح الفقهي: حيث تناول المؤلف تحت هذا البند الحوارات الشرعية والفقهية, وفصل في الملفات المنضوية تحت هذا العنوان, كأخلاقيات وآداب الحوار التي لا يجب أن تكون هي الحاكمة على سلامة الأفكار, كما تناول مسألة الفرق بين الحكم على المسألة, وبين الحكم على المخالف, بالإضافة لملف الإنكار في مسائل الخلاف, والاختيار بين المذاهب والأقوال الفقهية, وملف التسامح مع الانحرافات العقدية على الرغم من كونها تختلف جذريا مع الاختلافات الفقهية.

13- التسربات الفكرية: تناول المؤلف مسألة تسرب الأفكار المنحرفة إلى الشباب المسلم عبر دخول نقاشات النت أو مجرد الاطلاع عليها, وركز المؤلف على سببا رئيس يفسر هذه المشلكة وهو "التسليم بالمقدمات والأصول الفاسدة" التي لم تأخذ من الكتاب والسنة, وإنما من خلال تلك الحوارات, كمثل من يدافع عن الدعاة بناء على (حرية الرأي) جاعلا من هذا الشعار مبدأ من الشريعة ما لم يكن فيه اعتداء على الآخرين, وهي رؤية علمانية بكل المقاييس.

14- الخصم الأكبر: أما الدخول في الإسلام والإيمان إنما هي أمراض النفوس "كبر وحقد وحب للمال والجاه...", وليس قلة إبراز وإظهار الدلائل العقلية, فالأولى إذا إزالة هذه الأمراض لإدخال الناس في الإسلام, وهذا لا يعني إهمال أهمية الدلائل العقلية والعلمية, وإنما المقصود عدم تضخيمها لتصبح الأساس في دخول الناس في الإسلام.

15- السلفية ..منهج أم جماعة؟: فكثير من المهاجمين للسلفية لا يميزون بين الأمرين, فلديهم خصومة عميقة مع المنهج الإسلامي عموما, فالسلفية في الحقيقة منهج في طريق السير على هدي الإسلام, وليست جماعة, وبالتالي فلا وجود لناطق أو ممثل يعبر عن رأيها, ولا يكفي مجرد الانتساب إليها ليكون الشخص سلفيا, ولا يحمل المنهج أخطاء أفراد من يزعمون الانتساب إليه, ولا بد من التفريق بين النقد الموجه للمنهج أو لجماعة.

16- بين الأصل والاستثناء: ظاهرة يقوم من خلالها بعض المعاصرين بإدخال أمور " كالحرية والحجاب.." في أحكام في الشريعة الإسلامية مبرهنا عليها بدليل في حالات الضرورة, بينما الأصل أن يثبت الحكم الشرعي في الحالات العادية, ثم يذكر الاستثناء في حالات الضرورة.

17- بين صورتين: صورة الفقهاء الكبار الذين يحذرون من الشبهات ويتمسكون بالمسلمات, وصورة كثير من المفكرين المعاصرين الذين يثيرون الشبهات ويتركون التمسك بالثوابت والمسلمات, رغم أن رجال الصورة الأولى علماء أفذاذ, وأشخاص الصورة الثانية محدودي الاطلاع, ثم عدد المؤلف أسباب ابتعاد السلف عن الشبهات رغم غزارة علمهم ودقة فهمهم, مؤكدا أنه الطريق الأسلم لدين المرء وعقيدته.

18- أسلمة العلمانية: التي شملت حتى الأفكار المنحرفة –العلمانية وغيرها- التي فشلت في معاكسة ومواجهة الرؤية الدينية, فرجعت لتبحث بين النصوص والأقوال الإسلامية ما يسند اتجاهاتها, ولا ينبغي الانخداع بجمال تلك الأسلمة, حيث تضمر حرف النص الشرعي عن مساره.

وركز المؤلف على العلمانية الأقل تطرفا مع الدين, والأكثر تفهما لضرورة مراعاته كخيار شخصي وقيم محفزة لا غير, مبينا أنها الأكثر خطرا من العلمانية المتطرفة المعادية للدين, حيث تعتمد على تصورات أسلمة العلمانية كالأخذ بقواعد من مثل: "الكليات دون الجزئيات" و "الأصول دون الفروع" و "المقاصد دون الوسائل", والقول بأن الإسلام ليس فيه إلزام وإكراه وإجبار, وحصره بالوعظ والنصح دون أن يكون نظاما.

19- المعيار المنكسر: حيث تزاحم بعض المعايير الأخرى قاعدة " الكتاب والسنة هما معيار وميزان الحقائق" "كالقياس مثلا", وقد أرجع المؤلف سبب كسر هذا المعيار عمليا بأمرين:

· النسبية, حيث يتردد على ألسنة الناس أمام أي نص شرعي عبارة النسبية "على فهم من ؟؟ لتضييع معيار الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله, فيهمشه عمليا, بينما يعترف به نظريا.

· ومساواة الحق بالباطل: فلا يجوز قتل المرتد لأن هذا يشرع لهم أن يقتلوا من دخل الإسلام بأوطانهم .... فالحق ما جاء به الكتاب والسنة, والباطل ما كان مخالفا لهما, ولا مساواة بينهما البتة.

20- مع نظرية المصلحة عند نجم الدين الطوفي: حيث تناول المؤلف أشهر مقولات الطوفي الفقهية والفكرية (تقديم المصلحة على النص), والتي تم توظيفها بمهارة لتكون بساطا يسير عليه تحريف النص الشرعي المعاصر وتخطيه.

وقد بين المؤلف تحريف المعاصرين لكلام ورأي الطوفي, الذي لم يخرج عن تقرير عموم الأصوليين في "تخصيص النص" حين يكون محتملا لبعض الأفراد فيتم تخصيصه بناء على نص آخر أو قياس أو مصلحة ضرورية أو حاجية ملائمة للشريعة.

كما بين المؤلف الفروق الجوهرية بين مقولة الطوفي ونظرته إلى المصالح التي تعتمد الميزان الشرعي والمصلحة الشرعية, وبين نظرة المفكرين المعاصرين التي تعتمد العقل والمصلحة الدنيوية, بالإضافة إلى الفروق الكبيرة الأخرى.

21- أين الثوابت والمتغيرات: لا إشكال عند المؤلف في هذا المصطلح وإن كان حديثا, ما دام واضحا ولا يتضمن مخالفة شرعية, فسواء كانت الثوابت القطعيات المجمع عليها أو الأصول, بينما المتغيرات الظنيات والمختلف فيها أو الفروع, فالمهم أن لا يترتب على المصطلح إخراج أوسع دائرتين في الإسلام "الظنيات والمختلف فيه" من دائرة الإسلام والإلزام باسم المتغيرات.

ويرى المؤلف أن التفسير الأفضل للثابت أنه ما ثبت بدليل شرعي قطعي أو ظني مجمع عليه أو مختلف فيه, بينما المتغير هو الحكم الاجتهادي المرتبط بعرف سابق أو مصلحة مرتبطة بظرف معين, وهي تتغير بغير الزمان والمكان .

في الختام وتحت عنوان "الحلقة المفقودة" وضع المؤلف بعض الضوابط الشرعية حول مسألة الظني والقطعي في الأحكام الإسلامية, مشيرا إلى وجود مساحة لا بأس بها للقطعيات في الكتاب والسنة, كما أن وصف القضايا بالظنية أو الخلافية لا يعني أنها أضحت مرسلة وفارغة وغير ملزمة.

ولا بد من وضع منهج واضح لتحديد المتغير والثابت في أحكام الإسلام, حتى لا نفقد الحلقة أثناء الحوار في كثير من القضايا المعاصرة.

ـــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ