المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فهم الواقع اليمني هل اصبح تحديا !!


عبدالناصر محمود
05-05-2015, 06:52 AM
فهم الواقع اليمني هل اصبح تحديا !!
ــــــــــــــــ

(د. أحمد عبد الواحد الزنداني)
ـــــــــــــــ

16 / 7 / 1436 هــ
5 / 5 / 2015 م
ـــــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710504052015113217.jpghttp://


ما الذي يجري في اليمن ؟!! سؤال محير جدا، قد يتفاجئ البعض، وخاصة ممن يعتقد انه خبيرا بالشأن اليمني، عندما يعلم أن ما يجري في اليمن بعيدا إلى حد ما عمّا كان يتصور، الرؤية العامة تقول أن تحالف صالح والحوثي الذي بات يطلق عليه التحالف الحوفاشي المدعوم إيرانياً خرج على الشرعية في البلاد ورفض مخرجات الحوار الوطني وشن حروبا اسقط بها العاصمة وعدد من مدن البلاد ولاحق الرئيس الذي تخلص من قبضته إلى العاصمة المؤقتة عدن وكاد أن يسقطها، ولجأ الرئيس إلى طلب التدخل من دول الخليج باعتباره الرئيس الشرعي فتدخلت المملكة العربية السعودية وقادت تحالفا عربيا مدعوما من دول إسلامية كباكستان وتركيا لضرب التحالف الحوفاشي في ما يُعرف بعملية عاصفة الحزم ثم عاصفة الأمل للحد من نفوذ إيران في اليمن، إلى هنا وهذا التصور صائب إلى حد كبير، لكن بناء على هذا التصور فما يتبادر إلى الذهن أن الحل يكمن في إجبار التحالف الحوفاشي على العودة إلى طاولة الحوار وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني فهذا ما يكرره الساسة ابتداءً بالساسة اليمنيين مرورا بالساسة الإقليميين وانتهاءً بالساسة الدوليين، وكل ذلك ينعكس في البيانات والقرارات المُتخذة والأهداف المعلنة لكل من تدخل لإنقاذ اليمن كالتحالف العربي أو من يتدخل بدعوى حرصه على إنقاذ اليمن كالدول الغربية.
إذن يُجمع الكل على أن الحل يكمن في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وهنا مكمن الخطر، فلم يتحدث أحدا عمّاهيّة مخرجات الحوار الوطني ؟!! وهل كان الحوار الوطني حوارا وطنيا ؟!! وهل تعبر المخرجات عن إرادة الشعب اليمني وتحل أزماته وتحقق له الأمن والاستقرار ؟!! هذه أسئلة جوهرية لأنها متعلقة بأمن اليمن وأمن المنطقة ومتعلقة بمستقبل اليمن واليمنيين، إنها جوهرية لأن اليمن قد خسر عشرات الآلاف من القتلى والجرحى وخسر أمنه واستقراره ومقدراته وبنيته التحتية، إنها جوهرية لأن التحالف العربي أعلن الحرب وتحدى قوى إقليمية ودولية لإنقاذ اليمن من براثن إيران ومشروعها الفارسي في اليمن والمنطقة ودفع هذا التحالف بأبنائه لخوض المعركة، إنها جوهرية لأن دول كباكستان وتركيا قد أيدت عاصفة الحزم ووضعت مصالحها الإستراتيجية على المحك مع قوى إقليمية ودولية أخرى، ولأجل كل هذا علينا أن نجيب على الأسئلة الجوهرية.
وحتى نجيب على هذه الأسئلة سنبدأ من نقطة مهمة وهي أن السفير الأمريكي في اليمن جيرالد فيرستين أعلن صراحة أن الحوار الوطني في اليمن مقترحا أمريكيا تم إدراجه أثناء التفاوض على ما يسمى الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية، وهذه الآلية هي التي انحرفت بمسار المبادرة الخليجية، فالآلية شيء والمبادرة الخليجية شيء آخر، أي أن الحوار الوطني لم يكن مقترحا يمنيا أو عربيا أو إسلاميا، والولايات المتحدة لم تقترحه عبثا لكن لتحقق أهدافها ومصالحها في المنطقة.
قد تتضح الصورة أكثر عندما نعلم أن المبعوث الأممي جمال بن عمر هو من تولى إدارة العملية السياسية في اليمن منذ مطلع العام 2012م وهو الذي أشرف على الحوار وفقا لأجندة الأمم المتحدة، وهذه الأجندة فرضت على اليمنيين حوارا ذات معايير خاصة لا علاقة له بمصالح الشعب اليمني ولا بثوابته ومصالحه العليا، فمعايير الأمم المتحدة لا تعترف بخصوصيات الشعوب ولا بهوياتها ودينها وثقافتها وتعمل على تطبيع دول العالم وفقا لمفاهيم حقوق الإنسان المعبرة عن هوية وثقافة الغرب المسيطر على دفة المنظمات الدولية منذ نشأتها وحتى اليوم، ولذلك فبينما كانت المبادرة الخليجية ترتكز على نقطة جوهرية تتمثل في إيقاف الاقتتال بين السلطة والمعارضة وذلك على أساس أن يُمنح الرئيس السابق صالح عبر البرلمان اليمني حصانة من الملاحقة القضائية هو وأركان حكمه مقابل تسليم السلطة لنائبه هادي ليُعد البلاد لانتخابات في غضون شهرين ليتمكن الشعب اليمني من ممارسة حقه في اختيار من يحكمه وفقا لدستوره وقوانينه، فبينما كان الأمر كذلك تدخلت الأمم المتحدة لتُعد البلاد لحوار وطني وفقا للمقترح الأمريكي.
فهذا الحوار عمل على تمكين الفئات التي لا شرعية لها ولا ثقل شعبي لها، فئات متمردة خارجة على الشريعة والقانون وثوابت البلاد ودستورها، فئات تعمل ضد المصالح العليا للشعب اليمني، وكان من نتائج ذلك أن أصبحت تلك الفئات مهيمنة ومسيطرة على المشهد السياسي في البلاد، وعلى رأس تلك الفئات الحركة الحوثية والفئات العلمانية التي تحركها الدوائر الغربية تحت غطاء منظمات المجتمع المدني ومجموعات الانفصاليين الذين فشلوا في تمزيق البلاد في العام 1994م، وأنصار صالح ونظامه الذين ثار عليهم الشعب بعد ظلم ومعاناة لأكثر من عقود ثلاث، فكل هذه الفئات حصلت على ما لا يقل عن 80% من مقاعد الحوار الوطني بينما حصلت الأحزاب والجمعيات التي ساندت الثورة الشعبية على 20% من المقاعد فقط، علما بأن جميع من شارك في الحوار خضع لمعايير صيغت وفقا لإشراف أممي، ولم يُمكّن الشعب من انتخاب أو اختيار من يمثله في هذا الحوار.
ولقد تم ذلك بموجب سياسة ماكرة أرهبت الشعب اليمني بدعوى أن عدم القبول بهذا الحوار وعلى هذه الشاكلة يعني الحرب الأهلية والدمار، وعمل الإعلام المحلي والإقليمي والدولي على تكريس هذه الصورة لابتزاز الشعب اليمني وجره إلى حوار لا يمثله، حوار أعلن قادته منذ البداية رفضهم لأي مرجعية، مكررين العبارة الشهيرة "سقف الحوار مفتوح"، فلم يقبلوا بمرجعية الشريعة الإسلامية شريعة الشعب اليمني، ولم يقبلوا بدستور البلاد كمرجعية للحوار، ولم يقبلوا حتى بتصويت أعضاء الحوار أنفسهم كمرجعية نهائية لحسم الخلافات التي يفشل المتحاورون في التوافق عليها، وذلك لأن من اقترح الحوار قد قرر إعادة صياغة اليمن بشكل كامل ابتداءً بصياغة هويته وانتهاءً بأدق التفاصيل المتعلقة بشأن اليمني وبلاده، ولذا كان أول ما استهدف هو دستور بالبلاد الذي يسجل هوية البلاد وثوابتها ومصالحها العليا، وثبتت لجنة يشرف عليها المبعوث الأممي كل ذلك في تقرير صدر في سبتمبر 2012م، وصدر به قرار جمهوري ليكون ضابطا للحوار، ولتضليل الشعب اليمني والمهتمون بقضيته في العالم العربي والإسلامي فقد أكد ذلك التقرير على أن تتعهد كل القوى السياسية المشاركة في الحوار بعقد ميثاق شرف إعلامي يقوم على الترويج للحوار ومجرياته وعدم نشر ما من شأنه تعطيل الحوار حتى لا يكتشف الشعب اليمني حقيقة هذا الحوار، وبهذه الطريقة تم كتم كل الدعوات التي قام بها العلماء والخبراء والمفكرون الذين انتقدوا الحوار إذ كشفوا عن كثير من مخاطر ما يدور وحذروا منه دون أن يجدوا وسيلة توصل صوتهم للشعب اليمني ولإخوانهم في العالم العربي والإسلامي، وباتت بياناتهم وفعالياتهم لا تعدو عن كونها زوبعة في فنجان، فالقوى السياسية التي لديها القدرة على تحريك الشارع اليمني باتت جزءا من العملية السياسية فعملت على تمرير الحوار الوطني وتثبيط وإفشال كل الفعاليات التي قام بها الناصحون لتنبيه الشعب اليمني لما يدور علما بأنهم حذروا بشكل كبير مما يدور اليوم من فرقة وقتال في الساحة اليمنية، فلقد كان الأمر واضحا وضوح الشمس إذ بدأ الحوار بالاعتذار للحركة الحوثية وللانفصاليين واعتبروا أن ما قامت به الدولة ضد غيهم وحروبهم خطأ يجب الاعتذار عنه وتعويض المتمردين والخارجين على دستور البلاد وثوابتها !!
وقضى اليمنيون عشرة أشهر في الحوار الذي بات ساحة مفتوحة لكل من لديه عداوة وخصومة مع الشريعة الإسلامية وثقافة الشعب اليمني المسلم، ولكل من لديه رغبة جامحة في الوصول إلى السلطة أو وتشطير البلاد وتمزيقها، ولكل من يسعى لإعادة تثبيت أركان النظام السابق لاستعادة الحكم في البلاد، وفي الوقت الذي اظهر فيه بعض المشاركون في الحوار معارضة لما يدور إلا أنهم أدركوا، بعد فوات الأوان، أنهم باتوا أقلية مضطهدة في أروقة الحوار، وان مهمتهم لا تتجاوز إعطاء شرعية مغشوشة لما يدور في الحوار الوطني . وبدأت الفئات المهيمنة على الحوار تستخدم الحوار كغطاء سياسي يمنحها الشرعية في الوقت الذي تمارس على الأرض ما يدمر استقرار اليمن وسلامة أبناءها، فالحركة الحوثية مستمرة في التوسع العسكري، والانفصاليون مستمرون في الترتيب لتمزيق البلاد، والليبراليون العلمانيون استمروا في محاربة الشريعة الإسلامية والترويج لكل ما من شأنه القضاء على التشريعات الإسلامية في البلاد، ونظام علي صالح وأنصاره استمروا في ممارسة التخريب واستهداف المنشآت الخدمية كالكهرباء والنفط وافتعال الأزمات لإفشال الحكومة التوافقية، وانتهى الحوار وجاءت المخرجات التي لا يزال يعتبرها الجميع حلا ويقاتل من اجل تنفيذها فما هي هذه المخرجات ؟!!
جاءت المخرجات في وثيقة تقع في 350 صفحة تقريبا مليئة "بحلول" توافقت عليها كل القوى السياسية المشاركة في الحوار معظمها نقاط تعتبر محل اتفاق لا يُختلف عليها كدعم التعليم والاستثمار والتنمية والصحة والحقوق والحريات، والحقيقة أن معظم تلك النقاط مُقرّة في دستور البلاد القائم، إلا أن الوثيقة احتوت على نقاط خطيرة جدا على رأسها تهميش الشريعة الإسلامية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يكفي أن نعرف أن الوثيقة أقرت إلزام اليمن بتغيير وتعديل قوانينه الوطنية المستقاة من أحكام الشريعة الإسلامية لتتلاءم مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، وهي المواثيق التي تحمل في طياتها العديد من البنود المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وقد أتاحت هذه الوثيقة حرية لا محدودة لكل الجماعات والأفكار والمعتقدات واستثنت من ذلك حرية من يستخدم الخطاب الديني في السياسة فاعتبرته مجرما لزم منعه وعقابه، وبهذا يصبح من يحتج بالكتاب والسنة والإجماع في القضايا السياسية محل تجريم وتحت طائلة المسائلة القانونية في الوقت الذي أُتيح المجال لكل أنواع الآراء والأفكار تحت مفهوم حرية التعبير، وهكذا لم يحاصر إلا الدين وأهله، أي الإسلام لأنه دين الشعب اليمني.
الوثيقة أقرت تقسيم البلاد إلى ستة أقاليم تقسيما سياسيا وليس إداريا تحت لافته النظام الفدرالي، لكن بصيغة جديدة وغير معهودة في مثل هذا النظام فلقد منحت الأقاليم سلطات تضمن تقسيم البلاد وتمزيقها، منها على سبيل المثال لا حصر حق الولايات في الأقاليم بالاتصال بالشركات الأجنبية ومنح العقود لها لاستخراج الثروات واستثمار الخدمات وذلك بالاشتراك مع سلطة الإقليم والسلطات الفدرالية، وهذا سيخلق الكثير من الصراعات في المستقبل ولنا في حال العراق عبره، كما أن الوثيقة قسمت البلاد على أساس هويات جديدة، ففي الوقت الذي تحاول دول العالم فيه الحفاظ على هويتها وتطبيق البرامج والمشروعات التي تؤكد على هوية موحدة للدولة تجنبا للوقوع في أزمات الهوية المشجعة للصراع والاقتتال، أقرت الوثيقة هويات جديدة للبلاد، فإلى جانب أزمة الهوية القائمة في البلاد تحت مسميات شمالي جنوبي حضرمي عدني، جاءت الوثيقة لتضيف هويات جديدة لليمنيين استدعتها من مجاهل التاريخ وبعثتها من غياهب الزمان كإقليم أزال وإقليم سبأ وإقليم الجند مُقرّة بأن التقسيم جاء على أساس أن لكل إقليم هوية خاصة به، وهذا مع الزمن سيخلق صراعات مبنية على عصبيات جديدة، بل أن بعضها قد بدأ بالفعل حيث يتم تشكيل جيوش خاصة بكل إٌقليم مع بداية الصراعات التي تمر بها البلاد اليوم، وإمعانا ممن أعد هذا التقسيم في خلق بيئة للصراع، فلقد قُسمت الأقاليم بحيث تكون الأقاليم الأكثر ثروة ومساحة هي الأقل سكانا بينما الأقاليم الأكثر سكانا هي الأقل مساحة وثروة، فلقد كدس هذا التقسيم ثروة البلاد ومساحتها في إقليمي حضرموت وسبأ فأصبح فيها 75% من الثروة والمساحة وعدد سكانها 25% فقط، بينما بقية الأقاليم التي فيها 75% من السكان لا تملك سوى 25% من مساحة البلاد وثروتها، وهذا حتما سيُهيئ البلاد للصراع مستقبلا بين الأغنياء والفقراء ويكون بيئة خصبة للتدخل الأجنبي خاصة وان مخرجات الحوار قد ضمنت أن الحقوق السياسية في كل إقليم محصورة لأبنائه وليس لكل مواطن يمني، فالمواطن اليمني لا يملك، بحسب نص المخرجات، إلا حق الإقامة والعمل والاستثمار في الأقاليم التي لا ينتمي إليها !!
ولم يفت على من سيّر الحوار أن يغتال مستقبل الأجيال القادمة من خلال وضع مخرجات خاصة بالتعليم، فلقد ورد في وثيقة مؤتمر الحوار وجوب "إشراك القطاع الخاص المحلي والأجنبي في وضع سياسات التعليم والتدريب مع الجهات الحكومية وفتح الباب دون قيود للقطاع الخاص المحلي والأجنبي للاستثمار في قطاعي التعليم والتدريب" . وهذا يعني أن المناهج التعليمية وأهدافها ومضامينها ستكون عرضةً للتغيير بما يتفق مع أهداف وسياسات المشاركين في صياغة السياسة التعليمية من الأجانب المستثمرين في قطاع التعليم دون أي قيود، وسيكون لذلك مخاطرٌ واضحة على تربية وتعليم النشء والأجيال القادمة، والأسوأ من ذلك أن مخرجات الحوار نصت على إعادة صياغة المناهج وفق الدستور الجديد، فلقد ورد في المخرجات ما نصه " صياغة المناهج الدراسية والوسائل التربوية في مدارس التعليم العام الحكومية والخاصة بحيث تستوعب مبادئ الدستور الجديد وما هو متفقٌ عليه بين المذاهب الرئيسية والمدارس الفكرية وتستبعد الأمور الخلافية"، وكما ناقشنا أعلاه فإنه من الواضح أن مبادئ الدستور الجديد مبادئ علمانية بعد أن استهدفت الشريعة الإسلامية على النحو المبين أعلاه، كما أنه من المعلوم أن اليمن بلد مسلم تمتلئ مناهجه الدراسية بالسيرة النبوية وسيرة الصحابة وغيرها مما هو متفق عليه عند أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأن تطبيق هذا النص يستلزم حذف معظم تاريخ الصحابة والتابعين وإسهاماتهم العلمية من المناهج التعليمية بدعوى أنها محل خلاف مع الحوثيين والعلمانيين.
مخرجات الحوار الوطني أكدت على استنبات الأقليات لتكون بمثابة أداة تُيسر وتُبرر التدخل الأجنبي في شؤون البلاد، فلقد ورد في وثيقة مؤتمر الحوار ما نصه " تكفل الدولة حقوق الأقليات في التمتع بثقافتهم الخاصة وإقامة شعائرهم واستخدام لغتهم"، وورد أيضا ما يلي : "حرية ممارسة الشعائر الدينية لكل مواطن بحسب دينه ومعتقده ومذهبه" والمعروف أن اليمن فيها دينٌ واحد فحسب وهو الإسلام، فعن أي دين ومعتقدات يتحدث هذا الفريق سوى تلك المعتقدات الوافدة لخلق أقلياتٍ دينية ستؤدي إلى صراعات تحرم اليمن واليمنيين من الاستقرار والتنمية والبناء فلقد رأينا الحركة الحوثية وما تصنعه في البلاد . ثم تحدثت مخرجات مؤتمر الحوار عن سن التشريعات التي تعطي هذه الأقليات دوراً سياسيا مؤثراً في الحياة السياسية اليمنية، إذ نصت على أن " تلتزم الدولة باتخاذ تدابير تشريعية لتعزيز الحريات الأساسية والحقوق السياسية للمواطنين المنتمين للأقليات (إن وجدت)"، والنص في التقرير على عبارة إن وجدت ووضعها بين قوسين يُعتبر دليل على عدم مقدرة من وضع النص على إنكار الحقيقة المتمثلة بعدم وجود أقليات لها أديان مختلفة في اليمن، ولكن وضع هذا يعكس تأثير الهيمنة العلمانية للدول الغربية على صياغة مخرجات مؤتمر الحوار لدولة عربية مسلمة، ورغبة الدول الغربية في زرع ورعاية الأقليات عملٌ أساسي في سياستها الخارجية يعود عليها بالمصالح والسيطرة والهيمنة على الدول الهشة والضعيفة مثل اليمن.
ولأن للشعب اليمني ثوابت واضحةً وعلى رأسها الشريعة الإسلامية التي يلوذ إليها الشعب لحمايته من الاختراق، فلا بد من إزالة هيمنة الشريعة الإسلامية لتتمكن الأقليات من النمو بالشكل المطلوب ووفقا للإرادة الغربية ولذا نصت مخرجات الحوار مستخدمة ذريعة المساواة ما نصه " المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق و الواجبات دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد ..."، وبهذا تتمكن الدول الغربية من إزالة أحكام الشريعة الإسلامية التي تحافظ على النسيج الاجتماعي للدول المسلمة لتتمكن من اختراقها عبر الأقليات التي تزرعها وترعاها في هذه الدول ثم تستخدمها لإمضاء مصالحها.
المتأمل في مخرجات مؤتمر الحوار والعمل على تحويلها إلى دستور جديد للبلاد يدرك تماما، أن الجيش اليمني أُستهدف أيضا، إذ حيدت المخرجات الجيش وفككته لترك المجال للميليشيات المسلحة لاسيما الحوثية منها لتسيطر على الدولة، فمما ورد في مخرجات مؤتمر الحوار ما نصه، " تحريم وتجريم استخدام الجيش في الصراعات الداخلية"، وهذا خطأٌ استراتيجي يقضي على الدولة، فلقد كان إقرار هذا النص يمثل انتصارا كبيراً للحركة الحوثية في تحييد الجيش، بل وتجريم استخدامه ضد ميليشياتها المسلحة، ما مكنها من الوصول إلى العاصمة وإسقاطها، فلطالما احتجت الحركة الحوثية أثناء حروبها بهذا النص وهو النص الذي استند عليه الممثل الأممي والسفارات الأجنبية لشل الجيش وتهديد القادة العسكريين ليفسحوا المجال أمام الحركة الحوثية للوصول إلى العاصمة، وعلى نفس المنوال فإن مليشيات الحراك الانفصالي في الجنوب ستستخدم هذا المُخرج لمنع الجيش من القيام بواجبه الوطني في الوقوف أمام المليشيات التي ستسيطر على الجنوب للعمل على انفصاله، وما يؤكد ذلك أن مخرجات الحوار قسمت الجيش على أساس مناطقي مما يزيد الجيش ضعفاً إلى ضعفه إذ قسمت مراكزه القيادية مناصفةً بين ما يسمونه جنوب البلاد وشمال البلاد، فلقد ورد في وثيقة مؤتمر الحوار ما نصه " ...بعد تبني الدستور الاتحادي يمثل الجنوب بنسبة خمسين في المائة في كافة الهياكل القيادية في الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما فيها الجيش والأمن..."، وفي هذا إحياء لحالة التشطير التي تجاوزها اليمنيون مع قيام الوحدة اليمنية، وإلى جانب ذلك فلقد أقرت مخرجات الحوار إقحام النساء في الجيش والأمن والاستخبارات فلقد نصت المخرجات على " توسيع وتمكين عمل المرأة في الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية."، وهذا تغيير جذري في حياة المجتمع اليمني الذي ينظر إلى المرأة من خلال مجموعة قيم وأحكام شرعية تتناسب مع هويته وثقافته وأعرافه وتقاليده.
في الختام علينا أن ندرك أن القتال في اليمن تحت راية تنفيذ هذه المخرجات لن يزيد الأمر إلى تعقيدا وسيفتح صراعات جديدة، ولعل علماء اليمن الذين أدركوا الأمر قد اقترحوا حلا مناسبا يتمثل في أن يدعوا الجميع إلى قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله وان تُهيئ البلاد إلى انتخابات حرة ونزيهة ويؤجل أمر هذه المخرجات إلى أن توضع أمام ممثلي الشعب وهم وحدهم من سيقرون ما هو مناسب ويستبعدون ما هو مضر باليمن وأهله والمنطقة على أن يكون مردهم في كل أمر إلى الله ورسوله، فقد تكون المخرجات على هذا النحو والخوف من تطبيقها عاملا محركا للصراع واستمرار القتال.

---------------------------------------------