المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقرير عن نشأة علوم اللغة العربية


عبدالناصر محمود
05-09-2015, 07:38 AM
تقرير عن نشأة علوم اللغة العربية
ــــــــــــــــ


(محمد حمدان الرقب)
ـــــــــــ

20 / 7 / 1436 هــ
9 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ

http://bn143.weebly.com/uploads/2/8/7/2/28725553/4007203_orig.jpg



تقرير عن نشأة علوم اللغة العربية

(1)
رأي في نشأة اللغة:
-------------

على كثرة الأقوال والتأويلات والتفسيرات التي تناولها العلماء[1] والباحثون[2] وحتّى المستشرقون[3] عن أصل اللغة[4]، وكيف نشأت، فإنّي أجدني جانحًا للرأي القائل إنّ نشأة اللغة أمرٌ إلهيّ دفعه إلى أبينا آدم عليه السلام، قد يكون بالإلهام، وهذا أحد الآراء التي قيلت، أو قد يكون بأن جمع الله تعالى آدم وذرّيته وعلّمهم جميعًا أسماء اللغة وألفاظها ومدلولاتها، باختلاف الألسنة واللغات، أو إن أردتُ التحديد، ما كان مهمًّا منها للمعيشة والتواصل، ثم من بعدِ ذلك، نشأت ألفاظ أخرى افترضتها طبيعة المجتمع الذي يتطوّر بصورة أعقد من ذي قبل.

وثمّة ما يؤيّد هذا الرأي، ولو على سبيل التأويل والمصاقبة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف: 172، 173][5] فإنّ من الآراء ما يقول إن الإشهاد قد وقع بطريقةٍ ما لا نعلم كيفيّتها، وذلك أن جمع الله تعالى ذريّة آدم وأخذ عليهم مواثيقهم بألّا يشركوا به شيئًا، حتّى لا تكون لهم حُجّة عليه سبحانه، كأن ينكروا أنّ الله تعالى لم يخبرهم بإخلاص العبوديّة له.

وكذلك لمّا قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 31 - 33][6] فالله تعالى قد أسند الفعل (عرض) إلى ضمير العاقل (هم) فهذا دليلٌ على أنّه جمع الناس على صورة من الصور، ثمّ قال لآدم: ﴿ أَنْبِئْهُمْ ﴾ أي أنبئ الملائكة أو أنبئ الناس، بـ ( بِأَسْمَائِهِمْ ﴾ أسماء الناس. فلو قيل إنّ هذا الأسلوب مطّرد في العربية في تغليب ما يعقل على ما لا يعقل ولذا كان الخطاب بصورة العاقل، قلتُ: وهذا دليل على أنه كان في هذا المكان الذي جمع الله تعالى فيه الأشياء خلقٌ عاقل.

وكذلك حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم: "عُرِضَتْ عليّ الأمم، فرأيتُ النبيّ ومعه الرهط، والنبيّ ومعه الرجل والرجلان، والنبيّ وليس معه أحد، إذ رُفِعَ لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرتُ، فإذا سواد عظيم ثم قيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب[7]" فهذا حديث صحيح يؤيّد ما قلناه ولو بوجه من الوجوه التي تستساغ، فالنبي الكريم قد رأى رأي العين شيئًا لم يحدث بعد، وكلّ ذلك بأمر من الله الذي قال للملائكة لمّا علّم آدم الأسماء كلها: ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 33].

وما دام أنّ هذا المبحث صعب بيّن الصعوبة، وعرٌ مسلكه، لم يحكم عليه قولٌ فصل، ولم يُحسَم شأنه بعد، فذلك يعني أن هذا التأويل ليس بأعجب من بعض التأويلات التي سبق تناولها؛ فأنت - مثلًا - تحسّ في بعض الأحايين أنّك قد رأيت شخصًا ما، حينما أبصرته أوّل مرّة، في زمن بعيد موغل في البعد، مع أنّك لم تره من قبل، ولكن تحسّ به إحساسًا مُبهما، أو أن تزور مكانًا لم تزره من قبل، وتحسّ بأنّك تألفه وعلى عهد به من قبلٍ، ومن هذا الإحساس الغامض يمكنني أن أركن، ولو على أرضيّة رطِبة[8]، إلى القول إن الله تعالى قد جمعنا قبل أن نولد، على نحو من الأنحاء، وعلى طريقة من الطرق التي ليس بمكنتنا أن نتصوّرها؛ وذلك لأمرين ذكرتهما: ليعلّمنا اللغة، وللإشهاد.

(2)
حال العرب في الجاهليّة:
---------------

كان العرب في عصر الجاهليّة يتكلّمون باللغة بصورة طيّعة سلسة، وكانت تقام الأسواق الأدبيّة، مثل سوق عكاظ، تُقام فيه المؤتمرات والندوات، كلٌّ يلقي بدلوه من الشعر من إنشائه أو من محفوظه، وكذلك كان سوقًا للخطابة، يؤمّها المدارِه والمفوّهون، ولعل أشهر الخطباء في ذلك العصر قسّ بن ساعدة الإيادي، وكانوا يتبارون ويتفاخرون ويتعاظمون بما لديهم من حسن البلاغة والبيان.

وهكذا نشأت اللغة العربية في أحضان جزيرة العرب خالصة لأبنائها، نقيّة سليمة لا يشوبها ما يكدّرها، ويطعن في سلامتها؛ فمن البدائه أنّ الدرس اللغوي كان غائبًا في ذلك العصر؛ إذ ليس من سبب موجب لذلك، فالألسنة مستقيمة، والقواعد قارّة في الأذهان، والقبائل لم يخالطها الأعاجم.

(3)
حال العرب بعد عصر الإسلام:
------------------------

ولمّا دنا عصر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا، اختلط الحابل بالنابل، وتخالط العرب بمن وفدَ إليهم من الأعاجم، أو بمن وفدوا إليه من غير العرب القاطنين في الأمصار التي فتحوها، فكان أن فسد اللسان العربيّ، وشاع اللحن شيوعًا فاحشًا، وخيف على سلامة اللغة من الشوائب، وخيف أيضًا على فهم القرآن الكريم وعلوم الدين، ففطن العلماء إلى ذلك، ونهدوا يجمعون من اللغة مفردتها وأساليبها دون تمحيص أو ترتيب، حتّى أصبح ما جمعوه مادّة عظيمة، فطفقوا يبوّبون الأبواب ويقعّدون القواعد. وهكذا انبثقت مرحلتان هنا: مرحلة الجمع والرواية، ومرحلة التقعيد والدراية.

وقد ذكر الإمام الغزاليّ في كتابه "إحياء علوم الدين" أنّ العلوم تنقسم عدّة أقسام، وذكر أنّ علوم اللغة هي من علوم الآلة التي هي مطيّة علوم الدين والشريعة، فلا سبيل إلى فهم الدين دون التفقّه في اللغة التي هي مادّته، ومن هذا المرسى انطلق العلماء يقعّدون علوم اللغة نحوَها وتصريفها وأصواتها ومعاجمها، كلّ ذلك بجهد مضنٍ، وهمّة سامقة، وإرادة صلبة، وذلك بعد أن تفشّى اللحْن الناجم عن اختلاط الأعاجم بالعرب بفضل الفتوحات الإسلاميّة التي شملت مساحات مترامية الأطراف على نحو ما ذكرت قبلُ.

وتجدر الإشارة إلى أنّ علم الفقه بأصوله وقواعده ومناهجه كان أسبق في الظهور من علم أصول اللغة وعلم أصول النحو؛ إذ اهتمّ علماء المسلمين بالتأليف في الفقه الإسلامي والتفسير القرآني، وبعد أن تمّ تدوين هذه العلوم اتّجه العلماء وجهة أخرى نحو تسجيل العلوم غير الشرعية، ومن بينها اللغة والنحو[9]. ولمّا أظلّ زمان الفتوحات الإسلاميّة ودخل كثير من العجم في الإسلام واختلط بالعرب، وما يتبع ذلك من التفاعل والمشافهة والمصاهرة والاندغام؛ ما أدّى إلى ظهور أساليب ومفردات لا عهد للعربيّة بها من قبل، دعت الحاجة حينئذٍ إلى وضع ضوابط وقواعد لغويّة تمكّن غير العربيّ من فهم النصوص كما يفهمها العربيّ الذي أتت النصوص بلغته، كما دعت الحاجة إلى وضع قواعد نحويّة يقتدون بها على صحّة النطق[10].

(4)
اللغة العربيّة:
---------

مرّت اللغة العربيّة في أدوار كغيرها من اللغات، فتغيّرت ألفاظها بما طرأ عليها من النحت والقلب والإبدال، وما داخلها من لغات الأعاجم بسبب الفتوحات واختلاط العرب بغيرهم من الأمم[11] على ما سيأتي ذكره فيما بعد.

ولم يكن في استطاعة المؤرّخين بيانُ الحال التي كانت عليها اللغة العربيّة في الأدوار التي مرّت بها قبل الإسلام؛ بسبب تعذّر العثور على أمثلة مدوّنة يُرجَع إليها ويُقاس عليها، على أنه مهما يكن من اللغة العربيّة وغموض تاريخها القديم فقد عرفناها عند انبلاج نور الإسلام ناضجة بالغة منتهى الفصاحة والبلاغة في ألفاظها ومعانيها؛ فهي من أغنى لغات العالم، وقد وُضع فيها لكلّ مسمّى أسماء عديدة، وجعل لكلّ فعل فروع ومشتقّات كثيرة[12].

(5)
قصّة بداءة نشأة النحو:
--------------

المتتبّع للأخبار الواردة من بطون الكتب التي اختصّت بتأريخ نشأة علوم اللغة يلحظ هذا الاضطراب في الروايات، وبالأخصّ رواية مَن وضع النحو، وما الدافع الذي دعاه إلى وضعه.

فمن قائل إنّ عليّا رضي الله عنه هو الذي أوّل من وضع النحو، ومن قائل إن عليّا أوعز إلى أبي الأسود الدؤلي بوضع النحو، ومن قائل إنه عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، ومن قائل إنه زياد بن أبيه، ومن قائل إن أبا الأسود استشعر بنفسه هذا الخاطر بوضع النحو لمّا سمع قائلًا يقرأ (لا يأكله إلا الخاطئين) بدلًا من ﴿ الْخَاطِئُونَ ﴾.

(6)
رواية من الروايات:
------------

ذُكِر أنّه قدم المدينة المنوّرة أعرابيّ في عهد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فقال: من يقرئني شيئًا ممّا أنزل الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلّم؟ فأقرأه رجل سورة (براءة) فقال "أنّ الله بريء من المشركين ورسوله" بجرّ رسوله. فقال: أوَ قد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله تعالى برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فبلغ عمر رضي الله عنه مقالة الأعرابيّ فدعاه، فقال: يا أعرابيّ، أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني؟ فأقرأني سورة براءة، فقال إنّ الله بريء من المشركين ورسولِه، فقلت: أوَ قد برئ الله تعالى من رسوله؟ إن يكن الله تعالى برِئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فقال عمر رضي الله عنه: ليس هكذا يا أعرابيّ، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: إنّ الله بريء من المشركين ورسولُه، فقال: وأنا والله أبرأ ممّن برئ الله ورسوله منهم، فأمر عمر رضي الله عنه ألّا يُقرِئ القرآن إلّا عالمٌ باللغة، وأمر أبا الأسود الدؤلي أن يضع النحو[13].

(7)
تعريف علم النحو:
-----------

لم أعْثر على تعريفٍ لعلم النحو في الكتب التي تناولت هذا العلم عند المتقدمين، ولكن ورد تعريف النحو في المعاجم، وعلم النحو في كتب النحو المتأخرة بعد أن انتشر مفهوم علم النحو على هذه الحال.

ورد في لسان العرب تعريف كلمة النحو في اللغة بأنها القَصْد والطريق[14]، ونحو العربية: هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكبير والإضافة والنسب وغير ذلك ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها وإن لم يكن منهم أو إن شذ بعضهم عنها رد به إليها[15].

إذن فإن علم النحو إنما أنشئ وقعّدت قواعده لكي يقوّم اللسان العربي، ويحدّ من تفشّي اللحن في أوساط العرب جرّاء امتزاجهم بالأعاجم. و"الاستعانة على فهم الكلام العربي[16]"

والنحو في عُرف النحاة معرفةُ أحوال أواخر الكلم من جهة الإعراب[17].

وعرّفه ابن عصفور بأنه: علمٌ مستخرج بالمقاييس المستنبطة من كلام العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي تأتلف منها[18].

وذكر ابن السراج في أصوله أن النحو علم استخرجه المتقدمون من استقراء كلام العرب[19].

(8)
سبب تسمية النحو بهذا الاسم:
-----------------

ومن الروايات من تقول إنه انبرى أبو الأسود الدؤليّ، بتوجيه من عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، يجمع ما وقع عليه من أبواب العربيّة، فوضع بابي العطف والنعت، ثمّ بابي التعجّب والاستفهام، إلى أن وصل إلى باب إنّ وأخواتها ما خلا لكنّ، فلمّا انتهى منها وعرضها عليه، أمره أن يضمّ لكنّ إليها، وهذا دأبه في كلّ باب من أبواب النحو، حتّى إذا فرغ منه عرضه عليه، فقال له: ما أحسن هذا النحو الذي نحوْتَ! فلذلك سمّي النحو، "وآثر العلماء تسمية هذا العلم بعلم النحو استبقاء لكلمة الإمام التي كان يُراد بها أحد معاني النحو اللغويّة، والمناسبة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي جليّة[20]"، ومن الروايات التي تقول إنّ علم النحو كان على أيّام الدؤلي كان يسمّى علمَ العربيّة، فيقول ابن سلام في الطبقات: "وكان أوّل من استنّ العربيّة وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي".

(9)
من علماء النحو:
-------------

من البصريّين:
1- نصر بن عاصم (ت 89هـ)
2- عيسى بن عمر الثقفي (ت149هـ)
3- أبو عمرو بن العلاء (ت154هـ)
4- الأخفش الأكبر أبو الخطاب (ت 177هـ)
5- الخليل (ت 175 هـ)
6- سيبويه (ت 202 هـ) وكتابه "الكتاب" هو أوّل عمل نحْويّ جمع بين دفّتيه كلّ ما وصل إليه من جهود النحاة السابقين من أبي الأسود الدؤلي إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ إذ يقول ابن خلدون "إنّ سيبويهِ قد أخذ صناعة النحو عن الخليل، فكمّل تفريعاتها واستكثر من أدلّتها وشواهدها، ووضع في كتابه المشهور الذي صار إمامًا لكلّ ما كتب من بعده[21]"
7- الأخفش سعيد بن مسعدة (ت 215هـ)

من الكوفيين:
1- معاذ الهرّاء (ت 187هـ)
2- الكسائي (ت 189 هـ)
3- الأحمر (ت 194 هـ)
4- الفرّاء (ت 207 هـ)
5- اللحياني (ت 220 هـ)
6- ثعلب (ت 291 هـ)

(10)
الصرف أو التصريف:
----------------

ومثلما تحدّثنا فيما سبق عن النحو ونشأته، فالقول نفسه هنا؛ فالعرب في جاهليّتهم كانوا على دراية بما ينطقونه ويتحدّثون به، فكانوا يجمعون المفردات جمعًا سليمًا، ويصغّرون ويثنون ويسندون الأفعال إلى الضمائر إسنادًا سليمًا، وهكذا في أبواب الصرف جميعًا، ولمّا انبثق عصر الإسلام على نحو ما سبق ذكره، فسد اللسان العربيّ فسادًا استوجب أن يُتَدارك، وهكذا نشأ علم العربيّة.

(11)
الصرف قسم في النحو:
---------------

لم تكن أبواب الصرف منفصلة عن أبواب النّحو، بل كانت كتب النحو تُدرِج أبواب الصرف في أثنائها أو في آخرها، وكان علما النحو والصرف موضوعين تحت مسمّى واحد، هو Grammar أي قواعد اللغة، فكتاب سيبويه مثلًا يحتوي بالإضافة إلى قضايا النحو أبوابًا من الصرف والصوت، وكذلك فعل الزمخشري في المفصّل وشروحها، وابن مالك في الألفيّة وشروحها، وابن هشام في التوضيح وقطر الندى وشروحها.

وقد وصف أنطوان ماييه الفصلَ بينهما بأنه مصطنع، والتمييز بينهما حمق؛ إذ يقول: "فعندما نميّز بين علم الصيغ Morphology وعلم النظم Syntax جاعلين موضوع أحدهما صيغ الألفاظ، وموضوع الآخر بناء الجمل، يكون تمييزنا مصطنعًا، ولَكَمْ من مرّة يميّزون فيها بين علم الصيغ باعتباره العلمَ الذي يدرس بناء الصيغ النحْويّة وعلم النظم باعتباره ذلك الذي يتناول وظيفة تلك الصيغ، وهذا تمييز أحمق[22]".

ولذلك لا بدّ من الإشارة إلى أنّ استقلال الصّرْف عن النحو هو استقلالٌ صُوَريّ، والفصل بينهما أمر منهجيّ من أجل الدراسة، لكنّ التكامل بينهما، واستعانة كلّ منهما بقوانين الآخر للوصول إلى حقيقته، أمر لا يمكن الاستغناء عنه[23].

(12)
واضعه:
--------

بناء على ما نقلته كتب التراجم فإنّ أوّل من جعل للتصريف درسًا مستقلّا هو معاذ بن مسلم الهرّاء (ت 187 هـ)، وإن لم يترك أثرًا يدلّ على ذلك، ويبدو كذلك أن درسه في هذا الشأن لم يكن معْلَمًا يستحقّ الوقوف عنده، وكان محدود الأثر؛ ما حرمه من فرصة الشهرة والتميّز من غيره من علماء البصرة في هذا العلم؛ حتّى إن ابن النديم قال فيه: "ولا كتاب له يُعْرَف[24]".

(13)
موضوع علم الصرف:
-------------

موضوع علم الصرف هو المفردات العربيّة، من حيث البحث عن كيفيّة صياغتها لإفادة المعاني، أو من حيث البحث عن أحوالها العارضة لها من صحّة وإعلال ونحوهما. والمراد بالمفردات: الاسم المتمكّن، والفعل المتصرّف.

ولكنّ علم الصرف أوّل الأمر لم يكن يهتمّ إلّا بمسائل قليلة؛ إذ يقول سيبويه: "هذا باب ما بنته العرب من الأسماء والصفات والأفعال غير المعتلّة والمعتلّة وما قيس من المعتلّ الذي لا يتكلّمون به، ولم يجئ في كلامهم إلا نظيره من غير بابه، وهو الذي يسمّيه النحويّون: التصريف والفعل[25]". وهذا هو أوّل نص بين أيدينا في تعريف التصريف[26].

ولكنّ ابن جنّي يجعل للتصريف معنيين، المعنى الأوّل: "هو أن تأتي إلى الحروف الأصول فتتصرف فيها بزيادة حرف، أو تحريف بضرب من ضروب التغيير، فذلك هو التصرف فيها والتصريف لها، نحو قولك ضرب، فهذا مثال الماضي، فإن أردت المضارع قلت: يضرب، أو اسم الفاعل قلت: ضارب...[27]"

والمعنى الثاني: "أن تجيء إلى الكلمة الواحدة فتصرّفها على وجوه شتّى، مثال ذلك أن تأتي إلى (ضرب) فتبني منه مثل: جعفر، فتقول: ضربب، ومثل قمطر: "ضربب"، ومثل درهم: ضربب...[28]". وهكذا تطوّر علم الصرف على أيدي العلماء واشتمل على مباحث كثيرة، وأفرد بالبحث والتصنيف، ومن أشهر المصنّفات فيه:
(14)
الصرف قسيم النحو:
--------------

ثمّ لأمر منهجيّ استلّ العلماء من كتب النحو المباحث التي لها صلة بالصّرْف وبوّبوها ونظّموها، ولعلّ الذي جعل الصرف علمًا من علوم العربية المستقلّة هو المازني (ت 249 هـ)؛ فهو رأى أنّ سيبويه قد حاز قصب السبق في وضع علم النحو، وأن على العلماء أن يتفرّغوا لعلوم أخرى، فهو يقول: "من أراد أن يعمل كتابًا كبيرًا في النحو بعد سيبويه فلْيستحْيِ"، ومع أنّ كتابه صغير فإنّه جامع لعلم التصريف، ويعدّ أصلًا في موضوعه ككتاب سيبويهِ، فكلّ منهما أصل في موضوعه: الأوّل في التصريف، والثاني في النحو[29].

ووضع ابن جنّي كتابًا خاصًّا في أصول التصريف سمّاه التصريف الملوكيّ، الذي لقي اهتمامَ بعضِ العلماء، الذين شرحوه، منهم: أبو القاسم الثمانيني (ت 442 هـ) وابن يعيش (ت 643 هـ).

ومن أشهر المؤلّفات في علم الصرف:
1- نزهة الطرف في علم الصرف لأبي الفضل الميدانيّ (ت 518 هـ)
2- الشافية في التصريف لابن الحاجب (ت 646 هـ)
3- العزّي في التصريف لعزّ الدين الزنجاني المعروف بالعزّي (ت655 هـ)
4- شرح الشافية لرضيّ الدين الإستراباذي (ت686 هـ)
5- عمدة الطالب في تحقيق تصريف ابن الحاجب لابن هشام (762 هـ)
6- التعريف في نظم التصريف لمحمد بير عليّ المعروف ببيركليّ (ت 981 هـ)

ويتوالى التأليف في علم التصريف إلى يومنا هذا بوصفه علمًا متميّزًا ومنفصلًا بمنهجه ومسائله وقضاياه؛ حتّى أصبح قسيمًا للنحو وليس قسمًا منه[30].

(15)
علم الأصوات:
----------

كان الجانب النطقيّ من أهمّ وسائل حفظ القران الكريم، فوصف المتخصّصون من العلماء الأقدمين قواعدَ لدراسة اللغة العربية، فوصفوا مخارج الأصوات وصفًا دقيقًا، وتحدّثوا عن صفات الأصوات، فنشأ (علم التجويد)؛ فكان هذا المبدأ السبب الأبرز في اهتمام علماء العربية في دراسة الأصوات، فألّفوا فيها الكتب والمصنّفات. ولعلّ ارتباط دراسة الأصوات بالقرآن الكريم، لا سيّما تجويده وتلاوته التي تستند إلى النطق الصحيح للأصوات وضبط مخارجها وصفاتها، هو الذي يقود إلى القول إنّ علمَ الأصواتِ قد ارتبط بعلم التجويد. غير أنّ علم التجويد من حيث هو علم يعنى بدراسة مخارج الأصوات وصفاتها، وما يترتّب على ذلك من أحكام عند تركيبها في الكلام المنطوق ظهر في حدود القرن الرابع الهجري، فلم يُعْرَف كتاب ألّف في هذا العلم قبل ذلك القرن.

إنّ أوّل فكر صوتي وصل إلينا عن علماء العربيّة يتجلّى في محاولة أبي الأسود الدؤلي وضْعَ رموز لقسم مهمّ من الأصوات اللغوية، وقد أحسّ أنّ من أسباب الخطأ في القرآن الكريم، بعد فساد السليقة وشيوع اللحن، غياب تلك الرموز الدالة على الحركات، فقد سجّل النطق السليم لكتاب الله، فيأتي بكاتب ويضع أمامه المصحف، ويقول: إذا رأيتني أفتح فمي بالحرف فانقط واحد فوقه، وإذا رأتني أضمّه فانقط واحدة بين يديه، وإن رأيتني أكسره فاجعل النقطة من تحته، وإن اتّبعت شيئًا من هذه الحركات غنّة فاجعل النقطة نقطتين[31].

ومهما يكن من أمرٍ، فقد كان الخليل بن أحمد الفراهيدي من أوائل العلماء العرب الذين عنوا بدراسة الأصوات اللغويّة، فألّف معجم العين الذي بثّ فيه آراءه الصوتية في مخارج الأصوات وصفاتها، فسمّاه (العين)؛ لأنّه بدأ بصوت العين. وفي مقدّمته الموجزة نجد أوّل مادّة صوتية تدلّ على أصالة علم، فهو صاحب أوّل دراسة صوتية منهجية في تاريخ الفكر الصوتي عند العرب، حتّى إنه قد قلّ أن تجد قضيّة صوتية في العربيّة لم يتحدّث عنها الخليل، أو لم يشر إليها، وقد وصل إلى تلك المعارف بجهده الخاصّ، واصطناعه المنهجّ العلميّ القائم على البحث والاستقراء والتجربة والملاحظة[32].

تابعه في ذلك تلميذه سيبويهِ؛ إذ إنه استلهم أفكار الخليل وصاغها بصورة تتّسم بالشمول والدقة، فكان دقيقًا في تحليلاته وتقسيماته لصفات الأصوات ومخارجها؛ فضلًا عن الظواهر الصوتية التي درسها دراسة واعية تنمّ عن إدراك عميق لأسباب تلك الظواهر وأبعادها الصوتية.

ويمكن أن نعدّ ابن جنّيّ من أبرز العلماء الذين استطاعوا أن يستوعبوا نتاج الخليل وسيبويه، فوضع ما يشبه نظريّة الصوت اللغوي عند العرب، فأفرد كتابًا خاصًّا بالأصوات سمًاه (سرّ صناعة الإعراب)؛ فكانت نظرته في دراسة الأصوات نظرة علميّة دقيقة؛ إذ جمع بين الجانب النظري والجانب العملي التطبيقي، فقد تكلّم على الصوت بكلمات علميّة لها مفهومها المحدّد، فضلًا عن تناوله الأصوات العربية من معظم جهاتها وائتلافها في تركيب الألفاظ.

ومن بعد هؤلاء أخذ العلماء في دراسة الأصوات من خلال بحوثهم في الموضوعات اللغوية؛ إذ اهتمّ بها الصرفيون؛ لأنهم يعلّلون لبعض الصيغ التي تدخل الأصوات في نطاق دراستها، كالإبدال الصرفي والإعلال والإدغام والحذف والإمالة وغيرها من المسائل التي كانت تدخل مادّة الصرف على الرغم من كونها صوتية. وكذلك المعجميون الذين تناولوا هذا الجانب؛ لأنه داخل في نطاق دراستهم. ويكفي مثالا على ذلك مقدمة الخليل المهمة ومقدمة ابن دريد في الجمهرة[33].

(16)
علم المعاجم:
---------

بدأت البحوث اللغوية في اللغة العربية في أوّل الأمر في صورة رسائل لغوية، عمدت إلى جمع الألفاظ العربيّة، وكانت حركة جمع اللغة دائبة، برحلة الرواة إلى البادية وسماعهم عن العرب، وارتحال الأعراب من البادية إلى الحواضر كالبصرة والكوفة وبغداد ليؤخذ عنهم. وكان الجمع يتمّ بطريقة عفوية وغير منظّمة، فتكوّن لدى علمائنا منجمٌ لغويّ من القرآن الكريم والحديث الشريف ومن الشعر العربيّ، إضافة إلى ما جمعوه مشافهة من أقوال عرب البادية ومن المرتحلين منهم إلى الحواضر؛ الأمر الذي دعاهم إلى تنظيم هذا الشّعث المتناثر، وضمّ بعض المتشابه لفظًا أو معنى إلى بعضه الآخر، واجتهدوا في بيان معاني المفردات واستعمالها لدى العرب، وبذلوا في ذلك جهودًا منقطعة النظير.

وقد تمخّضت عن هذه الحركة الدؤوب أن ظهر ما يسمّى الرسائل اللغويّة بصورتها العمليّة؛ فهي أعمال معجميّة تطوّرت تدريجيًّا حتّى أصبحت تيّارًا قويًّا ورئيسًا في الدراسات اللسانية عند العرب، ومن هذه الرسائل ما كانت في غريب اللغة والقرآن الكريم والحديث الشريف ممّا استغلق فهمه، ولعلّ أوّل من عزي إليه التأليف في غريب القرآن الكريم هو عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه (ت 68 هـ) ثمّ تقفّى أثره مِن بعده علماء مثل: اليزيديّ (ت 202 هـ) وابن قتيبة (ت 276 هـ) وثعلب (291 هـ) ورسائلهم كلّها ضاعت إلا كتابي معمر بن المثنى وابن قتيبة.

وأما غريب الحديث فالنضر بن شميل هذا هو عُزِي إليه التأليف فيه، وكذلك عُزِيَ إلى الأصمعيّ (ت 216 هـ) أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت 224 هـ) وابن الأعرابيّ (ت231 هـ) وابن قتيبة والمبرّد (ت 286 هـ) وثعلب وابن دريد (ت 321 هـ) والأنباريّ (ت328 هـ) وابن درستويه (ت 347 هـ) وكلّها مفقودة. وتطوّر التأليف فيه وتوسّع على يد الزمخشري في كتابه (الفائق في غريب الحديث) وابن الأثير في كتابه (النهاية في غريب الحديث).

ثمّ بعد ذلك ظهرت المعاجم التي جمعت المفردات بنظام خاصّ وترتيب معيّن، وقد قام بأول خطوة وأهمها في هذا الباب الخليل بن أحمد في محاولته ضبط اللغة وحصر ألفاظها في معجم شامل يستوعب الواضح والغريب ويميّز المستعمَل من المهمَل من مفردات اللغة، وقد رتّبه حسب مخارج الحروف، مستهلًّا بحرف العين، وأطلق عليه معجم العين.

وظهرت طريقة ثانية في ترتيب المعجم وكانت تتّبع ترتيب الكلمات ترتيبًا ألفبائيًّا حسب حروفها الأصليّة الأولى، وأوّل من عرف هذه الطريقة واستعملها هو عمر الشيبانيّ في كتابه الجيم أو كتاب الحروف، غير أنه لم يلتزم في ترتيبه هذا إلا بالحرف الأول دون الثاني فالثالث، وأهمل ذلك بالنسبة إلى بقية حروف الكلمة[34].

وجاءت طريقة ثالثة ترتّب الموادّ حسب الحرف الأصليّ الأخير (القافية) مع مراعاة الحرف الأصلي الأوّل، أو ما يسمّى طريقةَ الباب والفصل التي تجعل للحرف الأخير والحرف الأول فصلًا، ومبتكر هذه الطريقة أبو البشر البندنيجي (ت 284 هـ) في معجمه (التقفية في اللغة) وهذه الطريقة اتبعها ابن منظور (ت711 هـ) في معجمه (لسان العرب) الذي جمع مادته من خمسة أصول، هي: تهذيب اللغة للأزهريّ، والمحكم لابن سيده، والصحاح للجوهريّ، ثم حواشي ابن بَريّ على الصحاح، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير[35].

ولكنّ هذه المعاجم على أهميّتها واحتوائها درر اللغة وكنوزها أُخِذَ عليها من المثالب والمآخذ شيئًا كثيرًا، كالخلط في سرد مشتقات المادة، دون منهجيّة تلتزم بتقديم المعاني الحقيقية على المجازيّة، أو المعاني الحسيّة على العقلية، وتقديم المجرّد على المزيد، أو اللازم على المتعدّي[36]. ما دعا بعض المعاجم أن ترتَّب حسب الموضوعات، أو ترتيب الألفاظ في مجموعات حسب معانيها، فكلّ بابٍ يشتمل على مفرداته المخصوصة به، وهو تطوّر طبيعيّ للرسائل اللغوية التي كانت توضع بجمع الألفاظ التي تنتمي إلى موضوعٍ واحد، نحو كتاب المطر والخيل والإبل وخلق الإنسان والنبات[37]... إلخ. ولعلّ أوّل من اتّبع هذا الترتيب هو أبو القاسم بن سلام في (الغريب المصنّف) وتبعه عبد الرحمن الهمذاني (ت 320 هـ) في (الألفاظ الكتابيّة) والثعالبي في (فقه اللغة وسرّ العربيّة) وابن سيده في (المخصّص)[38].

هذا غير البحوث النظريّة التي أسّست للبحوث العمليّة، كالبحث في التضادّ والترادف والمشترك اللفظي والحقيقة والمجاز والخاصّ والعامّ... إلخ.

(17)
البلاغة سِيْمَا العربِ في الجاهليّة:
---------------

بلغ العرب الجاهليّون منزلة سامكة من الفصاحة والبلاغة والبيان، ولعلّ أظْهَرَ دليلٍ على ذلك هو نزول القرآن الكريم بلغتهم؛ كي يتحدّاهم بأن يأتوا بقرآن مثله، بله عشر سور، بله سورة واحدة.

ولمّا نزل القرآن الكريم رأى فيه العرب الذين هم أرومة البلاغة ودهاقنته وأساطينه أسلوبًا عجيبًا لا عهْدَ لهم به؛ الأمر الذي فتح لهم بابًا عريضًا من التأمل في آياته ومعانيه، وكشف أسراره ووجوه إعجازه.

ومن بدائه القول وحقائق الأمور أن نقرّر أنّ علوم البلاغة العربيّة أو مقاييس الجمال البلاغي أو صور التعبير الأدبيّ مستمدّة من النصّ القرآني، وفيما بعد، من روائع النصوص الأدبيّة[39].

ابتدأ البحث البلاغيّ منذ ابتداء التأليف في العلوم الإسلاميّة في منتصف القرن الثاني الهجريّ، وقدّ مرّ بمراحل طويلة. وكان الباعث لدراسة البلاغة هو فهم القرآن الكريم؛ بعد أن اتّسعت الفتوحات الإسلاميّة، واستوعبت الوافدين من غير العرب، وقد ألّف أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210 هـ) كتاب مجاز القرآن، وقد كان من أوسع أهل البصرة علمًا باللغة والأدب والنحو وأخبارها وأيامها؛ فكتاب أبي عبيدة ليس كتابًا بلاغيًّا، بل هو كتاب في التفسير؛إذ فسّر فيه الألفاظ القرآنية بما ورد مثلها في كلام العرب، وفي معرض تفسيره لآيات القرآن الكريم نَثَرَ بعض الملحوظات البلاغية، وأشار إلى بعض مسائلها، كالإيجاز والإطناب والتقديم والتأخير دون تسمية لها، كما أشار إلى خروج بعض الأساليب الإنشائيّة عن دلالتها الأصلية إلى بعض المعاني كالاستفهام والأمر والنهي، كما تحدّث عن الالتفات والتشبيه، وتعرّض للمجاز العقليّ من غير تسمية له، وإنّما أشار إلى بعض شواهده التي أفاد منها البلاغيون فيما بعد[40].

ثمّ جاء القرن الثالث للهجرة، فكثرت الفرق الإسلامية واشتدّ الخلاف فيما بينها، وأخذ الإسلام وكذلك العرب يواجَهان بحملة تشكيك وطعن، واتّجهت أنظار الطاعنين نحو القرآن ترميه باللحن وفساد النظم، فانبرى العلماء يدافعون عن العرب والإسلام، ومن بين هؤلاء المدافعين الجاحظ ُالذي ألّف كتابه (البيان والتبيين) والذي نافح فيه عن العرب بسبب حملة الشعوبيّين، وفي هذا الكتاب أشار إلى بعض الفنون البلاغية كالاستعارة والتشبيه والكتابة والإيجاز والإطناب[41].

ولعلّ اكتمال صرح البلاغة الباسق كان على يد عبد القاهر الجرجانيّ الذي وضع نظريّتي علم المعاني وعلم البيان في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة.

وقد قعّدت علوم البلاغة وقنّنت ببزوغ السّكاكيّ (ت626 هـ) الذي كان مهتمًّا بالفلسفة والمنطق، وقد غلب عليه في أثناء تقعيد البلاغة الطابع المنطقي؛ فأصبحت قوانينَ وقواعدَ صيغت في قوالب منطقيّة جافّة باعدت بينها وبين وظيفتها من إرهاف الحسّ وإمتاع النفس وتربية الذوق وتنمية الملكات.

(18)
خلاصة المَقال: وفي الصّدْرِ حَزّازٌ من الوجْدِ حامزُ:
--------------------------

ممّا يؤلم القلب ويعكّر الصفو أن يكثر الطعن في أصالة العلوم العربيّة، ومن هؤلاء الطاعنين المستشرقون الذين رموا اللغة العربيّة بالعُقْم وارتابوا من صحّة مصادرها؛ ورأوا أنّ أبناء العربيّة الذين اهتمّوا بها هم من أصول غير عربيّة، كسيبويه على سبيل المثال، بل بالغ بعضهم وغالى وجانف الصّواب والمنهجيّة كما زعم كارل بروكلمان أنّ أبا الأسود إنما هو شخصيّة أسطوريّة ليس لها وجود[42].

وأمّا المستشرق الفرنسي رينان فقد ذهب إلى أنّ النحو العربيّ قد تأثّر بالنحو اليونانيّ عن طريق السريان[43]. وكذلك المستشرق فرانس بريتوريوس فقد ذهب إلى أنّ النحو العربيّ قد تأثّر بالنحو اللاتيني[44].

وممّا يؤلِمُ أكثر أنّ بعضًا من أبناء جلدتنا راقهم هذا الاتجاه في الطعن والغمز واللمز في قناة لغتنا العربيّة، وأصبحوا أبواقًا وأفكارًا مسمومة يشكّون في الشعر العربيّ الجاهليّ، وأنه منحولٌ.

لقد تناسوا أنّ العلوم العربيّة كانت في خدمة الدين الإسلاميّ، وأنّ مجال البحث والدراسة والنظر مشرَعة أبوابه لكلّ إنسانٍ منصف، مهما يكنْ أصله، عربيَّا أم هنديًّا أم فارسيًّا، ما دام يخدم المقصد الذي تشرّف به، وما دام أنه ينضوي تحت لواء الحضارة الإسلاميّة، التي صهرت في بوتقتها كلّ الأجناس والألوان والمنابت والأصول؛ فغدا خدمة الإسلام شرف لا يحمله إلا كلّ منصف، يتترّس بسلاح العقل والمعرفة، أمّا إلقاء الكلام على عواهنه، فهو أمر لا يقبله عقل ولا تستسيغه منهجيّة ولا ترتضيه.

------------------------------------------
[1] من مثل: ابن عبّاس (ت 68هـ) ومجاهد (ت 324هـ) وابن جنّي (ت 392هـ) أحمد بن فارس (ت 395هـ) والثعالبي (ت 430هـ) والسيوطي (ت911هـ)
[2] من مثل: فاضل السامرائي وإبراهيم أنيس وعلي عبد الواحد ومحمود فهمي حجازي وعبد الصبور شاهين وتمام حسان ورمضان عبد التواب.
[3] من مثل: رينان E.Renan وميركس A.Merx ونولدكه Noldeke وفرانس بريتوريوس F.Praetorius وفيرستيغ Versteegh.
[4] كما لا يخفى عليك: ثمّ آراء قيلت في أصل اللغة: مثل: الإلهام والتوقيف. الاتفاق والتواضع. محاكاة أصوات الطبيعة. الغريزة.
[5] الأعراف، 172-173
[6] البقرة 31-33
[7] الراوي: عبد الله بن عباس. المصدر: صحيح الجامع، 3999
[8] أمور الغيب لا يمكن لأحد أن يجزم بشأنها، فضلا عن تبنّي رأيٍ دون آخر على أساسٍ علميّ منهجيّ، إلا أن يكون إحساسًا أو أن يكون أقربَ للاستساغة.
[9] السيوطي. تاريخ الخلفاء، ص173
[10] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، 16-17
[11] حضارة العرب. أسعد داغر، ص128
[12] حضارة العرب، المصدر نفسه، 128-129
[13] نشأة النحو. محمد الطنطاوي، ص25، دار المعارف، ط2، د.ت. القاهرة
[14] اللسان (نحا)
[15] اللسان (نحا)
[16] المقاصد الوفية في قواعد علم العربية، طه الأزهري، ص4
[17] أسرار النحو، ابن كمال الباشا، تحقيق أحمد حسن حامد، دار الفكر، ط2، 2008، ص75
[18] المقرب، ابن عصفور، 1/45
[19] الأصول في النحو، ابن السراج، 1/35
[20] المصدر نفسه، ص33
[21] المقدّمة، ابن خلدون، ص547
[22] علم اللسان، أنطوان ماييه، مترجم وملحق بكتاب النقد المنهجي عند العرب للدكتور محمد مندور، ص438
[23] علم اللسان العربي. عبد الكريم مجاهد، ص54
[24] الفهرست، ابن النديم، ص55
[25] الكتاب. سيبويه، تحقيق عبد السلام هارون، 4/242
[26] جهود ابن جني في الصرف وتقويمها في ضوء علم اللغة الحديث. غنيم غانم الينبعاوي، ص50
[27] التصريف الملوكي، ابن جني، ص5
[28] المنصف، 1/4
[29] المنصف، 2/288
[30] عبد الكريم مجاهد، مصدر سابق، ص54
[31] علم الصوتيات. عبد العزيز علام وعبد الله ربيع، ص 74
[32] المصدر السابق، ص77
[33] نشأة الدرس الصوتي عند العرب. (مقال إلكترونيّ)
[34] مجاهد، مصدر سابق، ص83
[35] المعاجم العربية. عبد الكريم مجاهد، ص569
[36] فقه اللغة، مجاهد، مصدر سابق، ص86
[37] نفسه، ص86
[38] نفسه، ص87
[39] البلاغة العربية تأصيل وتجديد. مصطفى الصاوي الجويني. ص5 (المقدّمة).
[40] نشأة البلاغة ومراحل تطورها في التراث. أ.د.يوسف عبد الله الأنصاري، جامعة أم القرى (مقال إلكترونيّ).
[41] المصدر نفسه.
[42] المستشرقون ونظرياتهم في نشأة الدراسات اللغوية. إسماعيل عمايرة. ص48
[43] المصدر نفسه، ص38
[44] نفسه، 39-40

------------------------------

هجرة المعاصي
10-01-2015, 04:50 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عبدالناصر محمود
10-01-2015, 07:00 AM
{ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته }