المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عيون الصغار .. وقلوبهم


عبدالناصر محمود
05-10-2015, 06:34 AM
عيون الصغار .. وقلوبهم
ــــــــــــ

(خالد رُوشه)
ــــــ

21 / 7 / 1436 هــ
10 / 5 / 2015 م
ــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/55_29.jpghttp://

إن لهم لعيونا مفتوحة , وآذانا يقظة , وقلوبا تتشرب المواقف , وصدورا تراكم الأحداث , وفهما ذكيا لماحا ... فكيف نستهين بنظرهم إلينا ؟!

الحق أن كثيرا من الكبار يستهينون بمخالطة الصغار و ويهمشون وجودهم بينهم , ولايبالون بآثار تصرفاتهم عليهم , ولا بنتائج حكاياتهم التي يحكونها أمامهم .

بل إنهم يغفلون كثيرا عن تلك القلوب الصغيرة التي تحفظ المواقف وتخزنها في مخزن الذاكرة الصغيرة الذي لا يمحوه الزمان .

فكم من موقف سعيد لا زلنا نذكره أيام طفولتنا , قد ترك في نفوسنا آثار الفرحة والابتسام , كلما ذكرناه الآن ارتسمت البسمة على شفاهنا , وكم من موقف سلبي حزين نبذل جهدا كبيرا لنزيحه عن ذاكرتنا لكنه لا ينزاح حتى اليوم ورغم مرور عشرات الأعوام .

ذلك الرجل أحبه حتى الآن لموقفه معي في الصغر , لكن هذا الجار أبغضه كثيرا كونه تصرف معي بجفاء بينما كنت ألعب أمامه !

هذه الحكاية لا تزال في أذني ترن وقائعها , حكتها لي جدتي أيام صغري , وتلكم الشائعات لم تمح من ذاكرتي حتى الآن .

فكيف نستهين بهؤلاء الصغار الذين يحيطون بنا ويعيشون معنا ؟!

كثيرون يستهينون بالسلوكيات السلبية التي تصدر منهم أمام الصغار , ويغفلون أن قلوبهم الصغيرة تتأثر بها وأن هذا التأثر يظل طوال أيام حياتهم , ولربما غير ذلك في دواخلهم تغيرا سلبيا , وربما تأثرت بذلك طباعهم بعدما يكبرون ..
بل لا نستبعد أن يكون للبيئة السلوكية السلبية هذا الأثر الكبير فيما يمكن أن يصل لمستوى الانحراف النفسي لدى البعض من هؤلاء الأطفال , فتنبت القسوة في قلوبهم أو ينبت الحقد أو عدم الثقة أو الانطواء عن الناس أو غيره من الأمراض النفسية الباطنة..


النبي صلى الله عليه وسلم وجه إلى ذاك المعنى بأساليب عملية تطبيقية , تنشىء قلوبا صغيرة كريمة نقية , لاتحمل غلا ولاحقدا ولا أذى لأحد , بل تنشأ على معاني المودة والنقاء والشفافية والمروءة , يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : " ما رأيت أحداً أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم , كان إبراهيم – ولده - مسترضعاً في عوالي المدينة وكان ينطلق ونحن معه فيدخل إلى البيت.... قال : فيأخذه ويقبله ثم يرجع " مسلم


ورآه رجل يوماً يقبل بعض ولده فقال : أتقبلون أبناءكم ؟ فوالله إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم , فرد عليه صلى الله عليه وسلم غاضبا بقوله : " من لا يرحم لا يُرحم "البخاري .


ويروي البراء رضي الله عنه موقفا آخر فيقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن بن علي – حفيده – على عاتقه , وهو يقول : اللهم إني أحبه فأحبه " البخاري


الاطفال دوما يحبون من يتبسط معهم ويعايشهم وكأنه واحد منهم , وينفرون من الغليظ العبوس الغاضب , ويتحفزون للجاد الوقور , وقد علم صلى الله عليه وسلم طبائع ذلك العمر وكان يتعامل معه بما يحبه , ويحاول أن يبث من خلال بساطته معهم ومزاحه وتلطفه بهم معان مهمة في تقويم السلوك وتكوين الشخصية الناجحة ..


يحدثنا أبو هريرة رضي الله عنه يقول : " كنا نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء فإذا سجد رسول الله وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه أخذا رقيقا ووضعهما على الأرض فإذا عاد إلى السجود عادا إلى ظهره حتى قضى صلاته ثم اقعد أحدهما على فخذيه , يقول أبو هريرة : فقمت إليه فقلت يا رسول الله أردهما ؟ فبرقت برقه في السماء فقال لهما الحقا بأمكما " فمكث ضوءها حتى دخلا " مسند أحمد .


وتحكي لنا صحابية اسمها أم خالد عن مشهد كان في طفولتها لازالت تذكره وتقول : " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وأنا صغيرة , وعلىّ قميص أصفر , فقال رسول الله : " سنه سنه " أي حسن حسن , قالت : فذهبت ألعب بخاتم النبوة على ظهر رسول الله فزجرني أبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبلى واخلفي وكررها ثلاثا – يعني يدعو لها أن تبلى ثيابها فيطول عمرها – "البخاري , إنه مشهد متميز ومعبر عما نريد أن نقوله , يأتي الرجل ومعه ابنته إليه صلى الله عليه وسلم وهو يعلم حبه للأطفال وأنه لا يتبرم ولا يتأفف من لقائهم , بل يبش لهم ويسعد بهم , وتجترىء البنت عليه وتتعلق على ظهره وتلعب , وهو يضحك ولا يتأفف بل يدعو لها ويكرر دعاءه ثلاث مرات ..



ويقول صاحبه أبو موسى الأشعري : " وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ " البخاري .


وكان يداعب رسول الله الأطفال حتى في طرقاته , يقول يعلى بن مرة خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم على طعام فإذا الحسين بن على يلعب في الطريق فأسرع النبي أمام القوم ثم بسط يديه ليأخذه فطفق الغلام يفر هنا ويفر هنا , ورسول الله يلاحقه ويضاحكه , بل كان يأخذ أسامه بن زيد والحسن بن علي فيقعدهما على فخذه كل على ناحية ثم يضمهما ويقول : " اللهم ارحمهما فإني أرحمهما " البخاري .


وحتى في لحظات التعبد جاءته أمامه بنت ابنته زينب فحملها في صلاته فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها .الموطأ .


ويقول محمود بن الربيع :" عقلت مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهى وأنا ابن خمس سنين من دلو " البخاري , يعني لازال يذكر كيف دفع صلى الله عليه وسلم الماء من فمه في اتجاهه يداعبه به وكان عمره يومها خمس سنين .


ويقول صاحبه جابر بن سمرة :" صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى ثم خرج الى أهله وخرجت معه , فاستقبله ولدان , فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا , قال : وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليديه بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطر " مسلم .

---------------------------------------