المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المسلمون في أوروبا بين مد وجذر


عبدالناصر محمود
05-13-2015, 06:47 AM
المسلمون في أوروبا بين مد وجذر*
ـــــــــــــــــ

24 / 7 / 1436 هــ
13 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_15346.jpg

متغيرات كثيرة تحكم علاقة الأنظمة والشعوب في أوروبا بالإسلام، فما بين الشعور بالاسلاموفوبيا الذي تغذيه جماعات وطوائف عنصرية يقف غالبا اليهود من خلفها إلى شعور شعبي بالتعاطف مع المسلمين نظرا لما يجده الأوروبيون غير المسلمين من المسلمين من ظواهر ايجابية نافعة للمجتمعات وخلق عال من الكثير منهم بما يتنافى مع الدعاية المضادة، وبين دعاوى كثيرة وضغوط أكثر لحث الحكومات على تبني مواقف متشددة ضد المسلمين بدعوى خشية التعرض لأعمال عنف منهم، لهذا فالحركة المسلمة في أوروبا لا تزال تموج على عدة ردود أفعال مختلفة لم تثبت لا بالعداء المطلق ولا بالتقبل التام.

وتقف رمانة الميزان في كل هذا التخبط الإحصاءات التي تصدرها المؤسسات البحثية التي تؤكد تنامي عدد المسلمين في كافة الدول الأوروبية، بمعدلات تزيد عن معدلات نمو غير المسلمين، مما يدفع الحكومات الأوروبية لاتخاذ ردود أفعال تتسم معظمها بالتناقض، فالتضييق لا يوقف زيادتهم ولا يقدرون على التسامح التام لزيادة الضغوط عليهم.

وتأتي قاصمة الظهر لهم من الإحصاءات التي تؤكد أن القوة البشرية الإسلامية الجديدة التي تنمو في أوروبا لم تعد ناتجة عن المهاجرين -سواء الشرعيين أو غير الشرعيين- ولكنها تأتي من أبناء البلد الأصليين الذين يدخلون في الإسلام، وخاصة بعد اختلاط أبنائهم بأبناء المسلمين، ويأتي ارتفاع أعداد المساجد في مواجهة نقص وغلق الكثير من الكنائس الكبيرة لأبوابها، وتحويل بعضها إلى مساجد هاجسا آخر لا يقل إيلاما لهم عن النتائج السابقة، وبالتالي لا نتعجب أن يضيق على المسلمين بشدة في قطر أوروبي بينما تفسح لهم المجالات في أقطار أخرى، وربما يحدث التناقض داخل الدولة ذاتها في أوقات قريبة، وهو يدل على عدم القدرة على الاختيار بين البديلين، فكلاهما بالنسبة لهم مر.

ففي أسبوع واحد فقط في هولندا على سبيل المثال يصدر تصريح عنصري لعضو في الحزب الديمقراطي المسيحي ويرسم شعار عنصري على مسجد بينما في نفس الوقت تقام مسابقة لحفظ القرآن الكريم في مؤسسة السنة بلاهاي وتوزع 15ألف نسخة من القرآن الكريم في 13 مدينة بها.

وكذلك في ألمانيا ففي الوقت الذي رحب فيه المسلمون بالحكم الصادر بحق الحجاب في المدارس ويصدر بيان من قيادية سابقة في حركة معادية للإسلام تعتذر فيه للمسلمين، ويتم فيه الانتهاء من بناء أول مئذنة في شتوتجارت ويأتي الوعد بالاعتراف الحكومي بالطوائف الإسلامية بحلول عام 2017، يأتي في نفس الأسبوع ويكتشف قيام مجهولين متعصبين بحريق متعمد في مسجد مدينة فيتن بل وتكشف الصحافة الألمانية عن تخطيط لمنظمة "The Oldschool Society" الإرهابية اليمينية المتطرفة، التي تنوي استخدام قنابل تم تطويرها بالإضافة مسامير لها لزيادة قوتها التدميرية والتخريبية، لتقوم بها بشن هجمات ضد المساجد الإسلامية.

فقالت مجلة "دير شبيغل" الألمانية أن دائرة الجرائم الفدرالية قد علمت ذلك عن طريق التنصت على عدد من مكالمات أعضاء المنظمة واكتشفت هذه النوايا التخريبية، فقامت السلطات الألمانية بشن عملية أمنية استهدفت مقار هذه المنظمة وألقت القبض على 4 من أعضائها وتمت مصادرة كميات كبيرة من المواد المتفجرة التي كانوا يعتزمون تفجير المساجد بها.

واستكمالا لتلك الحالة المضطربة في أوروبا في التعامل مع المسلمين وبرغم حالات التضييق العنصري على الكثير من المسلمين صدمت الأوساط الأوروبية بارتفاع عدد النواب المسلمين في الانتخابات البريطانية لعام 2015 إلى 14 نائبا، أي بزيادة ثمانية نواب عن عدد المقاعد التي نالها المسلمون في المجلس السابق مما يؤكد تنامي حضور المسلمين في الواقع البريطاني وحصولهم على ثقة الناخب الأوروبي المسلم وغير المسلم.

وعلى الرغم من ارتفاع التمثيل المسلم في المجالس البريطانية إلا أن عدد النواب لا يزال اقل من النسبة التي يمكن للمسلمين الحصول عليها إذ يبلغ عددهم الفعلي 2.6 مليون نسمة، بما يعادل عشرين نائبا على الأقل، إلا أن العدد الحالي يعبر عن تطور وعي المسلمين واتجاههم الصحيح للجالس النيابية التي يمكنهم من خلالها التعبير عن مشكلاتهم والحصول على حقوقهم والدفاع عن مصالحهم.

إن هذا التناقض في التعاطي مع المسلمين في أنحاء أوروبا يعكس حجم التوتر الذي تعانيه الحكومات بل والمنظمات اليمينية، ففي كل هجمة على الإسلام والمسلمين تنعكس ايجابيا على الإسلام حيث تكثر طلبات البحث عن الكتب التي تشرح المنهج الإسلامي والتي تقود الكثيرين إلى الإسلام.

وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين قال " لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الدِّينُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلا يَتْرُكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْتَ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزٌّ يُعِزُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الإِسْلامَ، أَوْ ذُلٌّ يُذِلُّ بِهِ الْكُفْرَ "[1].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مسند الإمام أحمد بن حنبل / 16614
------------------------