المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أخطر مراحل تغييب الهوية المغربية


عبدالناصر محمود
05-16-2015, 10:02 AM
فرنسة التعليم؛ أخطر مراحل تغييب الهوية المغربية*
ــــــــــــــــــــــــــ

27 / 7 / 1436 هــ
16 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_17351.jpg

الاحتفاء المبالغ فيه من قبل المغاربة باللغة الفرنسية يذكرنا بالمقولة الشهيرة لعبد الرحمن بن خلدون عن ولع المغلوب بثقافة الغالب وتقليده إياه، حيث أشار ابن خلدون في مقدمته- ذائعة الصيت- إلى أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، مرجعاً ذلك إلى أن النفس- أبداً- تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه.

فالمغاربة من أكثر الشعوب العربية والإسلامية افتتاناً باللغة الفرنسية، رغم تأخر الفرنسية في الرتبة بين اللغات!! لكن العلة التي ذكرها ابن خلدون تفسر لنا ذلك الافتتان، كما تشير في الوقت ذاته إلى آثاره بالغة السوء، التي قد تتعدى مرحلة الافتتان والإعجاب الظاهري إلى مراحل متطورة من الاقتداء، وربما تصل في بعض حالاتها إلى حد تغيير المعتقد، ومسخ الهوية بالكلية.

ولقد فهم الفرنسيون ما غاب عن كثيرين من أهل المغرب هذه الأيام، حيث فهموا قيمة اللغة، وأنها وعاء الهوية، وعنصر القوة الأقوى في أية حضارة، وأنه بغير اللغة لن تقوم قائمة لأية دولة مهما بلغت من القوة؛ وذلك لما للغة من أهمية كبرى في إقامة الحضارات، وتكوين الهويات، ونشر الثقافات والعادات والمعتقدات.

لذلك فقد حرص الفرنسيون منذ اللحظات الأولى على نشر لغتهم الفرنسية في البلدان المستعمرة، وتحبيب الشعوب المهزومة المنضوية تحت إمرتها فيها؛ وقت الاحتلال وحتى بعد حصول تلك البلدان على حريتها وانعتاقها من أسر الاحتلال وسطوة الفرنسيين المباشرة.

ولقد كانت وجهة التعليم هي الوجهة الأقوى التي منها ولج الفرنسيون واخذوا جادين في في نشر لغتهم، ومن ثم ثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، حتى تبوأ التعليم الفرنسي في المغرب المرتبة الثانية من حيث الكم- يسبقه التعليم باللغة العربية-، لكنه يتبوأ المنزلة الأولى في المغرب من حيث السمعة والإقبال من قبل الطبقات العليا في المجتمع المغربي والساسة وأصحاب رؤوس الأموال.

ففي المغرب تعد اللغة الفرنسية اللغة الرسمية الحقيقية للدولة رغم رحيل المستعمر الفرنسي عنها منذ 1956م، أما اللغة العربية فهي اللغة الرسمية في الدستور المغربي فقط، فالواقع العملي يشير إلى قوة الحضور الكيفي للفرنسية رغم غلبة الحضور الكمي للعربية.

ففي تقرير صادر عن البرلمان الفرنسي منذ ما يقرب من سنتين أعدته لجنة بمجلس الشيوخ الفرنسي حول المنطقة المغاربية، كشف التقرير عن وجود أكثر من عشرة ملايين مغربي يتحدثون ويكتبون باللغة الفرنسية، أي ما يشكل حوالي ثلث مجموع سكان البلاد.

كما كشف التقرير عن احتضان الجامعات المغربية لأزيد من 600 شعبة فرنكوفونية، يدرس فيها ما يناهز 8000 طالب، إضافة إلى شبكة المدارس والمعاهد الفرنسية في المغرب، والتي تضم بحسب التقرير نحو 30000 طالب وتلميذ جلهم مغاربة.

إن التعليم في أية دولة هو الحاضنة الأم التي من خلالها يتشبع النشء بالثقافة والعلوم والفنون، وقبل هذا وذاك فللتعليم أثر بالغ الخطورة في تشكيل القناعات الدينية وتوجيهها، ولهذا تحرص دوائر صنع القرار في الغرب على محو أية أثار للدين في العملية التعليمية في البلدان العربية والإسلامية.

في الصدد ذاته لا يمكننا إغفال الدور المؤثر الذي يقوم به الطابور الخامس في المغرب وغيرها من البلدان العربية والإسلامية، حيث يعمل بقوة لخدمة أهداف المستعمر الفرنسي، من خلال سن القوانين والتشريعات وعقد الاتفاقات والشراكات الداعمة للوجود الفرنسي لغة وثقافة وأيديولوجية.

ــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ