المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أفعال العباد بين السلف والمتكلمين


عبدالناصر محمود
05-18-2015, 09:53 AM
أفعال العباد بين السلف والمتكلمين
ـــــــــــــــــــ


(د. صالح بن درباش الزهراني)
ـــــــــــــــ

29 / 7 / 1436 هــ
18 / 5 / 2015 م
ــــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_18356.jpg



بحث: أفعال العباد بين السلف والمتكلمين

د. صالح بن درباش بن موسى الظهراني

أكاديمي سعودي وأستاذ مشارك في قسم العقيدة جامعة أم القرى

نشر في "مجلة الدراسات العقدية " مجلة علمية محكمة متخصصة، العدد 14 السنة السابعة محرم 1436 هـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ

تعتبر مسألة أفعال العباد من أهم وأدق مسائل القدر؛ لأنها تتعلق الإلهية، وهي مسألة دقيقة وعويصة تعددت فيها الأقوال والنظريات بين إفراط وتفريط، وكثر الحديث فيها رغم ورود النهي في الخوض في القدر، ولهذا اختارها الباحث الكريم كموضوع لبحثه.

وبدأها الباحث بتمهيد بيان فيه أهمية المسألة وحكم البحث في القدر.

ثم عرض المذاهب والنظريات في المسألة بحسب ظهورها التاريخي، فبدأ بنظرية العدل، ثم نظرية الجبر، ثم نظرية الكسب، بطريقة مهمة وهي: عرض النظرية وبيان مفهومها كما يراها أصحابها، وذكر ابرز استدلالاتهم عليها، ثم نقدها نقدا علميا.

ثم أنهى بحثه بعرض مذهب السلف ملخصا، ومركزا؛ ليكون تصور الموضوع كاملا من باب "لا يعرف الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وختم بحثه بخاتمة جعل فيها خلاصة النتائج التي توصل إليها.

للإيمان ستة أصول يقوم عليها، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر.

ومن دقائق الإيمان بالقدر وغوامضه مسألة أفعال العباد وارتباطها بقدرة الله، ويبقى البحث في التساؤلات؛ هل يمكن فهم العلاقة بينهما؟ وإذا لم يمكن فهمها فهل يمكن تقريبها للفهم؟ أم تبقى سرا إلهيا لا يجوز الخوض فيه، وكان من الأولى أن يترك الناس الخوض في مسائل القدر تنفيذا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لما خاض فيها أصحاب المذاهب والأفكار كان لزاما على علماء أهل السنة الرد لتبيين الحق ووضع الأمور في نصابها.

والموضوعات الرئيسية تحت هذه المسألة هي، هل أفعال العباد داخلة تحت عموم مشيئة الله أم غير داخلة ؟ وإذا كانت داخلة تحت مشيئة الله فهل العباد مجبورون عليها ولا قدرة لهم عليها؟ وإذا كان لهم قدرة عليها فما علاقة ذلك بقدرة الله؟ أو كيف نوفق بين كون أفعال العباد تحت عموم قدرة الله ومشيئته، وبين كون العباد قادرين عليها ؟.

وقادت الإجابة على مثل هذه الأسئلة الكثير من الناس للبحث في اتجاهات شتى، فمنهم من غلب النظر إلى عدل الله وامتناع الظلم عنه، وانه يستحيل عليه أن يقدر على عبده شيئا ويجبره عليه ثم يحاسبه عليه يوم القيامة، ومنهم من غلب النظر إلى وحدانية الله، وانه لا شريك له في فعله، فنفى أن يكون لغيره فعل أصلا، واعتبر أن العباد مجبرون على أعمالهم ليس لهم اختيار ولا قدرة، وعرف هؤلاء بالجبرية وربما أطلق عليهم القدرية، مع أن الاسم قد سبقهم لكل من يتكلم في القدر.

وبعد فترة ظهرت طائفة أرادت الجمع بين الأمرين على غير طريقة السلف وفهمهم، بتلفيق غير مقبول وتفسير مردود، فأثبتت للعبد قدرة على الفعل ولكنها غير مؤثرة وان الفاعل الحقيقي هو الله، فالعبد كاسب والله فاعل حقيقي، وسميت بنظرية الكسب التي قال بها الأشاعرة وغيرهم، ووقع الخلاف في الأمة في اكبر نقاط خلافها في مسألة أفعال العباد.

وبدأ الباحث في مباحثه تفصيليا فكان:

المبحث الأول: نظرية العدل

ونظرية العدل هي النظرية التي تنسب أفعال العباد إليهم، وأنهم مستقلون بإيجادها وإحداثها دول تدخل من القدرة الإلهية، وأصحاب هذه النظرية هم القدرية الأوائل ثم المعتزلة ومن تابعهم من الشيعة والزيدية وبعض المنتمين للتيار العقلاني المعاصر.

وعرض الباحث النظرية عرضا موجزا غير مخل، وعرض استدلالات أصحابها، وعرض تعريفات أصحابها لها، فقال الهمداني عبد الجبار: ونحن إذا وصفنا القديم تعالى بأنه عدل حكيم فالمراد به انه لا يفعل القبيح أو لا يختاره ولا يخل بما هو واجب عليه وان أفعاله كلها حسنة.

وبين الباحث أن نواة هذه البدعة ظهرت في أواخر عهد الصحابة على يد القدرية الأوائل كمعبد الجهني، وغيلان الدمشقي، وأغلظ الصحابة القول لمن قال بهذه البدعة بل وكفروه أيضا.

وكان استدلال المعتزلة منطلقا من الأسس الفكرية لمنهجهم بتقديم العقل على النقل، فذكروا الأدلة العقلية ثم اتبعوها بالأدلة النقلية التي تثبت قدرة العباد ومشيئتهم.

والعدل احد أصولهم الخمسة التي لا يصير المعتزلي معتزليا إلا بها، فهو ثاني أصولهم ويعتبرونه الركن الثاني المكمل للدين مع التوحيد.

ثم ناقش الباحث هذه النظرية وفق مفهوم أهل السنة والجماعة على فهم السلف الصالح، فنقد النظرية نقلا وعقلا، فالله سبحانه عادل ولا خلاف بين أهل القبلة في هذا ولكن الخلاف في مفهوم العدل عند المعتزلة وعند أصحاب هذه النظرية.

المبحث الثاني: نظرية الجبر

وهي النظرية المقابلة لنظرية العدل، والتي ظهرت كرد فعل عليها، وهي تغلو في إثبات القدر، إلى درجة تنفي قدرة العباد على أفعالهم وتجعلها لله وحده، وتجعل العباد ظروف ومحال لأقدار الله.

وذكر تعريف الشهرستاني له فقال : "نفي الفعل عن العبد حقيقة وإضافته للرب تعالى"، وقال الجرجاني: "الجبر هو إسناد فعل العبد إلى الله تعالى"، وهي نوعان جبرية خالصة وجبرية متوسطة.

وبداية ظهور الجبرية على يد الجهم بن صفوان ودفعه إلى ذلك مبالغته في نفي التجسيم والتشبيه بين الله وخلقه، حتى وصل به إلى التعطيل المحض، فنفى كونه حيا عالما، واثبت كونه قادرا فاعلا خالقا؛ لان العباد لا يوصفون بالقدرة والفعل والخلق، وربما كان السبب أيضا في قوله بوحدة الوجود الصوفية، وربما لتأثره ببعض الصابئة والفلاسفة الذين كانوا يناظرونه فتأثر بهم.

وذكر الباحث انه لا توجد مصادر للجبرية يمكن معرفة أدلتهم التي استدلوا بها على مذهبهم، ولكن بوجه عام يمكن أن تكون أدلتهم الآيات التي فيها إثبات عموم خلق الله لكل شئ، والآيات المثبتة لمشيئة الله وحده، والتي فيها أن الله قد حق منه القول فهو الذي يهدي ويضل وغيرها، وكذلك من الأحاديث النبوية كقوله صلى الله عليه وسلم "لا يدخل احد منكم الجنة بعمله... الحديث ".

ثم نقد الباحث هذه النظرية نقلا وعقلا، فاثبت أنها تناقض العقل والفطرة وتنافي الشرائع كلها فلا مجال لوصف احد بطاعة أو بمعصية، وأنه لا فائدة من بعث الرسل لإقامة الحجة على العالمين.

المبحث الثالث: نظرية الكسب

وهي النظرية الثالثة التي حاول فيها أصحابها التوفيق بين النظريتين السابقتين، على مفهوم غير مفهوم أهل السنة، فخرجوا بتلفيق غير مفهوم ولا معقول، وتعريفها عند الأشاعرة "صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل" وقيل "تعلق العبد وإرادته بفعله الاختياري"، ويمكن القول بان الكسب نظرية ترى أن أفعال العباد مخلوقة لله ولهم قدرة عليها، ولمن هذه القدرة غير مؤثرة، فالفعال العباد خلق من الله وكسب من العباد.

وظهرت هذه النظرية على يد أبي الحسن الأشعري، حتى غدت معلما من معالم المذهب الأشعري، كمحاولة للتوفيق بين دلالة النقل ودلالة العقل.

ثم نقد الباحث النظرية، فبين أن مصطلح الكسب مصطلح زاد الغموض غموضا، فهو مصطلح لا معنى له ولا طائل تحته فيقول الرازي "التحقيق يظهر أن اكسب بلا معنى"، ويقول الشيخ حسن شافعي فيه: "وهكذا يسعى الأشعري نحو التوسط فلا يبلغه إذ يبقى قريبا من الجبر إلى حد كبير، فما دامت القدرة الإنسانية لا تؤثر في الفعل.. فما قيمتها ؟".

المبحث الرابع: مذهب السلف

بعدما استعرض الباحث آراء كل المذاهب المخالفة للسلف في مسألة أفعال العباد، ذكر مذهب السلف الذي تعمد تأخيره حتى ينتهي من عرض الآراء المختلفة، فيوضح ابن تيمية مذهب السلف ويقول: "والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم وأفعالهم".

ودلالات مذهب السلف هي

1- الإيمان بفاعلية العباد على وجه الحقيقة.

2- الإيمان بخلق الله لأفعال العباد خيرها وشرها.

3- لا تعارض بين إضافة أفعال العباد إلى الله حقيقة وإضافتها إلى العباد حقيقة لاختلاف جهة الإضافة.

وخلاصته أن العبد ليس مجبرا جبرا مطلقا، وليس مختارا اختيارا مطلقا، بل هو مختار اختيارا مقيدا بمشيئة الله، فهو الذي يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله لا بمجرد قوته وقهره كما يقول الجهم.

فلا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلى المؤمن التسليم لله دون الخوض فيما خاض فيه أولئك الزائغون عن طريق السلف فان القدر سر الله في خلقه.

واختتم الباحث هذا البحث القيم الرصين ببعض النتائج التي توصل إليها ولخص فيها البحث بكلمات قليلة موجزة، فجزاه الله خير الجزاء وجعل هذا العمل في صالح ميزانه يوم يلقى ربه.

لتحميل الدراسة اضغط هنا
https://ia600307.us.archive.org/25/items/amr_452/%D8%A3%D9%81%D8%B9%D8%A7%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B 9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%20%D8%A8%D9%8A%D9%86%20%D8%A7% D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85 %D8%AA%D9%83%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86.pdf

---------------------------------------