المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم التسامح بين الإفراط والتفريط


عبدالناصر محمود
05-18-2015, 10:03 AM
مفهوم التسامح بين الإفراط والتفريط*
ـــــــــــــــــ

29 / 7 / 1436 هــ
18 / 5 / 2015 م
ــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_18353.jpg

الوسطية والاعتدال والتسامح؛ مفاهيم قديمة حديثة شابها الكثير من اللغط والخطأ، حيث سيئ استخدامها، وصارت تحمل مضامين جديدة لم يردها واضعوها من سلف هذه الأمة، ولا فكرت فيها أفهماهم رغم علو مقامهم، واتصالهم بصاحب الوحي- صلى الله عليه وسلم-.

فعلى الرغم من تحذير النبي- صلى الله عليه وسلم- من الغلو، ودعوته للاعتدال في كل الأمور سيما أمور الدين، إلا أن المعاني النبوية لتلك المصطلحات تكاد تفارق غالب المعاني المطروحة هذه الأيام، سيما ممن يدَّعون الاستنارة والاعتدال، والبعد عن الغلو والتطرف.

وإذا نظرنا إلى مصطلح التسامح على وجه الخصوص سنرى من قد شرَّق به، ومن قد غرَّب، فمن الناس من فهم التسامح على غير المراد الشرعي، فتطرف إلى حد نفي التسامح عن كل من لا يتفق معه في كل شيء، فهو لا يتسامح إلا مع من وافقه في الدين، بل لا يتسامح إلا مع من وافقه في المذهب والطريقة، أما ما دون ذلك فلا حق له ولا تسامح معه.

على الجانب الآخر وجدنا من يتسامح بإفراط إلى حد التهاون مع من يهين الدين ويطعن في الملة، ولا يعطي للوحي ولصاحب الوحي قدره وينزله منزلته؛ فهذا التسامح فيه تطرف هو الآخر، تطرف يتنافي مع عزة المسلم، وشرف النبي- صلى الله عليه وسلم- ومنزلته العليا في قلوب المؤمنين.

كذلك وجدنا من هذا الصنف- تبعاً لموقفه السابق- تسامحاً في الدين والشريعة؛ بمعنى أنهم فرطوا وقصروا في كثير من الأمور الشرعية، وتغاضوا عن ثوابت لا يصح التغاضي عنها، بدعوى التسامح واليسر والوسطية والاعتدال، بل رأينا منهم من يساوي بين جميع الأديان وبين المسلم وغير المسلم.

وكلا الأمرين تطرف وغلو وجنوح وجموح لا يرضاه الشرع، ولا تقبله العقول السوية، وإلى هذا الأمر أشار الدكتور أحمد الريسوني، ففي رده على سؤال: من يجب أن يتسامح مع الآخر: الإسلاميون أم العلمانيون؟

قال الريسوني: "ما يجب تحريره أولا هو معنى التسامح ومفهوم التسامح. فالتسامح من الألفاظ المستعملة بكثير من الإبهام والتلبيس. التسامح الذي ندعو إليه ونتمسك به يتضمن عدم التشدد في الدين، وعدم التشديد على الناس، والتعامل معهم بالتيسير والرفق وحسن الظن، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، دون إكراه ولا ضغط على أحد. كما أن من سماحة الإسلام وأخلاق الإسلام أن يتنازل المسلم ويتغاضى حتى عن بعض حقوقه. وقد جاء في الحديث النبوي الصحيح «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى»".

وعن المفهوم المغلوط للتسامح قال الريسوني: "ليس من التسامح التنكر أو التملص من بعض أحكام الشرع ونصوصه الثابتة الواضحة، التي لا تعجب هؤلاء أو أولئك".

مضيفاً: "نحن نرى في هذا العصر أن رواد اللاتسامح الحقيقي، ودعاة الإقصاء الفعلي، هم العلمانيون المتطرفون، وأن أكثر ضحاياهم هم الإسلاميون بأفرادهم وجمعياتهم وأنشطتهم. وحتى مجرد الحجاب -على سبيل المثال- ما زال يلقى في بلدنا، وفي بلدان أوروبية وغيرها، صنوفاً من التضييق والرفض والإبعاد".

فبالنظر إلى الواقع المعايش يتضح لنا أن دعاة هذا التسامح– المزيف- من أكثر الناس بعداً عن حقيقة التسامح، إنهم ينادون بتسامح من طرف واحد، دون النظر إلى الطرف الآخر، ثم إنهم لا يبالون بما قد يصيب هذا الآخر من أذى نتيجة هذا التسامح المضيع لهويته وحقوقه ودينه.

-----------------------------------------------
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــ