المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ينبوع الغواية الفكرية


عبدالناصر محمود
05-28-2015, 08:27 AM
ينبوع الغواية الفكرية (غلبة المزاج الليبرالي.. وأثره في تشكيل الفكر والتصورات)*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10 / 8ى / 1436 هــ
28 / 5 / 2015 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_8461.jpg


عنوان الكتاب: ينبوع الغواية الفكرية (غلبة المزاج الليبرالي.. وأثره في تشكيل الفكر والتصورات)

اسم المؤلف: عبد الله بن صالح العجيري

النـاشــر: مركز البحث والدراسات - مجلة البيان – الرياض

الطبعة: الأولى سـنة1434هـ .

عدد الصفحات:620

ـــــــــــ

من المباحث العقدية/الفكرية المهمة والتي لا تخلو من قدر من الطرافة المعرفية البحث في (محركات الأفكار)، وهو مبحث شيق يفتش في البواعث الفعلية التي تقف خلف تبني الأفكار والمعتقدات والتصورات، ويبحث في المحركات الحقيقية الفاعلة التي تدفع الشخص أو الطائفة نحو تبني رؤية ما.

وهذا الموضوع تحديداً هو موضوع الكتاب الذي بين أيدينا، حيث يسعى الكاتب إلى بيان فكرة مفادها: أن كثيراً من الانحرافات الفكرية المعاصرة في المجال العقدي والفكري والثقافي ليس عائداً في حقيقته إلى إشكالية معرفية علمية تدخل في إطار الشبهة، وإنما ثمة محركات أُخر تقف خلف المشهد؛ هي من يسهم في تشكيل كثير من القناعات والتصورات المنحرفة، ومن تأمل في كثير من الانحرافات الفكرية في هذا الزمان فسيجد أنها عائدة إلى مركب هيمنة النموذج الثقافي الأجنبي مع ضعف التسليم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وما من شك أن للقيم الثقافية المهيمنة تأثيراً بليغاً في توجيه الفكر، وتشكيل التصورات، وهو معنى داخل في إطار قاعدة ابن خلدون الاجتماعية (المغلوب مولع بتقليد الغالب)، وهذه الإشكالية لا تختص بطبيعة الحال بالمشهد الثقافي العربي/الإسلامي، بل هي حاضرة في كثير من الهويات الحضارية المختلفة، ولا هي أيضاً إشكالية طارئة معاصرة بل هي إشكالية متكررة بتكرر الأنماط الثقافية المهيمنة.

وبمعنى آخر يريد الكاتب أن يبين من خلال كتابه أن كثيراً من الجدل الدائر حول جملة من الأحكام الشرعية، مما يظهر للوهلة الأولى أنه جدل يدور في فلك الشرع، وسبيله مؤسس على الأدلة الشرعية طلباً لمقتضياتها، ليس كذلك حقيقةً عند التدقيق، فالحقيقة المؤلمة أن ثمة أفكاراً مسبقة تشكلت نتيجة ضغوط الواقع وردت على نفوس أهلها قبل ورود دلالات الشريعة، فتمكنت هذه الأفكار من القلوب واستقرت في النفوس وسيطرت على الأفهام.

وكما هو ظاهر من عنوان الكتاب فهو يعنى بالدرجة الأولى بالفكر الليبرالي وأثر المزاج الليبرالي في تشكيل الفكر والتصورات، وقد جاء هذا الكتاب في قسمين:

القسم الأول قدم فيه الكاتب تأصيلاً مختصراً لمبدأ التسليم، لمعرفة وزنه في خطاب الكتاب والسنة، ومعرفة واقعه في الجيل الأول- رضي الله عنهم-، ومقدار الواجب منه وحجم المطلوب، وليكون الكلام في هذا القسم كالأصل والقاعدة التي يُنطلق منها، ويُرد إليها عند التنازع والمخاصمة.

وعن حقيقة هذا التسليم بين الكاتب أنه عمل قلبي يحصل باعتقاد ما أوجب الله اعتقاده، وفعل ما أوجب الله فعله، وترك ما أوجب الله تركه، وهذا هو التسليم لأمر الله الشرعي، أما التسليم لأمر الله الكوني فيكون بالرضا بقضاء الله وقدره، والصبر على المصائب، ومدافعة القدر بالقدر، ولا يتم هذا التسليم إلا بتنقية القلب وتخليصه من أدواء أربعة (من شبهة تعارض الخبر، أو شهوة تعارض الأمر، أو إرادة تعارض الإخلاص، أو اعتراض يُعارض القدر والشرع).

وقد فصَّل المؤلف موضوع التسليم من خلال محاور ثلاثة، أما المحور الأول فتحدث فيه عن أساسيات ومرتكزات التسليم للنص الشرعي، وأما المحور الثاني فتحدث فيه عن مغذيات التسليم للنص الشرعي، وأما المحور الأخير فجاء محوراً تطبيقياً، وفيه تحدث المؤلف عن حياة الصحابة كأنموذج عملي لمبدأ التسليم.

وخلال هذا القسم أشار المؤلف إلى أمر غاية في الأهمية- وهو مدار كتابه- وهو أهمية معرفة السبب أو الأسباب التي تقف خلف تبني التصورات، حيث أوضح أن أهمية هذا الأمر تكمن في تحديد منهجية التعاطي الأمثل معها، وكيفية معالجة الخطأ أو الانحراف متى لابس التصور، فإذا كانت بواعث التعلق بالفكرة الباطلة نفسية مثلاً فالاشتغال المجرد بتبيان الحق فيها بدلائله العلمية قد لا يجدي كثيراً في معالجة المشكلة في نهاية الأمر، ومن كان خطؤه منهجياً فقد لا ينتفع كثيراً بالمعالجة الجزئية وهكذا، ولذا فقد نوَّع القرآن أساليب الدعوة بناء على طبيعة البواعث والمحركات الكامنة للإقبال أو الإعراض عن الحق.

أما القسم الثاني من الكِتاب فقد خصصه المؤلف للحديث عن الأمور التي يتمترس بها المتلاعبون بالنصوص للالتفاف على مبدأ التسليم، وسماها المؤلف مزالق، وذكر منها ثمانية مزالق، وهي:

أولاً: مزلق مشكلة القراءة: فيرى أصحاب هذا المزلق أن المشكلة ليست في مبدأ التسليم، وإنما في مطالبة فصيل خاص بالتسليم لقراءته.

ثانياً: مزلق الخلاف: ويرى أصحابه أن في اختلاف أهل العلم دليلاً على أن مبدأ التسليم ليس بهذا الإحكام ولا الحدية التي يتصورها البعض.

ثالثاً: مزلق مشكلة المقاصد: حيث زعم أصحابه أن التسليم للمقاصد والكليات أولى من التسليم للفروع والجزئيات.

رابعاً: مزلق مشكلة تغير الفتوى والأحكام: زعم أصحاب هذا المزلق أن التسليم للنص لا يكون إلا بمراعاة معطيات الواقع ومتغيراته لا بالجمود على ألفاظه وحروفه.

خامساً: مزلق مشكلة العقل: حيث وُضع العقل مقابلاً للنص، بل وحكماً عليه.

سادساً: مزلق مشكلة السنة غير التشريعية: حيث قسم أصحاب هذه الشبهة السنة إلى تشريعية وغير تشريعية.

سابعاً: مشكلة السؤال والاستشكال: حيث استند أصحاب هذه المشكلة إلى ما كان يطرحه الصحابة من أسئلة وما كان يستشكل عليهم من أمور، وعليه طالبوا بعدم غلق الباب (بقُفل التسليم).

ثامناً: مزلق مشكلة تزكية النفس: حيث ادعى المدعون أن ادعاء التسليم للنص فيه تزكية للنفس.

فهذه ثمانية مزالق عرض لها المؤلف وبين أصولها التاريخية، ثم فندها علمياً ورد على ما فيها من شبه.

وختاماً نسأل الله تعالى أن يجزي المؤلف خيراً على هذا الكتاب الجيد في بابه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــــ