المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القضاء المصري يوحد المعارضة


عبدالناصر محمود
06-01-2015, 06:01 AM
القضاء المصري يوحد المعارضة
ـــــــــــــــــ

(إياد جبر)
ــــــ

14 / 8 / 1436 هــ
1 / 6 / 2015 م
ـــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/831052015102645.png

شهدت الأشهر القليلة الماضية تحول كبير في القضاء المصري حين أصبح متصدراً للمشهد السياسي وأداة يستخدمها النظام لقمع معارضيه بكافة انتماءاتهم، فأحكامه التي وصفتها المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان العالمية بالجائرة، ربما تكون سبباً في توحيد الصفوف وتخفف من حدة الانقسامات التي عرفتها قوى المعارضة بعد نجاح الموجة الأولى من ثورة يناير2011.

من أهم الأسباب التي قوضت من فرص المعارضة أو الأحزاب التي شكلتها قوى 25 يناير - خلافاً للإسلاميين– في الوصول إلى الحكم، هو فشلها في تشكيل أحزاب قوية ذات رؤية واضحة وقاعدة جماهيرية تستطيع من خلالها إدارة شؤون البلاد في أول استحقاق ديمقراطي، فدعوات بعض قادتها بتأجيل الانتخابات بكافة أشكالها، كان الهدف منه إعطاء هذه القوى فرصة كافية للتعبير عن نفسها، ولعل عدم جهوزيتها في ذلك الوقت، كان له دوراً مهماً في تمكين الإسلاميين من الفوز في الانتخابات البرلمانية والرئاسية قبل عزلهم من الحياة السياسية بعد 3 يوليو 2013.

لكن مع مرور الوقت يبدو أن القضاء المصري قد أخذ على عاتقة القيام بدور توحيد صفوف المعارضة ووضعها في خندق واحد، فتلك القوى السياسية التي فرقتها السياسة على مدار السنوات القليلة الماضية، جمعها قفص اتهام واحد، في مشهد يبدو غريب ومثير للدهشة، لأن المصائب التي ألمت بالوضع الداخلي لم تنجح قط في لم شمل تلك الأحزاب أو التقريب بينها، فكانت أحكام القضاء أقصر الطرق وأكثرها فاعلية.

فكانت قضية إهانة القضاء التي ضمت إلى جانب قيادات من الإسلاميين، شخصيات لها خلافات عميقة مع التيار الإسلامي أهمها: مصطفى النجار، محمد العمدة، محمد منيب، حمدي الفخراني، محمود السقا، عمرو حمزاوي، ممدوح إسماعيل، منتصر الزيات، عبد الحليم قنديل، نور الدين عبد الحافظ، أحمد حسن الشرقاوي، توفيق عكاشة، أمير حمدي سالم، وعلاء عبد الفتاح. لتؤكد حجم التحولات التي أصابت قوى ال30 من يونيو، ولم تعد لتلك القوى أي ملامح بعد مرور قرابة العامين على إقصاء الإسلاميين من الحكم.

ولعل المشهد الأكثر أهمية جاء بعد طلب محامي الدفاع عن المتهمين، من القاضي تمكين المتهمين من تناول وجبه من الطعام داخل القفص تعويضاَ عن حالتهم السيئة داخل السجن، وهو ما سمح به القاضي، حيث جمعت وجبة الكباب تلك، قيادات الإسلاميين ورفقائهم في القفص من اليساريين وغيرهم، الأمر الذي دفع وسائل الإعلام لتناول الموضوع بشيء من السخرية حين قالت إحدى الصحف إن الإسلاميين ومعارضيهم فرقتهم السياسة وجمعهم القفص "ووجبة الكباب".

في هذه الأثناء جاء رد الأحزاب اليسارية على تلك المحاكمات ليؤكد على حالة التقارب بين صفوف المعارضة، حيث علق أحد قيادات اليسار، تعقيباً على طبيعة المحاكمات الجارية قائلاً، إن "النظام وحد المعارضة في القفص وأخذهم كخصوم له عكس المشهد السابق"، مشيراً إلى أن "القوى السياسية كانت مختلفة مع الإسلاميين ومتحدة مع القوات المسلحة إبان ثورة 30 يونيو، إلا أن الوضع تغير حالياً، فالآن تبقى من ثورة 30 يونيو الفلول والعسكر فقط، وانسحبت جميع القوى إلى المعارضة".
وأضاف "وجود قوى المعارضة جميعها في خندق واحد تعبير عن المشهد السياسي الحالي، وربما يتطور المشهد في المستقبل على حسب التطورات على الأرض، خاصة في ظل الظروف التي تمر فيها البلاد حالياً من غلاء أسعار واعتقالات وإعدامات وقتل بعيد عن القضاء".

تعقيب قوى اليسار على تلك المحاكمات يشبه إلى حد كبير موقف حزب مصر القوية الذي أكد على، أن تلك المحاكمات قد جاءت لتؤكد أن النظام الحالي قد استطاع أن يوحد كافة المعارضين في قفص اتهام واحد، بالرغم من الاختلاف الشديد في آرائهم السياسية، وحتى موقفهم من النظام السياسي، مؤكداً أن المظالم قد طالت الجميع باختلاف توجهاتهم وأيدلوجيتهم، مضيفاً أن الحفاظ على هيبة القضاء هو بالأساس مسؤولية السلطة قبل أن يكون مسؤولية المجتمع، وذلك بعدم إقحام المنظومة القضائية في الخلاف السياسي، والسعي إلى تسيسها لحماية أغراض النظام.

تلك المحاكمات التي لاحقت نشطاء وشخصيات وقيادات سياسية مختلفة، لم تكن بحد ذاتها محل سخط وامتعاض تلك القوى، لاسيما الثورية منها واليسار والوسط، فكان لتلك المحاكمات التي هي أشبه بتصفية حسابات، ما سبقها، حيث شكلت أحكام البراءة لمبارك ورموز نظامه حالة من الإحباط، كان من شأنها أن تخلق قناعات لتلك القوى، تقوم على أن النظام الحالي هو نسخة جديدة عن نظام مبارك وربما يكون امتداد له، يستخدم القضاء للتخلص من كل المعارضين ولا يقتصر الأمر على التيار الإسلامي فقط، بل أمتد ليشمل كل من ينتقد أخطاء النظام، أو يفكر مجرد تفكير في المعارضة.

من جانب آخر لم تتوقف مسرحية البراءة عند رموز نظام مبارك فحسب، فقد إستمرت بنفس السيناريو الهزلي مع بعض ضباط الشرطة والإعلاميين المحسوبين على النظام، وكان آخرها براءة ضابط شرطة كان قد تسبب في قتل الناشط "سيد بلال" أثناء ثورة يناير، مع العلم أن تلك المحكمة كانت قد حكمت على الضابط بالسجن 15 عاماً، لكنها عادت الخميس الماضي لتقضي ببراءته.

وفي نفس السياق لم يبدي القضاء أي اهتمام أو مسؤولية تجاه الإعلامي "أحمد موسى" الذي حُكم عليه بالسجن عامين، لكنه يستمر في عرض برنامجه التلفزيوني بشكل يومي، في حين يقبع آلاف المصريون من كافة الانتماءات السياسية داخل السجون دون أن توجه المحكمة لهم أي اتهامات.

موجة الغضب التي يثيرها القضاء كل أسبوع تقريباً، بسبب الإعدامات التي تصدر بالجملة ضد معارضي النظام، وفي نفس الوقت أحكام البراءة للمحسوبين عليه، دفعت المشهد السياسي المصري للدخول في مرحلة يصعب التنبؤ بمآلاتها، حيث لم تعد هناك إمكانية للحوار أو التنسيق بين النظام والأحزاب السياسية على القضايا العالقة، لاسيما الانتخابات البرلمانية، لأن حجم الهوة بين الفريقين تتسع مع مرور الوقت، فتسود حالة من غياب المناخ الديمقراطي المأمول عند الحد الأدنى بالنسبة للقوى السياسية.

ولأن أحكام القضاء المثيرة للدهشة، أصبحت عنوان تلك المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد، بات تتبع سيناريوهات تلك المحاكمات مدخل جديد لفهم الحالة السياسية المصرية، وكذلك مستقبل العلاقة بين السلطة السياسية والمعارضة.

-------------------------------------------