المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المخدرات .. والوقاية منها


عبدالناصر محمود
06-01-2015, 07:41 AM
المخدرات .. والوقاية منها
ـــــــــــــ


(د. محمد بن لطفي الصباغ)
ـــــــــــــ

14 / 8 / 1436 هــ
1 / 6 / 2015 م
ــــــــ

http://lyrics-words.com/wp-content/uploads/dc291_ghh.jpg


المخدرات .. والوقاية منها
-----------

المخدِّرات شرٌّ عظيم، وعواقب انتشارها بين الناس وخيمةٌ جدًّا؛ إنها تُفسد العقل، وتُوهِن الجسم، وتدمِّر المواهب، وتقضي على الطاقات، ويتفاقم خطرُها الآن؛ فهي أضخم المشاكل العالمية بسبب التكتم عن تفشِّيها، وبسبب نمو تجارتها التي أضحت من أربح التجارات؛ فتجارةُ المخدرات تمثِّل 8% من مجموع التجارة العالمية، هذا ما تقوله التقارير الدولية، والحقيقة أن النسبةَ أكبر من ذلك بكثير؛ لأن تقرير الأمم المتحدة يقول: إن الكمية المضبوطة تشكِّل نسبة ضئيلة من الحقيقة، ومما ساعد على ترويجها التقدمُ في وسائل تهريبها.

وقد زاد الطلب على هذه المادة القاتلة، وهذا جعل أكثرَ الدول التي تنتجها تُضاعِف من إنتاجها، وهذا جعل أثمانَها تنخفض وتتوافر بكثرةٍ في الأسواق، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

ولضررها البالغ ذهب علماءُ الإسلام إلى أن تجارتَها وتعاطيَها حرام؛ وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا ضرر ولا ضرار))[1]، وهذا الحديثُ كان القاعدة الثامنة عشْرة من القواعد الكلية الفقهية التي صدرت بها مجلة الأحكام العدلية، وهي تسع وتسعون قاعدة، وقد شرحها الشيخ أحمد الزرقاء في كتاب مطبوع؛ ولذا فقد أجمع علماءُ الأمة على حرمتها كما ذكرنا آنفًا، وكذلك فقد جاء في الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم-: ((نهى عن كل مُسْكر ومفتر))[2].

ومن المفيد أن نعرف أهمَّ الأسباب التي تدعو إلى انتشارها؛ إذ عندما نعرف أسبابَ هذا المرض يسهل علينا علاجُه، والحق أن كلَّ ظاهرة اجتماعية لا بد أن تكون أسبابٌ عدةٌ عمِلت على وجودها، ولا يمكن أن يكونَ سببٌ واحد فقط.

1- فمن أهم أسباب انتشار المخدرات: ضَعْفُ التديُّن، وشيوع المنكرات في المجتمع، وترك التناصح، إن قلة الخوف من الله تجرِّئ على المعصية، وتسهِّل وسائلها، وتَعاطي المخدِّرات من أكبر المعاصي.

ولتوجيه الدين دورُه الكبير في القضاء على كل المعاصي، وهذا واجب على العلماء والمعلِّمين والكتَّاب ورجال الإعلام والآباء والأمهات، إن التزامَ الوالدين والأساتذة بالإسلام وقيامَهم بالتوجيه السليم يَقِي أبناءَ المسلمين من الوقوع في هذا المرض الخبيث الخطير، وعلى الآباء بصورة خاصة مراقبة أولادهم؛ فمن أسباب انتشار المخدرات في الأُسَر الفقيرة انشغالُ المسؤولين عنها؛ لتوفير لقمة العيش، فأدّى ذلك إلى إهمال تربية أولادهم، وأما الأُسَر الغنية فانتشار المخدرات فيها بسبب توفر المال، وبسبب الفَهم الخاطئ للحُريَّة الشخصية!!
ومن ذلك: تناول المخدِّرات.

2- ومن هذه الأسباب توهُّمُ الحصول على السرور بتعاطيها، وهذا وهمٌ باطل، وليس له وجودٌ، وعلى فرض وجوده، فإنه مؤقَّت، نتائجه مدمِّرة ماحقة.

إن هذا المسكين المغفَّل يتصور أنها تُعِين على الهرب من مواجهة مشاكل الحياة، ومن الإخفاق في الدراسة أو التجارة أو الزواج، إنه يُقدِم على المخدِّرات لينسى واقعَه، وما درى هذا المسكين أن نسيانَ هذه المتاعب مؤقت؛ ذلك أنه عندما يعود إلى وعيه يجد أنه لم يجنِ من تعاطي المخدرات إلا أنه أهلك جسمَه وعقله، وأنه أغضب ربَّه، وأفقد نفسه القدرةَ على مواجهة تلك المشاكل وحلِّها.

3- ومن أسباب انتشار المخدرات رفاقُ السوء، وهذا السبب من أهمِّ الأسباب في نشرها بين الشباب والشابات، والإنسان السوي يتأثَّر بمن حوله، وقد جاء في الحديث قولُه -صلى الله عليه وسلم-: ((المرءُ على دين خليلِه؛ فلينظُرْ أحدُكم من يخالل))[3]، وهو حديث حسن.

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تصاحِبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكلْ طعامَك إلا تقيٌّ))[4]، وهو حديث حسن.

وقال الشاعر:
عنِ المرءِ لا تسأل وسَلْ عن قرينِهِ *** فكلُّ قرينٍ بالمقارَنِ يقتدي


4- ومن هذه الأسباب: البطالة، والفراغ، والفقر المدقع، وكيد الأعداء، إن أعداءنا يعملون على نشر هذه الآفة الخبيثة القاتلة في شبابنا؛ لأنها تقضي على إمكانات الأمة العقلية والجسدية وتبعد الأمة عن الإسلام.
• • • •

إن من مقاصد الشريعة حفْظَ العقل[5]، وهذه المخدِّرات هي الآفة التي تدمِّر العقل وتشله، لقد ميَّز اللهُ الإنسان عن بقية المخلوقات بالعقل، فلنتصور حجم الجريمة في هدم هذا العقل، وكيف يرضى إنسانٌ مكرم أن ينزل عن درجة التكريم التي أحله اللهُ بها، ليكون في مستوى الحيوانات العجماوات، إن هذا لشيءٌ عجيب!

إن معاقبة المروِّج للمخدِّرات أمرٌ لازم، وكذلك متعاطيها؛ وذلك بإدخاله المصحات المتخصصة التي يكون فيها مختصون بالطب وعلم النفس وبطرق إصلاح المنحرفين، وينبغي أن يكونوا على درجة من التديُّن، ومعرفة أحكام الشرع في هذه المسائل، فليس هناك شيءٌ يعدل الدِّين في التأثير على النفس وتغييرها، فيتدرجون في معالجته بعد دراسة حالته والظروف والأسباب التي عملت على أن يكونَ هذا المسكين من المدمنين، ولا يخرج من هذا المصحِّ إلا بعد التأكد من شفائِه، وعزمِه على الإقلاع عن تَعاطيها.

ولا بد من عمل الدولة والمؤسسات التربوية على القضاء على الأسباب التي ذكرناها، ولا بد من العمل على الوقاية من هذه الآفة الهدامة؛ فدِرْهم وقاية خير من قنطار علاج، والطريقة المثلى في العلاج والوقاية هي الالتزام بأحكام هذا الدين الذي يصوغ مَن يتمسك به صياغةً فريدة، تجعله إنسانًا صالحًا يعمل للخير، وينأى عن الشر، وينشر الحق، ويُبطِل الباطل، وهو عندئذ سيكون في منجاة من المعاصي والآفات المهلكة.

والأساس الذي تقوم عليه تلك الصياغة عقيدةُ التوجيه التي تبلغ بصاحبها منزلةَ الإحسان؛ وهي التي أشار إليها الحديثُ الصحيح: قال - أي: جبريل -: فأخبِرْني عن الإحسان، قال: ((*أن تعبدَ اللهَ كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك))[6]، والله - سبحانه - سميع عليم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدور، والحساب دقيق لا تفوته ذرةٌ من عمل الإنسان؛ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]، والعُصاةُ لا يُفلتون من الله: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [العنكبوت: 4].

• إن الأمر جدُّ خطير؛ فقد ذكر تقرير الدكتور أحمد جمال أبو العزايم - رئيس الاتحاد العربي للوقاية من الإدمان - أن نسبة المدمنين على المخدِّرات في العالم العربي تتراوح ما بين 7% إلى 10%، وذكر أن معظم المدمنين من الشباب.

• ويُعتبر العراق محطة ترانزيت رئيسة لنقل الهروين المصنَّع في أفغانستان وإيران إلى دول العالم، وتقول تقارير صادرة عن وزارة الصحة العراقية: إن بين كل عشرة شباب، أعمارهم ما بين 18-30 عامًا، ثلاثة إلى أربعة مدمنين على المخدرات الإيرانية، وهي أشد أنواع المخدِّرات خطرًا؛ حيث تعمل على إتلاف الجهاز العصبي بشكل كامل خلال شهر واحد من تعاطيها.

وقد أعدَّ الدكتور عماد حمدي - رئيس قسم الطب النفسي بكلية الطب في جامعة القاهرة - بحثًا في موضوع تعاطي المخدرات والمسكرات قال فيه: إن نسبة المتعاطين بلغت 10% من السكان في مختلف الفئات العمرية 25 - 44 عامًا، وهي السن التي يكون فيها الشخص في قمة عطائه.

وتعتبر دول الخليج سوقًا استهلاكيًّا للمخدِّرات.

وأما اليمن ففيها يُزرَع "القات" ويتناوله كثير من الناس هناك، ويدخل إليها ما يقارب (30) طنًّا من الحشيش المضغوط في سنة واحدة، إضافة إلى عشرات الملايين من الحبوب المخدِّرة التي تأتيها من إيران وباكستان.

وأما مصر، فإنها تصدِّر الحشيش، وتأتي في المرتبة 12 من بين أكثر الدول المصدرة للحشيش، وهناك في سينا حقولٌ من الأفيون.

وبعدُ، فعياذًا بك يا الله، رحماك يا رب!!
سُلِّط علينا بذنوبنا المجرم بشار الأسد وطغامته؛ يقتل شبابنا في سوريا.. وقام السفهاء منا يقتلون شبابنا بالترويج للمخدرات والمُسكِرات، عياذًا بك يا الله ورحماك!

إن هذه الآفة القاتلة ستدمِّر مستقبلَنا إن لم تتدراكْنا رحمةٌ منك يا الله يا رحيم.

يا أيها القراء الكرام، يا أيها العلماء الأفاضل، يا أيها المرشدون، الأمر جدٌّ، والخطر كبير؛ فعلينا أن نواجه هذه المشكلة بالعزم والعمل والتخطيط.

لنَعُد إلى الله، ولْنبيِّنْ للناس الخطرَ الداهم.

يا حيُّ يا قيوم برحمتك نستغيث، ربنا لا تَكِلنا إلى أنفسنا طرفةَ عين ولا أقلَّ من ذلك، وارحمنا؛ فإنك أنت الرَّحمن الرحيم.

----------------------------------------------------------
[1] هو حديث صحيح؛ رواه مالك في الموطأ 2/ 745، وابن ماجه 2341، وأحمد 1/ 313، والحاكم 2/57، والدارقطني في السنن 3/77، والبيهقي 6/69.
[2] أخرجه أبو داود 3686، والبيهقي 8/296، وأحمد 6/309، وضعَّفه الألباني في السلسلة الضعيفة 4732، وقال: وهذا إسناد ضعيف؛ لسوء حِفظ شهر بن حوشب، وصحَّحه السيوطي والمناوي في فيض التقدير 6/ 338، وقال: رمز المصنف لصحته وهو كذلك، فقد قال العراقي: إسنادُه صحيح، وذكر الشيخ الألباني أن الشيخَ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة السعودية نشر مقالاً في مجلة الحج، الجزء الرابع من السنة 14 ص278 في تحريم القات، واستند إلى هذا الحديث.
[3] رواه أبو داود 4833، والترمذي 2378، وأحمد 2/303 و334.
[4] رواه أبو داود 4832، والترمذي 2395.
[5] وكذلك حفظ الدِّين والنفس والمال والنَّسل، وهي الضرورات الخمس.
[6] رواه مسلم 8، وأحمد 1/27، وأبو داود 4695، والترمذي 2610 وغيرهم.

--------------------------------------------