المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كثرة الشكوى على مواقع التواصل


عبدالناصر محمود
06-01-2015, 07:52 AM
كثرة الشكوى على مواقع التواصل الاجتماعي
ـــــــــــــــــــــ

(خالد إسلام البعمراني)
ـــــــــــــ

14 / 8 / 1436 هــ
1 / 6 / 2015 م
ــــــــــ

http://editor.moheet.com/gallery/2015/moheet_29/20150408_174104_7151.jpg?i=2104541292

كثرة الشكوى على مواقع التواصل الاجتماعي

هناك ظاهرة منتشرة بكثرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مِن فيس بوك.. وتويتر.. ومنتديات.. وغيرها، بل وعلى أرض الواقع، وأقصد بذلك ظاهرة شكوى النَّاس عَلَى بعضهمُ البَعض والتي تفاقمت بصورة كبيرة جدا في الآونة الأخيرة كما لا يخفى على أحد منكم، فهَذا يشكو شَظَفَ المعيشة، وهذا يشكو مَرَضه، وهَذا يشكو بُعدَ أولاده عنه، وآخر يشكو عَدَم تفهُّم وَالديه له أو أحدهما، وهذه تَشْكو عُنوسَتها وتأخُّرَها عن الزَّواج، وهذا يشكو فَقْدَ ****** والقريب، وآخر يشكو مشاكله في مقرّ عَمله، وأخرى تشكو أحزانها وماضيها المؤلم، وهكذا شكاوى تلو الأخرى..
والظلم في الناس طبع
وأين ذا المتزكي
وهم معادن شتى
ويظهرون التشكي

أنا لن أقول لك ألاَّ تُفصح عن حالك لأحد من النَّاس وأنت أحوجُ ما تكونَ إلى ذلك، كما لن أقول لك أن تكتمَ آهاتك المخنوقة في صدرك بصفة نهائيّة حتى تَتَسبَّب لكَ -لا قدَّر الله- في أمراض نفسيَّة، لاَ!، فالإنسَان بطبيعته يحتاج إلى من يسمع منه ويؤنسه، والشَّكوى إلى الخلق فيما يقدرون عليه لا بأس بها، ما لم يكن فيها تسخّط أو تضجّر من أقدار الله تعالى، وإنَّما أنصَحُك كما يقول الشيخ المنجد حفظه الله أن يكون: "أول من تشكو إليه، وأول من تلجأ إليه إذا نزلت -بك- فاقة أو مصيبة؟ هو الله عز وجل، ثم تستعين من المخلوقين بمن يقدر وأنت لا زلت متوكلاً على ربك، وهذا أيضاً من الفروق العظيمة: فتلجأ أولاً إلى الله عز وجل، قبل أن تلجأ إلى المخلوقين، والمخلوق ما هو إلا سبب يسخره الله فيأتيك بالفرج على يديه، وقد يأتي بالفرج بلا سبب..."اهـ، فإن اضطررتَ أن تشكو حالكَ لأحَد منَ المخلوقين بعد الله عز وجلَّ، ورأيتَ أنَّ البَوْحَ له سَيُخفّف عنك شيئاً ممَّا ألمَّ بكَ، فبُح بخوالج نَفسكَ لمن تثق فيه، وتظنّ فيه العلم والصَّلاح، وتعلَمُ أنه سيسَاعدكَ في البَحث عن حلّ لمشكلتك، أو يحتويك بعَطفه ورحمته ليُخفّف عنك آلامك، أو يمتصُّ ما بداخلك من مشاعر سلبيَّة بحكمته ورَجاحَة عقله ليمدّك بأخرى إيجابية ترفع من معنوياتك، أو يدعو لكَ بدعوات تُنزل السَّكينة على قلبك، أو ينصَحك ويرشدك لما فيه الخير..

أمَّا أن يكون دَيدَنك الشَّكوى للبَشَر الضّعفاء الفُقراء، فيماَ يقدرون عَليه ومَا لاَ يقدرُون عَلَيه، وتنسَى ربَّ البشر القويّ العَزيز القادر على كلّ شيء -سُبحانه وتعالى- فهنا الخللُ الذي سَيدَفعكَ إلى التعلُّق بغير الله تعالى ومن تعلَّق بشيء غيره -سبحانه وتعالى- وَكَلَه الله إليه وعذَّبه به، وصار مثله كمثل المستظلّ من الحرّ والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت!.

أمَّا أن تبثَّ شكواك لمن لا تعرفُ وكل من هبَّ ودبَّ على المواقع الاجتماعية والمنتديات وغيرها فهنا الخَللُ الذّي سَيَجعلك تزدادُ ألماً وحزناً وهمّاً واكتئاباً وتَشتُّتاً في غالب الأحيان، لماذا؟ لأنَّ النَّاس فيه هذه الأماكن مختلطة، وسَتَجد ضمنهم مَن لن يَراعيَ الظَّرفيَّة أو الحالة النَّفسيَّة التي أنتَ فيها، وبالتَّالي سيردُّ عليك بردّ سَاخر يستفزُّك ويجرَحك، أو ستجد بين هؤلاء النَّاس مَنْ يرجُو لك خيراً، ولكن يشير عليك بالرَّأي السَّقيم إمَّا لضُعف علم أو لقلَّة تجربة، أو ستجدُ بينهم من يستغلُّ حالتك ليتسَلَّى بها لبعضَ الوقت، ويتلاعب بمشاعركَ وعواطفكَ كما يحلو له، فتراه تارةً محلّلاً وتارةً أخرى طبيباً نفسيّاً وهكذا.. وما أكثرَ النّساء مع الأسف الشَّديد ممَّن يسلكنَ هذا المنعَطَف الخطر، بسبب بُعد أزواجهنَّ عنهنّ، أو تأخّرهنَّ عن الزَّواج، أو قسوة الأهل والأقارب؛ فتكون إحداهنّ في أمسّ الحاجة لمن يملأ هذا الفراغ وهذا النَّقص في حياتها، في أمسّ الحاجة لمن يُشبعُ عَاطفتها، ويَسمعُ لها، وينصحها، ويحنّ عليها، فما إن تلقى ذلك الاهتمامَ المُزيّف من شخص معيّن تعرّفت عليه بعد ردّ له على شكواها بصفحتها على الفيس بوك أو التويتر أو منتدى شاركَت به، حتَّى تتعلَّق به، وتبوحُ له بكلّ أسرارها، والشّيطان يزيّن لها العمل ويبرّر لها الفعل، والآخرُ يستغلّ هذه الفرصة ويعطيها كلّ الوقت ليُفسدها على زوجها وأهلها ويفتنها في دينها، والنّهاية عواقب وخيمة ونهاية مأساوية في كثير من الأحيان، فمن المسؤول عن ذلك؟ ومن المُذنب؟، أليست هي التي فَتحَت عليها هذا الباب، ظاهرهُ الرحمة وباطنه العذاب؟!، أليسَت هي من سلَكت الطَّريق الخطأ!، واختارَت الشّخص الخطأ!، فماذا تنتظرُ من ذلك؟!، أن تجنيَ من الشَّوك العنب؟!، يا للعَجب!! ألقت قلبها بين يدي ذئب وترجو السلامة؟! أو كمن..
ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له
إيَّاك إيَّاك أن تبتلَّ بالماء؟!

ومن النّاس من يكثر الشَّكوى من كلّ شيء! حتى من المطر، والحرّ، والقرّ، والرّيح.. إلى درجة التضجّر والتسخُّط من أقدار الله تعالى وحكمته في خلقه وهنا الخلل الذي سيقوده إلى الشّقاء، وسخَط الله تعالى عليه، قال ابن القيم -رحمه الله- في الفوائد:
" الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه؛ فإنه لو عرف ربه لما شكاه، ولو عرف الناس لما شكا إليهم، ورأى بعض السلف رجلًا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك، وفي ذلك قيل:
إذا شكوت إلى ابن آدم إنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

والعارف إنما يشكو إلى الله وحده، وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله من نفسه لا من الناس، فهو يشكو من موجبات تسليط الناس عليه، فهو ناظر إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30] وقوله: ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ [النساء: 79]، وقوله: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 165] فالمراتب ثلاثة: أخسها أن تشكو الله إلى خلقه، وأعلاها أن تشكو نفسك إليه، وأوسطها أن تشكو خلقه إليه. اهـ

فوالله أيها الأحبَّة الكرام لو أنَّنا استشعرنا فعلاً المعنى الحقيقي للرّضا بالله، والرّضا عن الله، لكفّت ألسنتنا عن التّشكي، ولو ذقنا فعلاً حلاوة التَّسليم بالقضاء، وفهمنا أنّ الدنيا ما هي إلاَّ دار امتحان وابتلاء، وتأمّلنا فيما أعدّه الله تعالى للمؤمنين الصَّابرين من عظم الجزاء - لارتاحت نفوسنا، ولاطمأنَّت قلوبنا، ولانشرَحَت صدورنا، ولسَعدَت أرواحنا رضاً بحكم الله وقدره فينا، وكيف لا؟ والرضا جنّة الدنيا من لم يدخلها لن يدخل جنّة الآخرة..

وليتنا نَعُود بأنفسنا وقلوبنا إلى القرآن العظيم ذلك المنبع الصافي لنقرأه ونتلوه بتدبّر كما يجب أن يُقرأ وكما أمرنا الله عزَّ وجل: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]. لنجد بين دفتيه كيف كان صبرُ الأنبياء -عليهم السلام- الذين هم أشدُّ النَّاس بلاءً، وكيف كان تعلُّقهم الشَّديد بالله تعالى عند المحنة، وكيف كانوا يبثُون إليه شكاواهم، مثل إبراهيم ويعقوب ويوسف وأيوب ويونس وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء والرسل -عليهم السلام- لا شك أننا سوف نستفيد من قصصهم عبرا عظيمة ودروسا قيّمة في الصَّبر والرضا والإنابة والاستسلام والشّكر والتّضرع والدعاء وصدق اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى.. فما أبعد أهل القرآن العاملين به عن كثرة الشكاوى لغير الله عز وجل!..


------------------------------------------