المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرضا بالقضاء والقدر .


صابرة
06-05-2015, 10:51 AM
جاءت إليّ تجر خطاها ..
تحمل على ذراعيها طفلاً قد أنهكه المرض ..
أم قارب عمرها الأربعين .. قد ضمت الصغير إلى صدرها .. كأنه قطعة من جسدها ..
كانت حالته حرجة .. تسمع تردد النفس في صدره من على بعد مترين وثلاثة ..
سألتها : كم عمره ؟
قالت : سنتان ونصف .
عملنا له الفحوصات اللازمة .. كان يعلني من مشاكل في شرايين القلب ..
أجرينا له العملية .. وبعد يومين من العمليه كان ابنها في صحة جيده ..
ابتهجت الأم وفرحت .. وصارت كلما رأتني سألتني: متى الخروج يا دكتور ..
فلما كدت أن أكتب أمر الخروج .. فإذا بالصغير يصاب بنزيف حاد في الحنجره .. أدى إلى توقف قلبه 45 دقيقة.
غاب الصغير عن وعيه ..
اجتمع الأطباء في غرفته .. ومضت الساعات ولم يستطيعوا إفاقته ..
تسرع أحد الزملاء وقال لها : احتمال أن يكون ابنك مات دماغياً .. وأظن أنه ليس له أمل في الحياه.
التفتُّ إليه لائماً لم قال ذلك ..!!
ونظرت إليها فوالله ما زادت على أن قالت : الشافي الله .. المعافي الله ..
ثم تمتمت قائلة : أسأل الله إن كان له خياًر في الشفاء أن يشفيه ..
ثم سكتت .. ومضت إلى كرسي صغير .. جلست عليه ..
وأخذت مصحفها الأزرق الصغير وجلست تقرأ فيه .. خرج الأطباء .. وخرجت معهم .. صرت أمر على الصغير .. حالته لم تتغير .. جثة على السرير الأبيض ..
ألتفت إلى أمه .. حالها أيضاً لم يتغير ..
يوماً أراها تقرأ عليه .. ويوماً تتلو القرآن .. ويوماً تدعو له ..
بعد أيام أخبرتني إحدى الممرضات أن الصغير بدأ يتحرك .. حمدت الله ..
وقلت لها مباركاً : يا أم ياسر .. أبشرك ياسر بدأ يتحسن .. قالت كلمة واحدة وهي تدافع عبرتها : الحمد لله .. الحمد لله ..
مضت أربع وعشرين ساعة ..
نفاجأ بالصغير .. يصاب بنزيف حاد مثل نزيفه الأول .. ويتوقف قلبه مرة أخرى ..
ويتعب جسده الصغير ..ويفقد الحركة والإحساس ..
دخل أحد الأطباء يعاين حالته .. فسمعته الأم يقول : وفاة دماغية ..
رددت : الحمد لله على كل حال .. الشافي ربي ..
بعد أيام شُفي الصغير ..
لكنه لم تمض عليه ساعات .. حتى أصيب بنزيف في القلب .. ثم يفقد الحركة والإحساس ..
ويفيق بعد أيام .. ثم يصاب بنزيف جديد ..حالة غريبة .. لم أر مثلها في حياتي ..
تكرر هذا النزيف ست مرات ..ولا تسمع منها إلا : الحمد لله الشافي ربي .. هو المعافي .. بعد فحوصات وعلاجات متعددة ..
سيطر أطباء القصبة الهوائية على النزيف بعد ستة أسابيع .. بدأ ياسر يتحرك ..
وفجأة .. إذا به يبتلى بخراّج كبير ( ورم ) .. والتهابٍ في الدماغ ..
عاينت حالته بنفسي .. قلت لها :
ابنك وضعه حرج جداً .. وحالته خطيره ..
رددت: الشافي هو الله ..
وانصرفت تقرأ عليه القرآن ..زال هذا الخُرّاج بعد أسبوعين..
مضى يومان تماثل الغلام أثناءها للشفاء .. حمدنا الله على ذلك ..
بدأت الأم تهيء نفسها للخروج ..وبعد ثلاثة أيام ..
إذا به يصاب بتوقف والتهاب حاد بالكلى ..
أدى إلى فشل كلوي حاد كاد أن يميته..
والأم مازالت متماسكة .. متوكله .. منطرحه على ربها .. وتردد :
الشافي هو الله .. ثم تذهب وتقرأ من مصحفها عليه..
مضت الأيام ونحن في محاولات وعلاجات متتابعة لا تتوقف .. استمرت أكثر من ثلاثة أشهر ..تحسنت كلاه ولله الحمد ..
لكن القصة لم تنته ..يصاب الصغير بمرض عجيب لم أره في حياتي ..
بعد أربعة أشهر يصاب بالتهاب في الغشاء البلوري المحيط بالقلب .. مما اضطرنا إلى فتح القفص الصدري .. وتركه مفتوحاً ليخرج الصديد ..
وأمه تنظر إليه وتردد :
أسأل الله أن يشفيه .. هو الشافي المعافى ..
ثم تنصرف عنه إلى كرسيها وتفتح مصحفها ..
كنت أنظر إليها أحياناً .. ومصحفها بين يديها ..
لا تلتفت إلى ما حولها ..
كنت أدخل غرفة الإنعاش ..
فأرى أنواع المرضى ومرافقيهم ..
أرى مرضى يصرخون .. وآخرين يتأوهون ..
ومرافقين يبكون .. وآخرين يجرون وراء الأطباء ..
وهي على كرسيها ومصحفها .. لا تلتف إلى صارخ .. ولا تقوم إلى طبيب .. ولا تتحدث مع أحد ..كنت أشعر أنها جبل .. بعد ستة أشهر في الإنعاش ..
كنت أمر بالصغير فأراه لا يرى .. لا يتكلم .. لا يتحرك .. صدره مفتوح ..
ظننا أن هذه نهايته وخاتمته.. والمرأة كما هي تقرأ القرآن .. صابره لم تشتك .. ولم تتضجر .. والله ما كلمتني بكلمة واحدة .. ولا سألتني عن حالة ولدها .. إلا إن ابتدأت أنا أحدثها عنه ..وكان زوجها قد جاوز عمره الأربعين ..
يقابلني أحياناً عند ولده .. فإذا التفت إليّ ليسألني .. غمزت الأم يده .. وهدّأته ورفعت من معنوياته .. وذكرته بأن الشافي الله .. بعد شهرين .. تحسنت حالته ..
حوّلناه لقسم الأطفال في المستشفى ..تحسن كثيراً ..
مارسوا معه أنواعاً من العلاجات والتدريبات ..
وبعدها ذهب الطفل إلى بيته ماشياً .. يرى .. ويتكلم كأنه لم يصبه شيء من قبل .
عفواً .. لم تنته القصة العجيب بعد ..بعد سنة ونصف .. كنت في عيادتي ..
فإذا بزوج المرأة يدخل عليّ ..
وتدخل زوجته وراءه تحمل بين يديها طفلاً صغيراً صحته جيدة ..
وكان للطفل مراجعة عادية عند أحد الزملاء لكنهم جاءوني للسلام عليّ ..
قلت للزوج : ما شاء الله .. هذا الرضيع رقمه ستة أو سبعه في العائلة ؟
فقال : هذا هو الثاني ..
والولد الأول هو الذي عالجته العام الماضي .. وهو أول مولود لنا .. جاءنا بعد 17 عاماً من الزواج والعلاج من العقم ..
خفضت رأسي .. وأنا أتذكر صورتها وهي عند الولد .. لم أسمع لها صوتاً .. ولم أر منها جزعاً ..
قلت في نفسي .. سبحااااان الله ..
بعد 17 سنة من الصبر وأنواع علاج العقم ترزق ترزق بولد تراه يموت أمامها مرات ومرات .. وهي لا تعرف إلا لا إله إلا الله .. الله الشافي .. المعافي ..
أي اتكال .. وأي امرأة هذه ..
5/ وما أجمل أن لا يكتفي المرافق بملأ وقته بالمفيد .. بل يحرص على ملء وقت المريض أيضاً بالمفيد ..
كأن يحرصه على كثرة الذكر والاستغفار ..
وأن يحضر له مسجلاً وأشرطة نافعة .. أشرطة تلاوة .. محاضرات .. أحاديث ..
أن يتابع معه أوقات الصلاة ويحرصه على أدائها ..
أن يبعد عنه ما يضره .. أو يحمله أوزاراً من نظر أو سماع محرم ..
• الرضا بالقضاء والقدر ..
منقول

:faldbl_thumb: