المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حاضر أردوغان وميراث أتاتورك


عبدالناصر محمود
06-08-2015, 05:57 AM
تركيا بين حاضر أردوغان وميراث أتاتورك*
ــــــــــــــــــــــ

21 / 8 / 1436 هــ
8 / 6 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/807062015092615.png

من المسلَّم به أن إنجازات أي حزب على الصعيد السياسي أو الاقتصادي او الاجتماعي هي من تحشد له قاعدةً جماهيريةً وشعبيةً فتمنحه أصواتها في الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، وهو ما حدث بالفعل مع كثير من الأحزاب حول العالم، خاصة تلك الأحزاب التي حققت فوزاً في أول تجربة ديمقراطية رسمية لها.
خاض حزب العدالة والتنمية الانتخابات الأولى له في عام 2002، فأمسك بزمام الحكم في البلاد بدعمٍ من الشّعب التركي الذي لمس إنجازاته، وشهدت تركيا منذ ذاك العامة انعطافاً كبيراً في تاريخ وسياسة واقتصاد البلاد بل وفي كل مناحي الحياة هناك.

فعلى الصعيد السياسي؛ تمكَّن العدالة والتنمية من فرض الاستقرار السياسي داخل البلاد، وقام بجملة من الإصلاحات في السلطتين التنفيذية والقضائية وكفّ يد الجيش عن التدخل في الشأن السياسي، وذلك بهدف طي صفحة من الدكتاتورية والتعجيل في عمليّة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فشهدت البلاد حالة لا سابق لها من ممارسة الحرّيات الشخصية التي أبدت احتراماً لحقوق الإنسان.
ويحاول الحزب استكمال اصلاحاته السياسية بإقرار دستور جديد بديلٍ عن دستور عام 1982م؛ يضمن إلزام المؤسسة العسكرية حدودها، ويدعم مطالب الأكراد بالحصول على الخدمات العامة باللغة الكردية، ويحظر إصدار قوانين عنصرية، ويقضي على التشريعات التي يستخدمها الجيش كذريعة للانقلابات، ويضمن نزاهة القضاء وإلغاء المحاكم العسكرية العليا.

وبعدما تمكَّن من تشكيل الحكومة بمعزلٍ عن الأحزاب الأخرى؛ بذَلَ الحزب جهداً كبيراً من أجل تخليص البلاد من حالة الفساد السياسي والمالي، ومن حالة العزلة عن العالم العربي والإسلامي، حيث قدَّم في حينه العمق الاستراتيجي القائم على تصفير المشكلات بين بلاده والعالم الخارجي، ورغم استحالة تصفير المشكلات إلا أنه نجح إلى حدٍ ما في هذا الأمر.
تمكَّن "العدالة والتنمية" من التوفيق بين جدلية القومية العلمانية والهوية الإسلامية، فلم يُصادر التاريخ الكمالي العلمانية، ولم يخاصم الهوية الإسلامية ولم يُعلي من شأنها كثيراً في ضوء تغوُّل المؤسسة العسكرية والدولة العميقة.

أما فيما يتعلق بالتعامل مع الغرب؛ فقد استطاع تحسين علاقة بلاده بالغرب وكان أكثر كفاءة في إدارة ملف انضمام بلاده للاتحاد الأوروبي، وتصالح الحزب مع الأكراد الذين كانوا يعانون من اضطهاد وقمع القوميين والعلمانيين، فضلاً عن الاحتكام إلى معايير "كوبنهاجن" التي يعتمدها الأوروبيون شرطًا لدخول الاتحاد، فتصالحت تركيا مع اليونان، وشاركت في مشروع للأمم المتحدة لإعادة توحيد قبرص.
أما في جانب العلاقة مع الحاضنة الإسلامية؛ فقد تمكَّن الحزب من نسج علاقات استراتيجية مع السعودية ومصر وإيران وغيرها من دول العالم الإسلامي، كما دعم القضية الفلسطينية ودافع عنها في المحافل الدولية، لدرجة أن أردوغان أحرج الرئيس الصهيوني السابق "شمعون بيرز"، وشارك في اجتماعات لجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، هذا فضلاً عن إلغاء تأشيرات دخول الأراضي التركية لمواطني بعض الدول العربية مثل سوريا.
وعلى الصعيد الاقتصادي؛ تحوَّل الاقتصاد التركي بشهادة خبراء الاقتصاد العالميين، إلى أكبر اقتصاد في شرق المتوسط والشرق الأوسط وجنوب شرق أوروبا ومنطقة القوقاز، كما يشهد تقدماً ونمواً مستمراً، وذلك بعدما قام حزب العدالة والتنمية بثورة إصلاحات اقتصادية واسعة النطاق؛ فعملت حكومة العدالة والتنمية على تسديد الدّيون العامّة والخارجيّة للدّولة التركية عن طريق اتّباع أنظمة مالية ناجحة. وتمكَّنت من إعادة هيكليّة النّظام المالي في البلاد، ولم يعلن أيّ بنكٍ إفلاسه خلال فترة حكم العدالة والتنمية، كما اتّبع النموذج الإنمائي في مجال الصّادرات، وتمكَّن من خفض نسبة التضخّم في الأسواق، وتمكَّنت تركيا من صناعة أول طائرة استطلاع عسكرية في ظل أول حكومة مدنية.

وبسبب وقوف ألمانيا وفرنسا واليونان حائلاً دون تحسن العلاقات الأوروبية التركية؛ نسجت تركيا علاقات اقتصاديّة نحو القارة الأفريقية ودول القوقاز وروسيا وأوكرانيا ودول منطقة الشرق الأوسط. وزاد حجم الصّادرات التركية إلى دول الشرق الأوسط من 11 بالمئة في العام 2001 إلى 35 بالمئة في العام 2013. بينما كان حجم الصّادرات التركية إلى الاتحاد الأوروبي 60 بالمئة في تلك الفترة ثم تراجعت إلى 40 بالمئة، وازداد إلى 45% ومع حلول العام 2014م.
أصبح الاقتصاد التركي في المرتبة السّابعة عشر عالميّاً والسّادسة في القارّة الأوروبية، وبلغ متوسّط النمو الاقتصادي في تركيا ما بين أعوام 2002 - 2014 بلغ 5.1 بالمئة، في حين ارتفع النّاتج القومي الإجمالي من 230 مليار دولار في العام 2002، إلى 820 مليار دولار خلال العام 2013م، وارتفعت نسبة دخل الفرد الواحد من 3.300 دولار، إلى 10.800 دولار.

تجاوز حجم الاستثمارات الأجنبيّة (FDI) خلال السنوات الماضية ال13 فقط 150 مليار دولار، بينما بلغ خلال 78 عاماً في تركيا، 15 مليار دولار. ووصل عدد الشّركات الأجنبية التي تمّ إنشاؤها في تركيا خلال 12 سنة الأخيرة إلى 40 ألف شركة أجنبيّة، بينما وصل هذا الرّقم خلال 78 عاماً إلى 5 آلاف شركة. ولا داعي للخوض في مزيد من التفاصيل والإنجازات في المجالات الثقافية والتعليمية والعسكرية ...
أما حزب الشعب الجمهوري الذي تأسس عام 1923 على يد مصطفى كمال أتاتورك، كما يعرف داخل الأوساط التركية بالكمالي أو الديمقراطي الاجتماعي، فهو يشغل منصب المعارضة الرئيسية في الجمعية الوطنية الكبرى منذ مطلع عام 2002م، وحتى تاريخه.
حكم الحزب تركيا منذ تأسيسه وحتى عام 1950م، وهي فترة حكم الحزب الواحد، حيث كان يمثِّل القومية التركية المتشددة والرافضة للأعراق الأخرى كالعرب أو الأكراد أو الفرس، وكان يتحدث باسم المؤسسة العسكرية ويتربَّع على رأسه عددٌ من الجنرالات إلى أن خسر الانتخابات العامة التعددية الحزبية الثانية في عام 1950م، بعدما أقرت تركيا نظام تعدد الأحزاب. ثم انتقل للحكومة في حكومات وفاق وطني مع احزاب أخرى.

أشرف الحزب على عميات العسكريتارية وموجات القمع والاضطهاد التي مرَّت فيها تركيا حتى عام 1973 عندما تحول الحكم من العسكري إلى المدني وإن كان شكلياً.
كان الحزب إلى وقتٍ قريبٍ يتغنَّى بإنجازاته في الماضي كما الحال بالنسبة للأحزاب العربية، حيث يذكر أعضاؤه على الدوام دوره ودور مؤسسه في بناء تركيا الحديثة والعلمانية، ولكن وعلى ضوء فشل خطابهم؛ قام الحزب بتعديل دعايته الانتخابية، فوضع الماضي والشعارات الايديولوجية والقومية جانباً وأخذ في مناقشة قضايا سياسية واقتصادية وتكنولوجية.
ويعارض حزب الشعب الجمهوري خطط وتطلعات العدالة والتنمية في التوجه نحو نظام رئاسي تنفيذي، ويطالب بالحد من تأثير الرئيس على القضاء وعلى الجهاز التنفيذي في البلاد، كما يطالب بالاعتراف الرسمي ببيوت العبادة والتجمع العلوية أو ما يسميه العلويون في تركيا "جموي"، ويرى أن يتم دفع التأمين العائلي والضمان الاجتماعي في القطاعات الأشد فقرًا في البلاد للمرأة بشكل مباشر؛ حتى تتعزز مكانتها المالية، وأن يكون هناك تمييز إيجابي لصالح المرأة في التعيينات القضائية، وصناديق دعم الأعمال الصغيرة، والمعاشات التقاعدية.

وأخيراً؛ يبقى الحكم والقرار النهائي للمواطن التركي الذي سيمارس حقه في الانتخاب أو الاقصاء عبر صناديق الاقتراع، ولكن لا يفوت التنويه إلى أن استطلاعات الرأي تشير إلى فوز العدالة والتنمية ب50 % تقريباً من مقاعد البرلمان التركي البالغة 550 مقعداً، وهذا يعني أن المواطن التركي على مقدرة عالية للمفاضلة بين الأحزاب والبرامج الانتخابية والممارسة على أرض الواقع.

-------------------------------------------
*{م:البيان}
ــــــــــ