المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إعادة زمن الانقلابات في تركيا


عبدالناصر محمود
06-10-2015, 09:25 AM
الكيان الموازي ومحاولات إعادة زمن الانقلابات في تركيا
ـــــــــــــــــــــــــــ

(إياد جبر)
ـــــ


23 / 8 / 1436 هــ
10 / 6 / 2015 م
ــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/809062015105617.png



تعود أزمة الكيان الموازي إلى 17 ديسمبر 2013، ذلك التاريخ الذي هز أركان حكومة "أردوغان"، حين استغلت مجموعة من القضاة ورجال الأمن نفوذهم لتشويه قيادات حزب العدالة والتنمية، من خلال استدعاء بعض الوزراء ونجل رئيس الوزراء بداعي تورطهم في ملفات فساد طال الحديث عنها في الإعلام التركي آنذاك، لكن تصرف هؤلاء المتنفذين المخالف لأحكام القانون، وتعامل رئيس الوزراء مع عملية الانقلاب التي تبين أن جماعة "كولن" كانت خلفها، مكن الدولة التركية من تفادي أزمة كانت محدقة بالنظام السياسي ربما كانت ستعيده إلى حالة الفوضى التي عرفتها تركيا في النصف الثاني من القرن العشرين.
لم يكن رد رئيس الحكومة حاسماً على الرغم من توقيف العشرات من القضاة ورجال الأمن المتورطين في تلك الأزمة، كما أن فصل هذه المسألة عن أحداث "غزي بارك" التي شهدتها تركيا في مايو من نفس العام لم يعد مقنعاً، لأن تلك الأحداث كانت قد خلقت حالة من الفوضى وكان لها تأثيرها المباشر على الاقتصاد التركي، وهو ما علق عليه "أردوغان" خلال قمة أسواق الطاقة في 20 يناير 2015، مؤكداً أن خلق حالة الفوضى في البلاد كان الهدف منه إبعاد تركيا عن مسارها، عبر عملاء في الداخل يتم توجيههم من الخارج، في إشارة إلى "فتح الله كولن" مؤسس جماعة الخدمة.
ولعل فشل محاولتي إحداث الفوضى في "ميدان تقسيم" وفضيحة الرشاوى، وعدم قدرة النظام على ملاحقة أتباع الكيان الموازي، لأسباب لها علاقة بقوة القانون التركي، وطبيعة النظام الديمقراطي، دفع رجالات الكيان الموازي إلى الذهاب بعيداً نحو استخدام مناصبهم للتنصت على شخصيات سياسية أبرزها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث أشارت صحيفة تركيا بوست في 21 يناير 2015 إلى أن التحقيقات كشفت عن عملية التنصت على الرئيس التركي التي حدثت 55 مرة و"داوود أوغلو 26 مره، بالإضافة إلى قيادات عسكرية وأمنية وبعض الإعلاميين والكتاب.
ووفقاً للتحقيقات الجارية الآن حول هذه القضية فإن عمليات التنصت التي تمت بشكل غير قانوني، كانت قد بدأت منذ العام 2009 حتى 2013، من قبل مديرية شعبة الاستخبارات بـ أنقره، وهو ما دفع النيابة إلى توجيه اتهاماتها إلى 54 مشتبها تربطهم علاقات مباشرة بالتنظيم الموازي.
بدورها علقت صحيفة "صباح" التركية على أن عمليات التنصت التي يقوم بها الكيان الموازي، كانت تنتهي إلى بنسلفانيا مكان إقامة قائد جماعة الخدمة "فتح الله كولن"، وفي سياق آخر وفي إطار محاولاتها المستمرة لتشويه صورة أردوغان في الداخل التركي وفي الخارج، حاول إعلام الكيان الموازي خلق أزمة سياسية للحكومة التركية عبر نشر أخبار تتعلق بشاحنات الإغاثة التي ترسلها الحكومة التركية إلى سوريا، وتناولت الصحف التركية المحسوبة على تلك الجماعة هذا الموضوع بشيء لافت حين اتهمت النظام التركي بتصدير الإرهاب، وادعت إن تلك الشاحنات تحمل أسلحة للمعارضة السورية، وهو ما نفته الحكومة جملاً وتفصيلاً.
لم ينحصر الصراع بين الكيان الموازي والحكومة التركية ومؤسسات الدولة المختلفة، على مستوى الداخل التركي، بل أصبح مادة إعلامية دسمة للإعلام الغربي، فقد وصفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية الرئيس أردوغان "بالمنحرف أو الخارج عن الطريق، في حين تحدثت نفس الصحيفة عن "فتح الله كولن" بأنه واعظ ديني ذو كاريزما مؤثرة.
هذه المعطيات والكثير من الأدلة الدامغة التي كشفت عنها التحقيقات الأمنية حول أنشطة الكيان الموازي، وما حملته في طياتها من تفاصيل لا حصر لها، والتي يصعب استعراضها أو الحديث عنها بشيء من التفصيل، ما تزال بحاجة إلى وضعها في سياقها الصحيح، من أجل الوصول إلى الأهداف الذي يسعى الكيان الموازي إلى تحقيقها.
لكن على ضوء المعلومات الذي يتحدث عنها الإعلام التركي، وما ينشر من تصريحات للكثير من الساسة، يمكن الوقوف عنده للتعرف على مجموعة من الأهداف ربما كان الكيان الموازي يسعى لتحقيقها، أبرزها:
* إن ذلك الكيان كان يتصرف كدولة داخل الدولة من خلال تغلغل عناصرها داخل أجهزة الدولة المختلفة، في محاولة منه ليحل محل الدولة العميقة بعد تصفية شبكة "أرغينيكون" الإجرامية، فإذا كانت الدولة العميقة قد أحكمت سيطرتها على مؤسسة الجيش والشرطة قبل إحلال الديمقراطية في تركيا، فإن الكيان الموازي ركز على القضاء أولاً، ثم الأجهزة الأمنية، فقد وصل الأمر إلى أن فقد الجهاز القضائي في تركيا ثقة الشعب، بعد تورط عشرات القضاة في الأزمات التي ألمت بحكومة العدالة والتنمية خلال الأشهر القليلة الماضية، كما أن إشراف القضاة على الانتخابات البرلمانية الأخيرة كان حديث الرأي العام التركي بعد فقدانهم الثقة في الجهاز القضائي.
* بالرغم من وقوف جماعة "كولن" خارج أي منافسة سياسية، إلا أنها غارقة في السياسة من رأسها حتى أخمص قدميها، فامتلاك تلك الجماعة للوسائل الإعلامية المختلفة، وحصولها على الدعم الإعلامي الكافي من المعارضة، جعل منها منافس سياسي للحزب الحاكم، كما أن المعلومات التي أشارت إليها صحيفة "ستار" التركية حول مساعي "إدريس نعيم شاهين" للحصول على ترخيص لحزب سياسي، يؤكد على انخراط الجماعة في العمل السياسي بشكل واضح، خاصة وإن هذا الشخص معروف بتبعيته للكيان الموازي.
* بالرغم من محاولات إعلام جماعة الخدمة "الكيان الموازي" لإظهار صراعها مع الحزب الحاكم، والتظاهر بالظلم أمام الرأي العام التركي، إلا أن الاستطلاعات التي أجريت مؤخراً حول تعامل أجهزة الدولة معها، كشفت عن حالة من الرضا لدى الرأي العام، وقد ظهرت هذه النتائج بشكل جلي في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة، المحلية والرئاسية وحتى البرلمانية، لأن الرأي العام التركي بات يدرك تماماً طبيعة التمويل الخارجي للجماعة ودورها المشبوه في إعادة تركيا إلى زمن الانقلابات.
* قدرة جماعة "كولن" على نيل رضا الغرب وعدم تصنيف الغرب لجماعته كجماعة متشددة وفقاً للمعايير الغربية المعروفة، ومستوى الدعم الإعلامي الغربي لزعيم تلك الجماعة، ربما يأتي في سياق الصراع الغربي مع العالم الإسلامي، والإنجازات التي حققتها تركيا على هذا الصعيد، وهو ما أكد عليه الرئيس التركي في 10 فبراير الماضي، لصحيفة تركيا بوست، متحدثاً عن حجم الإضرار التي سببها الكيان الموازي لتركيا عبر علاقاته التي وصفها بالقذرة، ومحاولات الكيان الإساءة لسمعة تركيا في المجتمع الدولي، مشيرا إلى أن تنظيم "بي كا كا" الكردي، لم يضر بتركيا مثلما ضرها التنظيم الموازي، كما شبه تلك الجماعة بالجماعات التبشيرية الأمريكية المتطرفة، ولفت الأنظار إلى الأعمال التي قامت بها الجماعة منذ اتخاذ رئيسها "فتح الله كولن" أمريكا ملجأ له عام 1999.
ولعل فشل الإدارة الأمريكية في الضغط على السياسة الخارجية التركية وتحجيمها في الشرق الأوسط، قد يدفعها لاستغلال حلفاءها في الداخل التركي للإطاحة بأي حكومة تركية مختلفة معها، وهو أسلوب غربي معروف للضغط على الخصوم وترويضهم.

------------------------------------------