المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إعارة الكتب


عبدالناصر محمود
06-11-2015, 06:56 AM
إعارة الكتب
ـــــ

(عبدالعال بن سعد الرشيدي)
ـــــــــــــ

24 / 8 / 1436 هـ
11 / 6 / 2015 م
ــــــــــ

https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcS9qbtCRv9m8aNa3e1A47CFp0OsOOzW1 kuqRzahDFoIo1DCZTHA

إعارة الكتب

• فليحذر المُعارُ له من التطويل بالعارية، والإبطاء به عليه إلا بقدر الحاجة.
قال الزهري: إياك وغلولَ الكتب! قيل: وما غلول الكتب؟ قال: حبسُها[1].

• وعن الفضيل بن عياض قال: ليس من فِعال أهل الورع، ولا من فعال الحكماء أن تأخذ سماعَ رجل أو كتابه فتحبسه عليه، فمَن فعل ذلك فقد ظلم نفسه![2]

• قال محمد بن مزاحم: (أول بركة العلم إعارةُ الكتب).[3]

• قال وكيع: أول بركة الحديث إعارة الكتب.[4]

• قال ابن الجوزي: ينبغي لمن ملك كتابًا ألا يبخلَ بإعارته لمن هو أهلُه.[5]

• قال بدر الدين أبو عبدالله بن جماعة: يُستحب إعارة الكتب لمن لا ضرر عليه فيها ممن لا ضرر منه بها، وكره قوم عاريتَها، والأول أولى؛ لما فيه من الإعانة على العلم مع ما في مطلق العارية من الفضل والأجر، قال رجل لأبي العتاهية: أَعرْني كتابَك، فقال: إني أكره ذلك، فقال: أَمَا علمتَ أن المكارم موصولةٌ بالمكاره؟ فأعارَه.

وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك، ويجزيه خيرًا، ولا يطيل مقامَه عنده من غير حاجة، بل يردُّه إذا قضى حاجته، ولا يحبسه إذا طلبه المالك، أو استغنى عنه، ولا يجوز أن يصلحه بغير إذن صاحبه، ولا يحشِّيه ولا يكتب شيئًا في بياض فواتحه أو خواتمه، إلا إذا علم رضا صاحبه.[6]

الناس في إعارة الكتب على قسمين: باذل، ومانع:
1- الباذلون:
• الحافظ الإمام القدوة مفيد بغداد أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدالباقي بن منصور البغدادي الدقاق المعروف بابن الخاضبة:
قال ابن سكرة: كان محبوبًا إلى الناس كلِّهم، فاضلاً حَسَن الذكر، ما رأيت مثلَه على طريقته، وكان لا يأتيه مستعيرٌ كتابًا إلا أعطاه أو دلَّه عليه.[7]

• الحسين بن محمد بن عبدالله الطيبي:
الإمام المشهور صاحب شرح المشكاة المتوفَّى سنة (743هـ) كان ذا ثروة من الإرث والتجارة، فلم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرًا، وكان كريمًا متواضعًا، حسنَ المعتقد، شديدَ الحب لله ورسوله، كثيرَ الحياء، ملازمًا للجماعة ليلاً ونهارًا، شتاء وصيفًا، ملازمًا لأشغال الطلبة في العلوم الإسلامية بغير طمع، بل يُحذِيهم ويعينهم، ويعير الكتب النفيسة لأهل بلده وغيرهم من أهل البلدان، من يعرفُ ومن لا يعرف.[8]

• محمد بن الحسين بن عبدالرحمن الأنصاري:
الشيخ الفقيه الصالح الورع الزاهد أبو الطاهر المحلي، خطيب جامع مصر العتيق، وهو جامع عمرو بن العاص رضي الله عنه.

حكى أن كتبه كانت كثيرة، وأنه كان يُعيرها لمن يعرف ولمن لا يعرف، سافر بها المستعيرُ أم لم يسافر بها، وكان يقول: ما أعرتُ كتابًا إلا ظننت أنه لا يرجع إليَّ، فإذا عاد عددتُ ذلك نعمة جديدة.[9]

• سليمان بن يوسف بن مفلح الياسوفي الشافعي:
كان ذكيًّا، فقيهَ النفس، كثير المروءة، محبوبًا للناس، معينًا للطلبة - خصوصًا أهلَ الحديث - على مقاصدهم بجاهه، وكتبه، وماله، وكان سهلَ العارية للكتب، كثير الإطعام للناس.[10]

• أحمد بن محمد بن أبي الخليل الأموي مولاهم يُعرف بالعشاب:
من أهل إشبيلية، قال لسان الدين بن الخطيب: كان نسيجَ وحدِه، وفريدَ دهره، إمامًا في الحديث، حافظًا، ناقدًا، ذاكرًا تواريخَ المُحدِّثين وأنسابهم، وموالدهم ووفاتهم، وتعديلهم وتجريحهم، كان زاهدًا في الدنيا، مؤثرًا بما في يديه منها، موسعًا عليه في معيشته، كثيرَ الكتب، جمَّاعًا لها في كل فن من فنون العلم، سَمْحًا لطلبة العلم، ربما وهب منها لملتمسه الأصلَ النفيس، الذي يعزُّ وجودُه؛ احتسابًا وإعانة على التعليم.[11]

• القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي الدمشقي:
كان وافرَ العقل، كتب بخطه المليح الصحيح كثيرًا جدًّا، وحصَّل كتبًا جيدة في أربع خزائن، وكان رأسًا في صدق اللهجة والأمانة، صاحبَ سنة واتباع ولزومٍ للفرائض، خيِّرًا ديِّنًا، متواضعًا، فصيحَ القراءة، وكان حليمًا، صبورًا، متودِّدًا، ويلاطف الناس، وله ودٌّ في القلوب وحبٌّ في الصدور، وكان باذلاً لكتبه وأجزائه، سَمْحًا في أموره.[12]

• عبدالوهاب بن جعفر الميداني الدمشقي:
كان لا يبخل بإعارة شيء من كتبه إلا بكتاب واحد، كان لا يسمح به، فاحترقت كتبه كلها، فاستحدث نسخًا من الكتب التي نُسخت من كتبه سوى ذلك المضنون به، فلم يَجِدْ له نسخة.[13]

• القاضي أبو الوليد الكناني:
قال عنه تلميذه سفيان بن العاصي الأسدي: فيما يغلب على ظني أنه كان إذا أعار كتابًا لأحد إنما يتركه عنده بعدد ورقاته أيامًا، ثم لا يسامحه بعد، ويقول هذه الغاية إن كنت أخذتَه للدرس والقراءة، فلن يغلب أحدًا حفظُ ورقة في كل يوم، وإن أردته للنسخ فكذلك، وإن لم يكن هذا ولا هذا، فأنا أحوط بكتابي، وأولى برفعه منك.[14]

• محمد بن محمود بن أبي بكر الوطري التنبكتي المالكي، عرف بيغبغ:
قال تلميذه العلامة أحمد بابا في كتاب "كفاية المحتاج، لمعرفة ما ليس في الديباج": كان يبذل نفائس الكتب العزيزة الغريبة للناس، ولا يفتش بعد ذلك عنها كائنًا ما كان من جميع الفنون؛ فضاع له بذلك جملةٌ من كتبه، نفعه الله تعالى بذلك، وربما يأتي لبابه طالبٌ يطلب كتابًا، فيعطيه له من غير معرفة، فكان العجب العجاب في ذلك؛ إيثارًا لوجهه تعالى، مع محبته للكتب وتحصيلها شراءً ونَسْخًا، وقد جئته يومًا أطلب منه شيئًا من كتب النحو، ففتش في خزانته فأعطاني كلَّ ما ظفر به.[15]

• جعفر بن محمد بن حَمْدان الموصلي أبو القاسم الفقيه الشافعي:
قال الحموي: حسن التأليف، عجيب التصنيف، شاعر، أديب فاضل، ناقد للشعر، كثير الرواية، له عدة كتب في الفقه على مذهب الشافعي.

وكانت له ببلده دارُ علم قد جعل فيها خزانة كتبٍ من جميع العلوم، وقفًا على كل طالب للعلم، لا يُمنَع أحدٌ من دخولها إذا جاءها غريبٌ يطلب الأدب، وإن كان معسرًا أعطاه وَرَقًا ووَرِقًا، تفتح في كلِّ يوم، ويجلس فيها إذا عاد من ركوبه، ويجتمع إليه الناس فيملي عليهم من شعره وشعر غيره ومصنفاته.[16]

• محمد بن داود بن ياقوت الصارمي ناصر الدين أبو عبدالله:
كان رجلاً صالحًا، فاضلاً، عالمًا، مفيدًا لطلبة الحديث، باذلاً كتبَه وخطَّه للمشتغلين، سمع كثيرًا، وكتب مجلداتٍ وأجزاء كثيرةً، وطبقات السماع التي بخطه من أحسن الطباق وأنورها وأصحِّها.[17]

• الحاج حسين بن عمر بن حسين العيتاني بهيم الشافعي:
ينتمي الحاج حسين إلى عائلة جمعت الكرمَ، والوَجاهة، والثروة، وحبَّ الأعمال الخيرية، وكان منذ حداثته كلفًا بتحصيل المعارف والاجتماع بأهل الأدب والفضل، فقرأ على جَهابذة زمانه، فبرع في فنون الإنشاء على اختلافها، ثم نظم الشعر، فصارت له به مَلَكة راسخة بحيث كان يقوله ارتجالاً.

وكان حريصًا على اقتناء الكتب النادرة حتى جمع مكتبة عظيمة، وهو لا يمنع طالبًا من إعارة ما يريده منها، بحيث كان الكتاب يبقى لدى المستعير أعوامًا - وربما تناساه - واشتهر بالصلاح، ومناصرة العلماء، وإغاثة المحتاجين من أي مذهب كانوا.[18]

2- المانعون:
كم من كتاب شريفٍ ضاع عاريةً = فصرت مِن بعده في الناس حيرانَا

• وقال آخر:
ألاَ يا مستعير الكتْب دعْني
فإن إعارتي للكتْب عارُ
ومحبوبي من الدنيا كتابٌ
وهل أبصرتَ محبوبًا يُعارُ

• ومنهم مَن يجعل أبياتًا في رقعة، فإذا جاء من يطلب الإعارة دفع إليه الرقعة، وهو فعل بعض أهل الأدب، فإذا قرأها مضى، وهي:
ألا أيها المستعير الكتابَ
ألا ارجعْ بغير الذي تطلبُ
فلمسُ السماءِ وأخذ النجومِ
بكفِّك من أخذه أقربُ
فدُمْ ما بقيتَ على اليأس منه
فليس يعار ولا يوهبُ
ومن كان يغضب إن لم يُعَرْ
فقل من قريب له يغضبُ
إذا أنا كتْبي أعرتُ الصديق
ثلاثةُ أرباعها يذهبُ
فما كل يوم أنا واجدٌ
كتابًا ولا كاتبًا يَكتبُ

• قال مسافر بن محمد البلخي:
أجود بجل مالي لا أبالي
وأبخل عند مسألة الكتابِ
وذلك أنني أفنيتُ فيه
عزيز العمر أيام الشبابِ

• عبدالرحمن بن محمد بن أصبغ بن فطيس:
قاضي الجماعة بقرطبة، يكني أبا المطرف، كان لا يعير كتابًا من أصوله ألبتة، وكان إذا سأله أحد ذلك وأحلف عليه أعطاه للناسخ فنسخه وقابله، ودفعه إلى المستعير، فإن صرفه وإلا تركه عنده.[19]

• إبراهيم بن أحمد بن الغرس الشافعي:
كان عنده من الكتب والأجزاء وتصانيف شيخه ما لم ينتفع به، بل وعطل على غيره الانتفاع بها لعدم سماحه بعاريتها، حسبما استفيض عنه، حتى نقل عنه أنه كان يقول: إذا عاينتُ الموت ألقيتها في البحر، وبعد موته تفرَّق الناس كتبه بأبخس ثمن.[20]

• قال بعض الشعراء:
إني حلَفت بربِّ البيت والحرم
هل فوقها حلفة ترجى لذي قَسَمِ
ألا أعير كتابًا فيه لي أربٌ
إلا أخا ثقةٍ عندي وذا كرمِ

• كان أحدهم يقول، ويكتب على كتابه:
كم من كتاب سهرت في طلبهْ
وكنت من أبخل الخلائق بهْ
حتى إذا مت وانقضى أجلي
صار لغيري وعُدَّ من كتبهْ

لا تعيرنَّ كتابًا
واجعل العذر جوابَا
مَن أعارنَّ كتابًا
فلعمري ما أصابَا

• محمد بن علي بن محمد المؤدب ويعرف بابن سكر:
قال عنه السخاوي رحمه الله: وكان لا يسمح بعارية كتاب ولا بمطالعته.[21]

طرائف ولطائف:
----------

• ومن أطرف ما يُحكى في الإعارة أن أبا بكر عتيق بن أحمد بن ميسرة الفرغليطي استعار من أبي العباس بن بقي (مشرف أشبيلية) كتابًا، وجال في خاطره ليلة أن يذمَّ الرجل، فسوَّر ذلك في ورقة، فكان من ذلك: والعجب من هذا المشرف المسرف الخائن الحائن، أنه يدعي الانتهاض في شغل السلطان والأمانة، ومرتبه في الشهر عشرون دينارًا، ولقد أعطاني مرة ثلاثين دينارًا، فمن أين تلك العشرة؟ وما أنفق في ذلك الشهر؟ ثم أخذ في ذمِّه، وذكر وخيمَ منشئه، وكيف تدرج إلى أن ولي الأعمال، وداس رقاب الرجال، ثم نسي وجعل تلك الورقة بين ورق الكتاب المستعار، وردَّه إلى أبي العباس فوجدها وقرأ ما فيها، وكاد يخرج من عقله من شدة الحنق، ثم استدعاه، وأوقفه عليها وأنبه، فقال له غير مكترث: هذه عادة أهل الأدب، فأمَرَ غِلمانه فصفعوه، وقال: يا فقيه، وهذه عادة خُدَّام السلطان، والأيمان تلزمني لا خرجت من الثفاف (الحبس) حتى لا يبقى عليك مما أعطيتُك درهم واحد، فما خرج من حبسه حتى قبض منه ثلاثين دينارًا.[22]

• محمد بن أحمد بن علي تقي الدين أبو الطيب المكي الحسني الفاسي:

مؤرخ، عالم بالأصول، حافظ للحديث، أصله من فاس، ومولده ووفاته بمكة، ولي قضاء المالكية بمكة مدة، وكان أعشى يُملي تصانيفه على مَن يكتب له، ثم عمي سنة (828هـ)، قال المقريزي: كان بحرَ علم لم يخلف بالحجاز بعدُ مثله.

اشترط في وقف كتبه ألا تُعار لمَكيٍّ، فسُرِق أكثرُها وضاع [23].

• قال ابن الداية: حدثني أحمد بن وليد، قال:

ودَّعْتُ إسحاق بن نصير العبادي في بعض خرجاتي إلى بغداد، فأخرج إليَّ ثلاثةَ آلاف دينار، وقال: إذا دخلتَ بغداد، فادفع ألفَ دينار إلى ثعلب، وألف دينار إلى المُبرِّد، وصر إلى قصر وضَّاح فانظر إلى أول دكَّان للورَّاقين، فإنك تجد صاحبَها - إن كان حيًّا لم يَمُتْ - قد شاخ، فاجلس إليه، وقل له: إسحاق بن نصير يقرأ عليك السلام، وهو الغلام الذي كان يقصدُك كلَّ عشية راجلاً من دار الروميِّين، بدراعة وعمامة ونعل رقيقة، فيستعير منك الكتاب بعد الكتاب، فإذا اقتضيتَه كراء ما نسخ منه قال: (اصبر عليَّ إلى الصُّنْع)[24]، فإذا استقرت معرفتي في نفسه، دفعتَ إليه هذه الألف الدينار، وقلت له: (هذه ثمرة صبرك عليَّ).

قال لي أحمد بن وليد: فلما دخلت بغدادَ، ودفعت الألفَيْ دينار إلى ثعلب والمبرد، مضيتُ إلى قصر وضَّاح، فألفيتُ الدكان التي وصَف لي قفرًا ليس فيه كتابٌ، ورأيت فيها الشيخ الذي وصفه لي في حال رَثَّة، وثياب خلقة، وقد أفضى به الأمر إلى التوريق للناس، فجلست إليه، وسألته عن حاله، فقال: يا أخي، ما ظنك بحال ما تتأمله فيَّ أحسن ما فيها؟ ثم خرجنا إلى المسألة إلى أشياء كان فيها خبر إسحاق بن نصير، فقال: قد كان يجيئني من دار الروميين غلام - ووصفه - فأسمَحُ له بالنسخة بعد النسخة يقال له: "إسحاق" وكان يَعدُني في كل شيء يأخذه إلى الصنع، وأخبرت أنه وقع بنواحي مصر، وما حصل لي منه شيء! فأخرجت الألف الدينار، وقلت له: يقول لك: هذه ثمرةُ صبرك، فكاد والله يموت فرحًا!

فقلت له: ليست دراهم وهي دنانير، وانصرفت عنه وهو أحسن مَن في سوقه حالاً، قال لي أحمد بن وليد: واجتزت بعد ذلك، فرأيت دكانَه معمورة، وهو متصدِّرٌ فيها على أحسن حال وأوفاها.[25]

• استعار رجل من أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الأسفرائيني الفقيه كتابًا، فرآه أبو حامد يومًا وقد أخذ عليه عنبًا، ثم إن الرجل سأله بعد ذلك أن يعيره كتابًا، فقال: تأتيني إلى المنزل، فأتاه فأخرج الكتاب إليه في طبق وناوله إياه، فاستنكر الرجل ذلك، وقال: ما هذا؟! فقال له أبو حامد: هذا الكتاب الذي طلبتَه، وهذا طبق تَضَعُ عليه ما تأكله! فعلم بذلك ما كان من ذنبه [26].

• الحافظ ابن حجر العسقلاني:

قال عنه تلميذه السخاوي: وأما عاريتُه للكتب فأمرٌ انفرد به عن سائر أهل مصره، حتى لا أعلم نظيره في ذلك، بل كان يعيرها لمن يسافرُ بها.

وقال: وقد ضاع له بسبب ذلك شيءٌ كثير جدًّا، بحيث أخبرني في سنة إحدى وخمسين - أي: وثمانمائة - أنه فقد من كتبه ما ينيف على مائة وخمسين مجلدة، وربما بيعت في السوق ويشتريها، ورأينا بعد نحو عشرين سنة من وفاته شيئًا من نفائس كتبه التي كنت أتلهَّف على الوقوف عليها عند بعض مَن استعارها، فاستمرت عنده حتى بِيعَتْ في تَرِكته.[27]

• العلامة الكبير أحمد تيمور باشا:

كان يجودُ بمخطوطاته على كل سائل، حيث استعار منه أحدهم النسخة الخطية من كتاب (الضوء اللامع) للسخاوي (قبل طبعه) ثم أبى أن يردَّها إليه إباء تامًّا، فإذا ما احتاج إليها يذهب إلى المستعير، فراجعها عنده كأن لم يكن ربَّها الأحقَّ بها![28]

• قال الخطيب البغدادي رحمه الله: وكان بعض أهل العلم يكتب على ظهور كتبه التي يعيرها: يا رب، مَن حفظ كتابي فاحفظه، ومن أضاعه فلا تحفظه.[29]

• ذكر ابن عساكر رحمه الله أن محمد بن عبدالله الصفار الأصبهاني كان يدعو في مسجده وهو رافعٌ باطنَ كفَّيْه إلى السماء، وهو يقول: "يا رب، إنك تعلم أن أبا العباس المصري ظلمني، وخانني، وحبس عني أكثرَ من خمسمائة جزء من أصولي؛ اللهم فلا تنفعه بتلك وبسائر ما جمعه من الحديث، ولا تبارك له فيه!" وكان أبو عبدالله مجابَ الدعوة.[30]

المرجع: (الشذرات في أخبار الكتب والكتاب والمكتبات).
عبدالعال سعد الرشيدي - الكويت

----------------------------
[1]السير (5/ 345).
[2]التاريخ الكبير المعروف بتاريخ ابن أبي خيثمة (176رقم 378) ط غراس.
[3]تهذيب تاريخ دمشق؛ لابن بدران (5/ 176).
[4]الآداب الشرعية (2/ 168).
[5]الآداب الشرعية (2/ 168).
[6]تذكرة السامع (168).
[7]تذكرة الحفاظ (4/ 1224رقم 1044).
[8]الدرر الكامنة (2/ 68رقم 1613).
[9]طبقات الشافعية الكبرى (8/ 55رقم 1072).
[10]الدرر الكامنة (2/ 166رقم 1869).
[11]الإحاطة في أخبار غرناطة (1/ 83).
[12]الدرر الكامنة (3/ 237رقم 609).
[13]لسان الميزان (4/ 86 رقم 159).
[14]الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع؛ للقاضي عياض (225) الكتاب في الحضارة الإسلامية (103).
[15]خلاصة الأثر للمحبي (4 /208رقم 1065)، المسارعة إلى قيد أوابد المطالعة (49).
[16]معجم الأدباء (2 /391 رقم 287).
[17]الوافي بالوفَيَات (3/ 52 رقم 959).
[18]خزائن الكتب العربية في الخافقين (1 /263)، تاريخ الصحافة العربية (1 /117) معجم المطبوعات العربية والمعربة (1 /621).
[19]كتاب الصلة؛ لابن بشكوال (1 /310 رقم 683).
[20]الضوء اللامع (1 /13)
[21]الضوء اللامع (9 /19رقم 55).
[22]اختصار القدح المعلَّى لابن سعيد (173)، تاريخ المكتبات في الأندلس (122).
[23]الأعلام؛ للزركلي (5/ 331).
[24]الصُّنْع: الفرج وتيسر أسباب الرزق.
[25]المكافأة وحسن العقبى (16رقم 7).
[26]تقييد العلم (149).
[27]الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر؛ للسخاوي (3 /118، 120) ط دار ابن حزم.
[28]النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين؛ د.محمد رجب البيومي (2 /9)، وقال عنه محمد كرد علي - رحمه الله -: كتب إليَّ مرة (29 جمادى الثانية 1342هـ) يقول: نقلت لك ترجمة الصدر الآمِدي من مخطوطين نادرين، ولا يبعد أن يكون السخاوي ترجَمَه أيضًا في (الضوء)، ولست على يقين من ذلك؛ لأن نسختي استعارها أحد الأصحاب من ثلاث سنوات، ولم تزل عنده ولا يريد ردَّها، وكلما احتجت إلى الكشف عن ترجمة أذهَبُ إلى عنده وأكشف عنها؛ (حياة العلامة أحمد تيمور باشا، ذكريات شخصية) بقلم محمد كرد علي (ص: 26) جمعها واعتنى بها الشيخ محمد بن ناصر العجمي.
[29]تقييد العلم (148).
[30]تاريخ دمشق (5 /437).

---------------------------

عبدالناصر محمود
06-11-2015, 07:03 AM
من كان له كتاب يلازمه سفرا وحضرا ولا يفارقه
ــــــــــــــــــــــــ

(عبدالعال بن سعد الرشيدي)
ـــــــــــــ

24 / 8 / 1436 هــ
11 / 6 / 2015 م
ــــــــــ

http://www.alkutubiyeen.net/image.php?object_type=product&image_id=506http://


من كان له كتاب يلازمه سفرًا وحضرًا ولا يفارقه

القاضي أحمد بن يزيد بن بقي الأموي:

من أهل قرطبة، سمع منه الناس، وتنافسوا في الأخذ عنه، وكان أهلاً لذلك، ألَّف كتابًا في الآيات المتشابهات، قيل: إنه من أحسن ما أُلِّف في بابه، وكان لا يفارقه في سفر، ولا في حضر[1].

الملك شرف الدين عيسى بن أيوب صاحب دمشق:

كان قد أمر الفقهاء أن يجردوا له مذهبَ أبي حنيفة دون صاحبَيْه، فجردوا له المذهب في عشرة مجلدات، وسمَّاه: التذكرة، فكان لا يفارقُه سفرًا ولا حضرًا، ويديم مطالعته، وذكر أنه كتب على كل مجلد فيه: أنهاه حفظًا عيسى[2].

♦ عضد الدولة فناخسرو بن حسن بن بويه الديلمي:

قال أبو القاسم عبدالعزيز بن يوسف كاتبُ عضد الدولة: لم يكن كتابُ الأغاني يفارق عضد الدولة في سفره ولا حضره، وإنه كان جليسه الذي يَأْنَسُ إليه، وخدينه الذي يرتاح نحوه[3].

♦ الإمام الفقيه محمد بن عبدالرحمن بن محمد السرخسي الدغولي:
ذكر الذهبي عنه أنه قال: أربعة مجلدات لا تفارقني سفرًا ولا حضرًا: كتاب المزني، وكتاب العين، والتاريخ للبخاري، وكليلة ودمنة [4].

♦ عبدالملك بن سراج بن عبدالله بن محمد بن سراج أبو مروان النحوي:
إمام أهل قرطبة، أديب فاضل، شاعر، عالم باللغة، وهو من ذرية سراج بن قرة الكلابي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال في الريحانة: برع في علم اللسان، وارتقى ذروتَه، واعتلى درجتَه، عكف على كتاب سيبويه ثمانية عشر عامًا لا يعرف سواه[5].

• محمد بن عبدالله بن مانع:

قال عنه البسَّام رحمه الله: ولد المترجم في بلدة أشيقر في حدود عام (1210هـ)، ونشأ نشأةً حسنةً في الديانة، وال*****، والنزاهة، والعفاف؛ فحفظ القرآن عن ظهر قلب في صغره، وشرع في طلب العلم، وكانت أشيقر آهلة بالفقهاء والعلماء، فلازم دروسهم حتى أدرك، كان مولعًا بكتب ابن تيمية وابن القيم، وكانت نونية ابن القيم لا تفارقه، فهي معه في ذهابه وإيابه، وكان مداومًا على قراءتها، وهو حافظ لها، وله معرفة جيدة بمعانيها[6].

• الدكتور المحقق الأديب عبدالرحمن بن سليمان العثيمين:

سمعتُه يقول في مقابلة له: إن كتاب الحماسة لأبي تمام دائمًا لا يفارقني سفرًا ولا حضرًا؛ ولذلك اهتممتُ جدًّا جدًّا بتتبع شرَّاح الحماسة، ولم أدعْ شرحًا للحماسة إلا واطلعت عليه سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، مطبوعًا أو مخطوطًا، وأغلبها كان مخطوطًا ولم يطبع منها إلا القليل[7].

المرجع:
• (الشذرات في أخبار الكتب والكتاب والمكتبات) .. شبكة الألوكة
-----------------------------------

[1] تاريخ قضاة الأندلس لأبي الحسن بن عبدالله النباهي (151).
[2] نهاية الأرب في فنون الأدب (29 /146سنة 624هـ)، كشف الظنون لحاجي خليفة (1 /393).
[3] معجم الأدباء (4 /52)، سير أعلام النبلاء (16/ 249 رقم 175).
[4] تذكرة الحفاظ (3 /824 رقم: 807).
[5] بغية الوعاة (2 /94، رقم: 1567).
[6] علماء نجد خلال ثمانية قرون (6 /215 رقم 747).
[7] مقابلة خاصة له في برنامج (صفحات من حياتي، الجزء الأول) تقديم د. فهد بن عبدالعزيز السنيدي.

-------------------------------------

عبدالناصر محمود
06-11-2015, 07:08 AM
من باع كتبه
ـــــ

(عبدالعال بن سعد الرشيدي)
ـــــــــــــ

24 / 8 / 1436 هــ
11 / 6 / 2015 م
ــــــــــ

http://www.alkottob.com/kotob/bookImg/53.jpg

من باع كتبه

◙ الحسن بن محمد بن حمدون أبو سعد بن أبي المعالي الكاتب:
قال ياقوت الحموي رحمه الله: إنه كان من الأدباءِ العلماء الذين شاهدناهم، زكيَّ النفس، طاهرَ الأخلاق، عاليَ الهمَّة، حسَنَ الصورة، مليحَ الشَّيبة، طويلَ القامة، نظيفَ اللبسة، ظريف الشَّكل، وكان من المحبِّين للكتب واقتنائها، والمبالغين في تحصيلها وشرائها، وحصل له من أصولها المتقَنَة، وأمَّهاتها المعينة، ما لم يحصل لكثير أحد، ثمَّ تقاعد به الدَّهرُ وبطل عن العملِ، فرأيتُه يُخرجها ويبيعها وعيناه تَذرِفان بالدموع كالمفارِق لأهله الأعزَّاء، والمفجوع بأحبابه الأودَّاء، فقلت له: هوِّن عليك - أدام اللهُ أيامك - فإن الدهرَ ذو دُوَلٍ، وقد يسعف الزمان ويساعِد، وترجعُ دولة العزِّ وتعاود، فتستخلف ما هو أحسن منها وأَجْوَد، فقال: حسبك يا بني؛ هذه نتيجة خمسين سنةً من العمرِ أنفقتُها في تحصيلها، وهَبْ أن المالَ يتيسر، والأجَل يتأخَّر - وهيهات - فحينئذٍ لا أَحْصل من جمعِها بعد ذلك إلاَّ على الفراق، الذي ليس بعده تلاقٍ، وأنشد بلسان الحال:
هَبِ الدَّهْرَ أرضاني وأعتب صرفه
وأَعْقَب بالحسنى وفكَّ من الأَسْرِ
فمَن لي بأيَّام الشباب التي مضَت
ومَن لي بما قد مرَّ في البؤسِ من عُمري؟

وكان مع اغتباطِه بالكتب ومنافسته ومناقشته فيها جوادًا بإعارَتها، ولقد قال لي يومًا - وقد عجبتُ من مسارعتِه إلى إِعارتها للطلَبَة -: ما بخلتُ بإعارة كتابٍ قطُّ، ولا أخذتُ عليه رهنًا، ولا أعلم أني مع ذلك فَقدتُ كتابًا في عاريةٍ قطُّ، فقلتُ: الأعمال بالنيات، وخلوص نيَّتك في إعارتها لله حفظها عليك[1].

◙ قال ابن خلكان رحمه الله: حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي: أن أبا الحسن علي بن أحمد بن علي بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة بكتاب "الجمهرة"؛ لابن دريد في غاية الجودة، فدعَتْه الحاجةُ إلى بيعها، فباعَها واشتراها الشريفُ المرتضى أبو القاسم بستين دينارًا، وتصفَّحها، فوجد بها أبياتًا بخطِّ بائعها أبي الحسن الفالي، وهي:

أنِسْتُ بها عِشرينَ حولاً وَبِعْتُها
لقد طالَ وَجْدي بعدَها وحنيني
وما كان ظَنِّي أَنَّني سأَبيعها
ولو خلَّدتْني في السجون ديوني
ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصِبْيَةٍ
صِغارٍ عليهم تَسْتَهِلُّ شُؤوني
فقلتُ ولم أَمْلِكْ سوابقَ عَبْرةٍ
مقالةَ مكويِّ الفؤادِ حَزِينِ
وقد تُخرِجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالكٍ
كرائمَ من ربٍّ بهنَّ ضنينِ[2]

◙ إبراهيم بن علي بن أحمد جمال الدين القَلْقَشندي القاهري:
ذكر السخاوي أنه باع كتبَهُ أو جلَّها، وقَاسَى ما لا يُعَبَّر عنه، وتألَّمنا له في ذلك[3].

◙ أحمد بن محمد الباني العالم المعمَّر شمس الدين المصري الشافعي:
الأصمُّ كأبيه، صنَّف تفسيرًا من سورة يس إلى آخرِ القرآن، وباعَه مع بقيَّة كتبه لفقرِه وفاقته[4].

◙ عبدالله بن علي بن محمد بن الفراء القاضي أبو القاسم:
كتب بخطِّه، وحصل الكتب والأصولَ الحسان الكبيرة، وتفقَّه، وكتب في الفتاوى مع أئمَّة عصره.

ومن تصانيفه: "الروض النضر، في حياة أبي العباس الخضر"، وكانت عنده كتبٌ جلِيلة أصيلةٌ على مذهب الإمام أحمد، وخطُّ الإمام أحمد كان أيضًا عنده.

قال ابن القطيعي: جمع بين حُسن الرأي والسَّمْت، وعارفٌ بأحكام الشريعة من الشهادة والقضاءِ، مهيب المجلس، لم يزل منزله محلاًّ لقراءة الحديث وتدريسِ الفقه بحضرة الشيوخ وجماعة أصحاب الحديث، معروفٌ بالكرم والإفضال، وله الأصول الحسنة، والفوائد الجمَّة.

وحمَلَه بَذْلُ يده وكَرَمُ طبعه على أنَّه استدان ما لا يمكنه الوفاء، فغلبَه الأمرُ حتى باع معظمَ كتبه، وخرج عن يده أكثر أَمْلاكه، واختفى في بيته لما فدَحَه من الديون[5].

◙ نصرون بن فتوح بن حسين الجزريُّ:
قال: مرضتُ مرضة أشرفتُ منها على الموت، وبعتُ فيها كتبًا أدبية وغير أدبيَّة، ومن جملتها: صحيح البخاريِّ، وصحيح مسلم، فذكرتُ ذلك بعد إفاقتي مِن مرضي لأبي القاسم بن القطَّاع، فغضب عليَّ غضبًا شديدًا، وقال: كنتَ تقنع ببيع كتبِ الأدب؛ ففيها عوض، وتترك عندك الصحيحين! هل رأيت مسلمًا يُخرج الصحيحين من داره! ولم يزل يردِّد ذلك حتى استحييتُ من نفسِي ومن الحاضرين، وندمتُ غاية الندم[6].

◙ محمد بن عبدالواحد بن جعفر البزار، يعرف بابن زوج الحرة:
قال الخطيب البغدادي عنه: إنه كان كثير السماع إلاَّ أنه باع كتبَه قديمًا واشترينا بعضَها[7].

◙ السيد أحمد بن السيد محمد بن السيد محمود الفلاقنسي:
قال المرادي: الأديب المنشئ السيد الشريف أحد حسنات الزمان، كان أديبًا، شاعرًا، كاتبًا، بارعًا، عارفًا، وُلد بدمشق وبها نشأ، وتذيَّل وتفوَّق، وتملَّك أحرار المعاني، ونظم، ونثر، وولِيَ من الكتابات كتابةً في وقف الحرمين، وصار محاسبه جي بالخزينة العامرة الدمشقيَّة، ولما قُتل أخوه أُهين وحبس، وأُخذ منه مبلغٌ من الدراهم، فبعدها لم يكن كأوَّله، حتى باع كتبَه التي احتوى عليها وتملَّكها، وكانت من نفائس الكتب[8].

◙ الشيخ الإمام الواعظ الكبير المحدث محمد بن أحمد بن إسماعيل بن سمعون البغدادي، شيخ زمانه ببغداد:
قال الخطيب: كان أَوْحد دهره، وفردَ عصره في الكلام على علم الخواطر.

كان ابنُ سمعون في أول أمره ينسخ بالأجرةِ وينفق على نفسه وأمِّه، فقال لها يومًا: أحبُّ أن أحجَّ، قالت: وكيف يمكنك؟! فغلب عليها النومُ، فنامَت وانتبهَت بعد ساعةٍ، وقالت: يا ولدي، حُجَّ، رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في النوم يقول: دعيه يحجُّ؛ فإنَّ الخير له في حجِّه، ففرح وباع دفاتره ودفع إليها من ثمنها وخرج مع الوفدِ[9].

◙ حُكي عن بعض العلماء، قال: بعتُ في بعض الأيام كتابًا ظننتُ أني لا أحتاج إليه، فلمَّا كان ذات يومٍ هجس في صدري شيء كان في ذلك الكتاب، فطلبتُه في جميعِ كتبي فلم أجِدْه، فاعتمدتُ أن أسأل عنه عالمًا عند الصباح، فما زلتُ قائمًا على رجلي إلى الصباح، قيل: فهلاَّ قعدتَ؟ قال: لطول أَرَقِي، وشدَّة قلقي[10].

◙ الأمير عضد الدين أبو الفوارس مرهف بن أسامة بن مقلد بن نصر بن منقذ:

قال ياقوت الحموي رحمه الله: هو شيخٌ ظريف، واسع الخلق، شائعُ الكرم، جمَّاعة للكتب، وحضرتُ داره، واشترى مني كتبًا، وحدثني أن عنده من الكتب ما لا يعلم مقدارَه، إلاَّ أنَّه ذكر لي أنه باع منها أربعةَ آلاف مجلد في نكبَةٍ لحقَتْه، فلم يؤثِّر فيها[11].

◙ عبدالله (بهاء الدين) بن محمود (شهاب الدين) بن عبدالله الألوسي:
فقيهٌ بغدادي، مِن قضاة الشافعيَّة، تخرَّج بأبيه، وترفَّع عن مناصب الدولة، وعكفَ على التدريس، ومرض وتصوَّف، وباع كتبَه وعقارَه، وقصد إستنبول فاعترضَه قطَّاع الطرُق فعاد إلى بلده صفرَ اليدين[12].

◙ سليمان بن صالح الدخيل:

قال عنه البسام رحمه الله: قاسى في آخر حياتِه من ضروبِ الفاقَةِ والفقر الشديد ما دفعه إلى بيع كتبِه، توفِّي رحمه الله في بغداد عام (1364هـ)[13].

طرائف ولطائف:
◙ لما وصل الطاغية هولاكو إلى حماة سنة (658هـ):
خرَّب أسوارَها، وأحرق زردخانتها، وبِيعَت الكتب التي كانت بدار السلطنة بقلعة حماة بأبخسِ الأثمان[14].

◙ قال أَحمد بن سليمان القطيعي:

أضقتُ إضاقة، فمضيتُ إلى إبراهيم الحربي لأبثَّه ما أنا فيه، فقال لي: لا يضيق صدرك؛ فإنَّ الله من وراء المعونة، وإني أضقتُ مرَّة حتى انتهى أمري فِي الإضاقَة إلى أن عدِم عيالي قوتَهم، فقالت لي الزوجة: هب أنِّي أنا وإياك نصبر، فكيف نصنع بهاتين الصبيتين؟ فهاتِ شيئًا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه، فضننتُ بذلك، وقلت: اقترضي لهما شيئًا، وأنظرِيني بقيَّة اليوم والليلة، وكان لي بيتٌ فِي دهليز داري فيه كتبي، فكنتُ أجلس فيه للنسخِ وللنظر، فلما كان فِي تلك الليلة إذا داقٌّ يدقُّ البابَ، فقلت: من هذا؟ فقال: رجلٌ من الجيران، فقلت: ادخل، فقال: أطفِئ السراجَ حتى أدخل، فكببت عَلَى السراج شيئًا، وقلت: ادخل، فدخل وترك إلى جانبي شيئًا وانصرف، فكشفتُ عن السراج ونظرتُ فإذا منديل له قيمة، وفيه أنواع من الطعام، وكاغد فيه خمسمائة درهم، فدعوتُ الزوجةَ وقلتُ: أنبهي الصبيان حتى يأكلوا، ولما كان من الغد قضينا دَينًا كان علينا مِن تلك الدراهم، وكان وقت مجيء الحاجِّ من خراسان، فجلستُ على بابي من غدِ تلك الليلة، فإذا جمَّال يقود جملَين عليهما حملان ورقًا، وهو يسأل عَن منزل الحربي، فانتهى إليَّ، فقلت: أنا إبراهيم، فحطَّ الحملين، وقال: هذان الحِملان أنفذهما لك رجلٌ من خراسان، فقلت: من هو؟ فقال: قد استحلفني أن لا أقول من هو[15].

----------------------------------
المرجع:
• الشذرات في أخبار الكُتب والكُتاب والمكتبات.

[1] معجم الأدباء (3/ 91رقم 334).
[2] وفَيَات الأعيان (3/ 273رقم 443)، السير (18/ 55)، شذرات الذهب (3/ 421 سنة: 436).
[3] الضوء اللامع (1/ 78).
[4] الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة؛ للغزي (1/ 131 رقم 254).
[5] ذيل طبقات الحنابلة (3/ 295رقم171)، شذرات الذهب (4/ 450 سنة 579هـ).
[6] إنباه الرواة (3/ 347رقم797).
[7] تاريخ بغداد (2/ 360رقم868).
[8] سلك الدرر (1/ 163).
[9] السير (16/ 506رقم 376)، وهذا أيضًا: السيد أحمد بن عبدالله الحسني الصنعاني: حصل بخطه نسخة من (صحيح البخاري) ثمَّ باعها، وعزم الحجَّ وصرف ثمنها نفقة له بالطريق، ثم عاد إلى صنعاء فتوفِّي عقيب رجوعه من الحج؛ (نيل الوطر 1/ 239رقم56).
[10] تقييد العلم (136).
[11] معجم الأدباء (2/ 127رقم 218).
[12] الأعلام؛ للزركلي (4/ 136).
[13] علماء نجد خلال ثمانية قرون (2/ 289 رقم 172).
[14] المختصر في أخبار البشر (3/ 243 سنة 658هـ).
[15] طبقات الحنابلة (1/ 84 رقم 86).

-------------------------------