المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلمانية والطعن بصحيح البخاري


عبدالناصر محمود
06-12-2015, 07:00 AM
محاولة علمانية جديدة للطعن بصحيح البخاري*
ـــــــــــــــــــــــ

25 / 8 / 1436 هــ
12 / 6 / 2015 م
ـــــــــــ

http://taseel.com/UploadedData/Pubs/Photos/_18417.jpg

بعيد كل البعد عن الموضوعية والعلمية ما تمارسه العلمانية مع المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي "السنة النبوية الشريفة"، فهي تسعى - منذ تسللها إلى بلاد المسلمين وإفسادها عقول بعض المثقفين - إلى الطعن بالحديث الشريف بأي وسيلة أو طريقة، ولو كانت متناقضة مع العلم والموضوعية والتخصصية.

ولعل أخبث تلك المحاولات ما كان معتمدا على شبهة اختلاف آراء واجتهادات بعض الصحابة الكرام، حيث يحاول بعض العلمانيين إيهام القارئ أو المستمع أن هناك تناقضا بين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو بين حديث نبوي وحديث آخر، والهدف واضح وصريح: الطعن بالسنة النبوية كتمهيد للطعن بكثير من أحكام الإسلام.

ومن هذا الباب كانت شبهة العلماني المعروف بتطرفه وحملته المعلنة على ثوابت العقيدة والشريعة الإسلامية – ابراهيم عيسى -، حيث أراد أن يفتح الباب على مصراعيه لكل من يريد أن يرد حديثا أو يطعن برواية في صحيح البخاري رحمه الله، لمجرد أن هناك حديثا في البخاري قد استشكل على السيدة عائشة رضي الله عنها، دون أن ترده، بل غاية ما في الأمر أنها ظنت أن راوي الحديث ابن عمر رضي الله عنه قد توهم.

وضمن حملته على كتاب "صحيح البخاري"، والطعن في حجيته كأصح كتاب بعد القرآن، كتب عيسى في أحدث مقالاته بجريدة "المقال" التي يرأس تحريرها مقاله تحت عنوان : "السيدة عائشة قالت: "لا"..كيف علمتنا السيدة عائشة أن نغلط في البخاري ونحن مطمئنون؟".

وفي مقاله، قال عيسى: "لا قداسة في رواية الحديث النبوي.. ومهما كان صاحبه تقيا، ومهما أجمع عليه البخاري ومسلم.. فإنهما لا يمكن أن يصمدا أمام عقل المؤمن حين يقرر ويقر باتساق الحديث، وتوافقه مع القرآن"، وفق قوله.

واستطرد: "تعلمنا السيدة عائشة رضي الله عنها بما فعلته وقالته أن نقول: لا.. أن نغلط في البخاري، ونحن مطمئنون، حين تتعارض أحاديثه مع القرآن الكريم".

واستطرد: "التاريخ يحكي موقف عائشة، رضي الله عنها، عندما سمعت حديث أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه.. لقد أنكرته وحلفت أن الرسول ما قاله، وقالت - بيانا لرفضها إياه- أين منكم قول الله سبحانه: "ولا تزر وازرة وزر أخرى؟".

لم يكن ابراهيم عيسى هو وحده من يقود حملة ضد أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، بل هناك عدد من الإعلاميين باتوا يكثرون من إثارة اللغط حول مواضيع تتعلق بالحديث النبوي الشريف، وخصوصا بما جاء في صحيحي البخاري ومسلم، وخصوصا في الفترة الأخيرة تحت شعار: "إصلاح الفكر الديني".

والحقيقة أن رد هذه الشبهة بسيط لمن أراد معرفة الحقيقة، وجوابه موجود في عنوان الباب الذي عنون به الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث وهو: باب قوله صلى الله عليه وسلم: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله إذا كان ذلك من سنته، ثم قوله بعد هذا التبويب البارع الذي لا حاجة بعده لمزيد توضيح وبيان : فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام/164، وبذلك يكون الإمام البخاري قد جمع بين الحديث والآية وفق ما قاله جمهور علماء أهل السنة والجماعة.

ولمزيد من التوضيح والبيان فقد فسر العلماء رواية السيدة عائشة بمسألة عذاب الميت ببكاء أهله بالقول:

1- إن عذاب القبر ببكاء الأهل خاص بالكافر دون المؤمن، وهذا يفهم من روايتها للحديث (أن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ) (1)
2- إن الميت يعذب بعمله لا ببكاء أهله، ويفهم ذلك من روايتها (إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وأهله ليبكون عليه)(2)

وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المقصود بالعذاب في الحديث: أنه يعني به الميت الذي يموت ولا يوصي ولا ينصح أهله بأن لا يبكوا عليه، أما إذا قام بواجب التذكير وواجب النصيحة ثم بكوا عليه؛ فلا يضره ذلك؛ لأنَّه قد أدَّى الواجب، هذا مع ملاحظة أنَّ المقصود بالبكاء ليس هو مطلق البكاء؛ وإنما المقصود به النياحة وهو رفع الصوت.

وبعد هذا التفصيل يتبين جليا أنه لا تعارض بين الحديث والآية، فالميت الذي يعذب ببكاء أهله عليه إنما هو من أوصى بأن يناح عليه بعد موته، أو كانت هذه سنته فيستحق العذاب بما أوصى به، أما إن لم يفعل ذلك فالقاعدة القرآنية الثابتة هي المعمول بها: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} الأنعام/164.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري 2/101 باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : "يعذب الميت ببعض بكاء أهله إذا كان النوح من سنته.

(2) صحيح مسلم 3/44
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*{التأصيل للدراسات}
ــــــــــــ