المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أزمة الديون تهدد بتفكك المنطقة .. هل يفارق اليورو الحياة عام 2012 ؟


مهند
01-09-2012, 11:06 PM
http://www.uaeec.com/newsm/39630.jpg


حتى وقت قريب، كان مفهوم تفكك اليورو أو الدولار أمراً غير متصور لمعظم المحللين الذين اعتقدوا أن تفكك الكتلة الاقتصادية المتكاملة الأكبر في العالم أمر معقد جداً والتفكير فيه بجدية أمر خطر . ومع ذلك، شهد عام 2011 انتشار أزمة الديون السيادية من الدول المحيطة إلى دول قلب أوروبا، وأدى إلى تغيير جذري في مفهوم السوق باعتبار فكرة تفكيك منطقة اليورو أصبحت فجأة احتمالاً حقيقياً واقعياً .

منصات تداول العملات الأجنبية تجري اختبارات على الوحدات الإقليمية القديمة

يضيف بوريس سكلوسبيرج، مدير أبحاث العملات في فوركس وغيرها من المؤسسات المالية العالمية، أن منصات تعاملات العملات الأجنبية بين المصارف ذهبت أبعد بكثير حتى إنها أصبحت تجري اختبارات على وحدات العملة القديمة الإقليمية مثل الدراخمة اليونانية والليرة الإيطالية، وذلك لتكون على استعداد في حالة تحقق هذا الاحتمال لتفكك منطقة اليورو في النهاية .
تشير السنة المقبلة إلى أنها ستأخذ شكل عام في “الفعل أو الموت” بالنسبة إلى الدولار أو اليورو .

والسؤال الآن الذي يدور في أذهان معظم المتداولين: هل ستظل العملة على قيد الحياة خلال العام المقبل وما إذا كان سعر العملة سيرتفع أو سينخفض؟

يكاد يتفق غالبية المحللين على مستوى العالم على أن من أجل ان يظل اليورو أو الدولار عملة قابلة للحياة، يحتاج السوق إلى التحرك أكثر نحو التكامل المالي، ولكن يبقى أن نرى استعداد المسؤولين في المنطقة الأوروبية لإجراء التعديلات السياسية الضرورية لتكوين هيكل أوروبي موحد أكثر فعالية من أجل مواجهة تحديدات السوق المنتظرة .
وفي عام ،2011 فجرت مشكلات الائتمان في منطقة اليورو، التي بدأت مع اليونان في السنة السابقة، أزمة واسعة النطاق حيث تعرض عضو بعد الآخر في منطقة اليورو لهجوم من حراس سوق السندات . بحلول نهاية العام، يبدو أنه لا يوجد بلد في مأمن من امتداد حالة الذعر من دول الأطراف الاوروبية الى دول قلب أوروبا . على الرغم من أن اليونان هي “المريض الأول” في هذا الوباء بصفة خاصة، من نواحٍ كثيرة، كانت من دول القيمة الخارجية في منطقة اليورو .
وعلى عكس الاقتصادات الأوروبية الأخرى، كانت اليونان مفلسة حيث ارتفع معدل ديونها إلى إجمالي الناتج المحلي بنسبة أعلى من 150% بينما انخفضت قدرة ارتفاع عائداتها بشدة عن طريق نظام ضرائب غير فعال وفاسد .
وتحتاج اليونان إلى إعادة هيكلة الديون فوراً وضخ رأس المال من أجل انعاش الاقتصاد . لكن نظراً لاعتبارات سياسية، تأخر المسؤولون في منطقة اليورو في اتخاذ أي إجراء، ثم فرضوا شروطاً قاسية على أي أموال للإنقاذ يؤدي إلى كساد اقتصادي قريب في البلاد . وكانت النتيجة الاخيرة هي أن اليونان الآن تحت وصاية منطقة اليورو، ولكن الأسوأ من ذلك أن التأخير والمشاحنات السياسية التي أحاطت بعملية الانقاذ قد دمرت بالكامل ثقة المستثمرين وشجع المتعثرين للبحث عن ائتمانات أوروبية أخرى، ما أدى إلى تفاقم الأزمة إلى حد كبير .
وبحلول نهاية عام ،2011 اجتاحت أزمة الائتمان في أوروبا، ليس اليونان والبرتغال وايرلندا وإسبانيا فقط، ولكن قفزت مباشرة إلى إيطاليا، وهي ثالث أكبر اقتصاد اقليمي في العالم ورابع أكبر مصدر للسندات السيادية .
كما انهت الاضطرابات في أسواق الائتمان الإيطالية الحياة المهنية لسيلفيو برلوسكوني رئيس الوزراء الإيطالي الذي هيمن أسلوب حكمه الفوضوي على الساحة السياسية الإيطالية لأكثر من 19 عاماً . ثم أصبح ماريو مونتي، وهو تكنوقراطي يحظى بالاحترام والتقدير، رئيساً للوزراء . ورحبت الاسواق بهذا التغيير، ولكن الضرر كان قد حدث بالفعل . بحلول نهاية عام ،2011 كانت إيطاليا تدفع أكثر من 5 .7% على سنداتها لفترة 10 سنوات في مقابل 5 .4% فقط في العام السابق .
ويتفق معظم المحللين على أن هذا يضاعف تكاليف الديون التي لا يمكن تحملها اطلاقاً . في عام ،2012 تواجه إيطاليا التزامات ديون السيادية ما يقرب من 300 مليار يورو . ومعظم هذه الصفقات مستحقة مقدماً في النصف الأول من السنة، ما يجعل التمويل أكثر صعوبة . ومن المفارقات أن إيطاليا هي واحدة من بلدان مجموعة العشرة القليلة التي حققت فائضاً في الميزانية الأولية، وهذا يعني عدم حساب مدفوعات الفائدة، وأن البلاد تحصل على المزيد من العائدات أكثر مما تنفقه . حتى الآن، على الرغم من هذه الشؤون الداخلية، تحمل إيطاليا أيضاً عبء الديون الضخمة أكثر من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، والذي هو السبب في أن البلد أكثر عرضة لهجوم الائتمان الناجم من العجوزات . ولا يمكن لإيطاليا خدمة دين بنسبة 5 .7% وتضخم بنسبة 3% أو أقل، ونمو الناتج المحلي الإجمالي لا يتوقع أن يتجاوز 1% . إن تحمل عبء مرتفع مثل معدلات الفائدة الحقيقية هو أمر صعب للغاية لتحمل إيطاليا ويخشى العديد من المحللين أن إيطاليا لن تكون قادرة على البقاء على قيد الحياة مع مثل هذه الشروط القاسية للتمويل إذا اضطرت إلى التعامل مع هذه المشكلة من جانب واحد .
ومع ازدياد أزمة الائتمان في منطقة اليورو، توصل معظم المحللين في السوق إلى استنتاج مفاده أن على المنطقة تطبيق سياسة مالية موحدة أكثر فعالية إذا ما رغبوا في بقاء اليورو . في النهاية، فإن ذلك يعني نوعاً من الميزانية الاتحادية، وسلطة فرض الضرائب لكل أوروبا، وترشيد استحقاقات المعاش التقاعدي في جميع أنحاء الاتحاد . يتطلب مثل هذا الاندماج الكامل تغيراً هائلاً ثقافياً وسياسياً في ذهن ما يزيد على 300 مليون مواطن في المنطقة، وليس من المرجح أن يحدث ذلك بسرعة . في غضون ذلك، سيكون على منطقة اليورو إصدار سندات اليورو لمعالجة مخاوف أسواق رأس المال .
وستكون منطقة اليورو قادرة على خفض تكلفة التمويل لاقتصاديات الدول الطرفية الأوربية إلى مستوى مستدام فقط من خلال مخاطر ائتمانية اتحادية في جميع الدول الأعضاء في منطقة اليورو .
وقد عرضت دراسة حديثة أجرتها المفوضية الأوروبية حول موضوع سندات اليورو ثلاثة سيناريوهات محتملة حول كيف يمكن لأوروبا اصدار سندات ديون . الخيار الأول والأكثر جرأة هو استبدال كل إصدارات سندات الائتمان الوطنية التي يدعمها الاتحاد الأوروبي . سوف يخلق هذا الإجراء سوق رأس مال ضخمة يمكن أن يتنافس على قدم المساواة مع سندات الخزانة الأمريكية، ولكنه سيؤدي أيضاً إلى تغييرات واسعة في معاهدة الاتحاد الاوروبي، وسوف يتطلب من الدول الأوروبية التخلي عن الكثير من سيادتها الوطنية . وهناك نهج أكثر اعتدالاً لبلدان منطقة اليورو وهو اصدار “سندات الاستقرار”، تكون مضمونة فقط جزئياً وتخضع لقيود على الحجم . يمكن أن يقدم هذا الحل بعض المساعدة لاقتصادات دول البحر المتوسط المحاصرة، ولكن قد لا يكون كافياً لتحقيق الاستقرار في الأسواق . أخيراً، يتيح الطريق الثالث لبلدان الاتحاد الأوروبي إصدار كمية محدودة من “السندات الممتازة”، التي ستحظى بدعم جماعي من جميع الأعضاء، وتصدر بعد ذلك “السندات الرديئة”، التي ستكون مدعومة من إصدار سيادي فقط .
في الوقت الحاضر، يتردد مسؤولو المالية الأوروبية في تطبيق أي من هذه المقترحات كالألمان الذين لا يرغبون في إضعاف ميزانياتهم بينما تترد دول الأطراف الأوروبية في التخلي عن السلطة على مسائل الميزانية لبعض الكيانات فوق الوطنية . لقد جاءت الاستجابة السياسية الوحيدة من السلطات النقدية وكانت استجابة محدودة، ويرجع ذلك إلى أن البنك المركزي الأوروبي ممنوع قانونياً من شراء سندات عضو في الأسواق الأولية .
كما كان البنك المركزي غير فعال بدرجة كبيرة في السيطرة على ارتفاع الفائدة التي تعانيها إسبانيا وإيطاليا والبرتغال، والدول الأعضاء الأخرى . في المقابل، حاول البنك المركزي الأوروبي دعم السوق الثانوية، ولكن حتى السوق الثانوية، كانت مشاركة البنك محدودة . لقد استوعب البنك المركزي الأوروبي مشترياته إلى ما لا يزيد على 20 ملياراً في الأسبوع، تكون للتداولات أدنى تأثير، ولذلك لا عجب إذاً أن أنشطتها كانت غير فعالة بدرجة كبيرة .
الطريقة المثلى، يجب أن تلجأ منطقة اليورو بسرعة لحل يرتكز على سندات اليورو، ما يسمح للدول الأعضاء بالمشاركة في مخاطر الائتمان في جميع أنحاء المنطقة .
من شأن هذا الهيكل وضع حد لهذه اللعبة التي لا تنتهي لاقتناص الائتمان الأضعف المقبل، ولكن من غير المرجح أن تطبق هذه السياسة في وقت قريب بسبب المقاومة الشرسة من دول أوروبا الشمالية . ولذلك، يحاول صانعو السياسات استخدام منهج متعدد الجوانب يتضمن تدخل أكثر من البنك المركزي الأوروبي، واحتمال استخدام الاحتياطي الفيدرالي مع 17 بنكاً من وسط أوروبا ما يكوِّن كونسورتيوم إقراض يوفر قرضاً لصندوق النقد الدولي من “رقم ثلاثي من المليارات” . وسيستخدم هذا القرض لإنشاء صندوق خاص يساعد الاعتمادات المالية المضطربة في منطقة اليورو .
يبدو أن السلطات على جانبي المحيط الأطلسي يصلون إلى استنتاج مفاده أن نظام الاقراض من البنوك المركزية إلى صندوق النقد الدولي هو الرد السياسي الأسرع لمشكلة الديون السيادية، لأن ذلك يتجنب العديد من العوائق السياسية من خلال توفير رأس المال اللازم من دون الحصول على موافقة المجالس التشريعية . ومع ذلك، فإن هيئة المحلفين ما زالت مستمرة في المفاوضات حول ما إذا كان هذا الإجراء سيؤدي إلى تهدئة أسواق الائتمان وتكوين جدار حماية قابل للحياة في جميع أنحاء الاتحاد الاوروبي .
وفي الوقت نفسه، يقاوم المسؤولون في منطقة اليورو أزمة الديون المتزايدة، ومن الواضح أن الاضطراب في الأسواق آخذ في التوسع ليصل إلى الاقتصاد الحقيقي وتحولت القياسات في المنطقة الأساسية للنشاط الاقتصادي لانخفاض حاد .
وقد انخفض كل من مؤشر خدمات مديري المشتريات واستبيانات التصنيع تحت خط 50 الازدهار أو الانهيار للأشهر الثلاثة الماضية على التوالي، مشيراً الى ان المنطقة كلها على الأرجح ستنكمش في الربع الرابع من هذا العام .

وقد اعترف البنك المركزي الأوروبي بالتباطؤ السريع في النشاط وفاجأ ماريو دراجي، الرئيس الجديد للبنك المركزي الأوروبي، العديد من المراقبين في السوق بخفض معدل الفائدة 25 نقطة مئوية في اجتماع أكتوبر وأضاف خفض آخر في ديسمبر 25 نقطة مئوية . ولم يكن للانخفاض في أسعار الفائدة الأساسية أي تأثير ملموس في تحفيز الإقراض ولكن ساعد على التعويض جزئياً عن تقلص كبير في شروط الائتمان الناجمة عن التقلبات في أسواق الديون السيادية .
من شبه المؤكد أن البنك المركزي الأوروبي سوف يحتاج إلى مزيد من خفض أسعار الفائدة كما يحاول موازنة التدابير التقشفية الصارمة التي طالبت بها السوق . المفارقة في الوضع هو أنه حتى لو كان مسؤولو منطقة اليورو قادرين على الصمود في وجه العاصفة في أسواق رأس المال، فإن التخفيضات في الميزانية الهائلة المطلوبة لإعادة النظام للميزانيات من المحتمل أن تتسبب في ركود حاد في منطقة اليورو مع تزايد الطلب الحكومي بإزالتها من الاقتصاد .
قد يكون عام 2012 لحظة الحقيقة بالنسبة إلى منطقة اليورو حيث تعمل المنطقة بقوة من أجل حل قضايا السيادة والعملة . ليس هناك شك في أن مشروع العملة الموحدة كان نجاحاً اقتصادياً كبيراً للمنطقة، وإزالة حواجز عديدة سابقة أمام التجارة وجعلت التجارة أكثر كفاءة وخالية من الاحتكاك .
لقد جعل اليورو منطقة اليورو قوة اقتصادية، وقوة سياسية يجب أن يحسب حسابها حيث يتنافس الاوروبيين على قدم المساواة مع الآسيويين والأمريكيين الشماليين على الساحة الاقتصادية العالمية، ويكمن الدليل على قوة الفكرة في سعر اليورو نفسها . على الرغم من كل المشكلات، يتم تداول اليورو عند 130% من الدولار حيث تبقى منطقة اليورو أكبر اقتصاد في العالم . سيبقى مفتاح الحفاظ على هذا الوضع يؤكد أن الدول الأعضاء سوف تضطر إلى التضحية بالسيادة السياسية في مقابل الرخاء الاقتصادي . وإذا كانوا مستعدين أخيراً لتطبيق هذا التعديل، فإن اليورو سوف يبقى ويزدهر مرة أخرى . إذا لم يكن كذلك، سيكون عام 2012 هو العام الذي تصل فيه تجربة العملة الواحدة في اوروبا إلى نهاية فوضوية .

الخليج - إيهاب عثمان