المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نوادر رمضانية: ضيف كريم


حنان الجزائرية
06-19-2015, 06:09 PM
ضيف كريم
مقال نادر للشيخ طه محمد الساكت
19/6/2015 ميلادي - 3/9/1436 هجري

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جاء رمضان فُتِّحتْ أبواب الجنة، وغُلِّقتْ أبواب النار، وصفِّدتِ الشياطين))، وسواء أكان التفتيح والتغليق والتصفيد على الحقيقة، ولا مانع من ذلك؛ فإن الجنة والنار مخلوقتان كما قال أهل الحق، وكما تشهد بذلك ظواهر النصوص، أم كان الأول كنايةً عن تنزيل الرحمة وقبول الدعاء، والثاني كنايةً عن تنزه الصائمين عن الفواحش، بقمع أنفسهم عن الشهوات، وعن موجبات أسباب العذاب، والثالث مجازًا عن قلة شرور الشياطين وتسلطهم، وأنهم لا يَصلون من إفساد المسلمين في رمضان إلى ما يصلون إليه في غير رمضان.



سواء أكان هذا أم ذاك، فإن الرسول صلوات الله وسلامه عليه يبشِّرُنا بمقدمِ رمضان، وأنه شهر كثير الخير والبركة، وضيف يحفُّه الفضل والرحمة، وأن فيه من المزايا ما ليس في شهر آخر سواه، فليت شعري ما الذي أعددناه لهذا الضيف الكريم؟!



أكبر ظني أننا نعد له من ألوان الطعام والشراب، كل ما لذَّ وطاب، ومن أنواع التفكه والتسلية ما نقطع به الوقت، ونستوجب به السُّخْطَ والمقت، وما هكذا شأن المؤمنين.



إن المسلمين الأولين كانوا يستشرفون لرمضان، ويفرحون به فرحَ المحبِّ بمحبوبٍ طالت غيبتُه، وتناءت أوبتُه، فما كاد ينزل بهم حتى يهيئوا له من صنوف الطاعات، وعمل الصالحات - ما يوجب شفاعته فيهم، وشهادته لهم، روى الإمام أحمد والطبراني وغيرهما عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الصيام: أي ربِّ، منعتُه الطعام والشهوة، فشفِّعْني فيه، قال: فيشفعان))، وجدير بمن يرجو شفاعة الصيام أن يُحسِنَه ويحقِّقَ حكمة الله في تشريعه، وبمن يرجو شفاعة القرآن أن يتلوَه، ويعمل به، ولعل السر في اقتران القرآن بالصيام في الشفاعة، هو الإشارة إلى أن تلاوة كتاب الله من أفضل القُرَبِ في رمضان، ومن أجْلِ هذا أنزل فيه القرآن هدًى للناس، وبينات من الهدى والفرقان، واختاره النبي صلى الله عليه وسلم ميقاتًا لمدارسة جبريل فيه كما في الصحيحين.



وخير ما نستقبل به هذا الضيف الكريم: توبةٌ صادقة نصوح، نخلع بها ثياب الذنوب والمعاصي، نادمين على ما فات، مستعدين لما هو آت، مؤدِّين الحقوق إلى أربابها، نازعين الغلَّ من الصدور، والحقدَ من القلوب، ضارعين إلى الله الكريم أن يكتبَنا فيه من عباده الموفَّقين المقبولين.



ولا يتحقق لنا ما نرجو من أمنية إلا بدراسة أحكام الصيام، والتفقُّهِ في الدين، والتأدُّبِ بآداب الشريعة المطهرة، والعمل على تحقيق أسرار الصوم والحكمة المقصودة منه، وحاشا لله أن يكون مراده تعذيبَ أنفسنا بالجوع والعطش وهو القائل جل ثناؤه: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185].



وإنما الحكمة في الصوم تهذيبُ النفس، وتصفية القلب، وغرس التعاون والتراحم، والتعاطف والتناصر، وسموُّ الروح إلى مدارج العلا، ومراتب العز والكرامة، إلى غير ذلك مما يجد حلاوتَه الصائمون القائمون، ويَحظَى بلذَّته العاملون المخلصون، ويدرك نعيمَه المتقون الشاكرون.



قال أنصار الإسلام: أزفُّ خالص التهنئة بهذا الشهر الكريم، ضارعًا إلى الله جل شأنه أن يعيد عليهم أمثاله، رافلين في لباس التقوى والخير العميم.