المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجتمع متدين بطبعه.. الواقع والمأمول


حنان الجزائرية
06-20-2015, 05:15 PM
(1)
نحنُ شعوب متدينة بطبعها... أو نحن شعب متدين بطبعه هكذا يقولون وهكذا علمونا ويكررونها لنا دوما حتى صدقنا أنفسنا فعشنا في وهم كبير.
فأما عن الواقع فهو مقيت وإنفصال بين السلوك الظاهر والباطن حتى أصبح المجتمع يعيش في وهم كبير ألا وهو وهم المجمتع المتدين بطبعه، والدليلُ أن لافتة الرجل "بائع عصير القصب" المسوس يُكتبُ عليها (وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) لاحظ أن القصب مسوس وهو يعلم ويبعيه أليس هذه غش؛
أما خالي "صاحبُ المنْحل" يبيعنا عسله المغشوش يكتبُ لافتة (فيه شفاء للناس) وربما قصد (فيه شقاء للناس)، فسقطت نقطته عمداً، فمازلت حسن النية، وهو خالي الضمير وشقيق أمي التي "تبيع الفجل" على ناصية الحارة بجوار محل أخيها،
وابن عمتي "الحلاق" الذي فشل في دراسته وتزوج بخريجة العلوم قسم بيولوجي فكتبَ على محلة لافتة مضيئة باسم (وجوه يومئذ ناعمة)، ولا أدري أتخرج من عنده ناعمة أم ناعقة؟
أما دكان الصحابة لبيع "الفول والفلافل" ومطبعة "المدينة المنورة" وكشري يثرب (الكشري أكله مصرية) وحاتي مكة (الحاتي: هو بائع الكباب والكفته)... فالعربات لا تستطيع الركون من زحمة العملاء لاسيما ليلة الجمعة التي تعمل فيها الصيدليات حتى الفجر، لأجل الحبوب الزرقاء، ومعها حبوب عسر الهضم، فقد اخترعنا ألوف الأصناف لعسر الهضم، وفشلنا في اختراع ولو حباية واحدة لعسر العقل، مستشفى العقلاء
(2)
وصار العلاج بالقرآن مصدر رزق "سبوبة" لا ينافسها إلا العلاج بالأعشاب وحبوب التخسيس، وفي كل مكان زحام حتى عند من يعالج ***** ويطرد الجان، زحام لا أعتقد أنك ستباهي به الأمم يوم القيامة يا رسول الله، زحام جميعه يدور في فلك بطنه أو فرجه إلا من رحم، زحام كغثاء السيل وأمراض ما سمعنا بها وتقطيع أواصر، بقدر ما نسينا الشَّرْعَ كَثُرَ رمي الأمهات والأطفال في الشوارع؛ فكان على أيامكَ شرعٌ واحدٌ، الآن صارت حياتنا شوارعَ؛ ورغم كل هذا فيكفينا إن لم يكن يزيد أننا شعبٌ متدينٌ بطبعه.
(3)
عذراً رسول الله، فما عادت أمتك تجاهد لتحرير الأقصى أو فك الحصار عن غزة، أو غزو الفضاء؛ يكفينا القتال على نتيجة مباراة، والجهاد في المونديال، والابتهال على خشبات المسرح، وعندنا من الفضائيات ما يكفي ويزيد، ومدينة الإنتاج الشيطاني أقصد الإعلامي تعمل على مدار الساعة في الوسوسة، وأحالت إبليس وجنده إلى المعاش المبكر، والمجاهدة هيفاء طيب الله ثراها وثراءها لا تنال من الملايين إلا عشرين نتيجة كدحها في مسلسلٍ نسهر عليه بعد نوم النهار، ألسنا نصوم رمضان ونُسلِّي صيامنا نهاراً بالفيلم؟ ونقيم الليل على الكاميرا الخفية والفوازير والمسلسلات التركية وفي أحسن الحالات على الفيس! وتتقلص وجباتُنا ثم تتضاعفُ ميزانياتنا وندعي الفقر، ونسينا أن الفقر في العقول قبل البطون والجيوب؛ وهكذا حلت الهمجية حين غابت المنهجية بيننا. مستشفى العقلاء
(4)
عذراً رسول الله... القدس تصرخ كما صرخت فيروز: القدسُ لنا والبيتُ لنا، ويتغني المشردون ليل نهار: سنرجع يوماً إلى حيِّنا، فكأن الغناءَ سيعيد القدس بعدما صارت حماس إرهابية، وغزة باتت تزرع الشهداء والنخيل، وغوطة دمشق هجرها الطير، وأطفالُ حَلَب لا حليبَ لهم، أما جامع دمشق فبات يصدح بالبارود وكان يصدح بالمنشاوي قيثارة السماء، وفارقت اليمن السعيد سعادته، وصار البُنُّ أسودَ لا يحتاج إلى طحنٍ،
(5)
ومات النداء الذي حفظناه صغاراً (ليبيا وحراير ليبيا)، فكنا نستورد منها الحرير، والآن نستورد منها الحشيش والسلاح؛ ونتسول السيوف لزوم البلطجة والرقص بها في "زفةٍ بلدي" وليس لضرب أعناق العدو، فقد صار اليهوديُّ صاحباً وحبيباً! أما عدونا الحقيقي فالتراث والأئمة الأربعة، وهذا الذي يدعي البخاري، أما ابن تيمية وابن القيم فلابد أن يخرجا من قبريهما لنقيم عليهما حدي الردة والإرهاب، ناهيك عن رجعية الحجاب ووثنية النقاب؛ لذا لابد من مليونية خلع هذا وحرق ذاك، فقد كان عندنا قاسم أمين، الآن صارت مِصرنا قواسم ليست أمينة.
(6)
ألسنا شعباً متديناً بطبعه حين يسجد لاعبنا عقب تسجيل الهدف يدكُّ به شباك العدو؟ وكانت راية العقاب تُرفع في الغزوات، لسنا بحاجة إليها الآن فيكفينا أن نرفعها في الملاعب أو استقبال وافدٍ أجنبي، أو تستر عورة صافيناز حين تمتعنا بوصلة رقص في حفلات رمضان، "والراجل لا يعيبه إلا جيبه..." شعار الجيل الجديد إلا من رحم، ونسينا أو تناسينا "من ترضون دينه"، فلا ديناً حفظنا، ولا بيوتاً أقمنا؛ مستشفى العقلاء
ومِن أمتكَ يا رسولَ الله بعضُ الناس عملهم الوحيد إطلاق لحاهم أو ألسنتهم، والجلوس بجوار مجموعة من الكتب والمساويك وزجاجات العطر المزورة، ويحفظ بعض الأحاديث عن إتقان العمل؛ ويسألك عن العقيقة والاعتكاف وينسى اسم جاره، بل ربما بينه وبين جاره أكثر مما كان بين المسلمين الأوائل وبني قريظة، المهم إسبال الثياب وإطالة اللِّحي وفرك الأسنان بالسواك...
(7)
فهكذا التدين الممدرن والحداثة والوسطية، أما مقاومة الظلم والقتل والحرق فهذا هو الإرهاب، أمَّا ابنتي التي تجلس ليلها على الفيس تضع صور البنات المحجبات وتُصدع أدمغة الناس بوعظها... يتقدم لها صاحب الدين الفقير العالم، والغني سيء السمعة وبلا علم، فتميل إلى مَن معه مال؛ وتدعي أنها صلت الاستخارة وهي أول مرة تسمع عنها، وتدعي التدين وغاية ما تعرفه فيلم رابعة العدوية؛ أو شاهدتْ مرة فيلم وإسلاماه.
(8)
صلى الله عليكَ وسلم يا سيدي يا رسول الله... "قلتَ لنا: اطلبوا العلم"، لكننا طلبنا فوانيسَ تغني وحوي يا وحوي، ورمضان جانا، ونظاراتٍ شمسية تقينا وهج الحرارة أثناء الطواف والعمرة، وموبايلات تصدح برناتِ أدعية الحرم، وسجادة تحمل البوصلة لتحدد لنا القِبلة، عفواً سيدي... فطلبُ العلم عبودية، أما نحن فصرنا أمة استهلاكية عبوثية، وما بين عُبودية وعُبوثية ضِعنا وضاعتْ هيبتنا.
(9)
عذراً رسول الله فقد اختزلنا أحلامنا في حقائبِ الهجرة وزهدنا في حقائبِ الكتبِ، ونجهلُ المعارفَ وعقولنا حبلى بالمعازف، ونُقدِمُ رَغيفَ الخبز على رغيفِ الفكر؛ لذا أنيميا الفكر لدينا فاقت أنيميا البحر المتوسط، ونحارب بالملاعق والأواني ونسينا المقالع والأماني، ويعجبنا حليق الذقن الذي يأتينا من المدينة المنورة، ويجلس حليق الفكر والعقل في مدينة الإنتاج الشيطاني يكفر عن عمرته أو حجته، وتتوقفُ الحياة لدينا حين تؤلمنا زائدتنا الدودية؛ ولا نهتم ولا نغتم بزوائدنا العقلية أو القلبية.
(10)
عذراً رسول الله... أكثر أمتكَ إلا من رحم لا يميز الشراب من السرابِ، ويتشدق بالحرية ويمقتها، ويدعي حبَّ النساء شعراً ويقمعها ويظلمها معايشة، ونسمع كثيراً عن أطول برج، وأكبر طبق للفول، لذا غاب فتيل الحبِّ واشتعل شرر الحربِ، فهذا مقدس وذاك مدنس، وبين هذا وذاك ضاعت هيبة الأمة، وانكسر وعاء الهمة، ويُسَبُّ صحابتكَ وتُعلن أمهات المؤمنين بداعي حرية الإبداع، أما من طال عِرض إلهام أو فنانة، فمصيره الاعتقال أو الرجم، فانقلبت أمتك وأصبح شعارها... اعتقالُ الأفكارِ والعلماء، وحرقُ الكتب وإطلاق سراح الجهل، أما إكرام الميت فحرقه حتى الاشتعال، واستبدال المعارف بالمعازف. مستشفى العقلاء
عذراً رسول الله فما كرهتُ في حياتي مثلما كرهتُ... حضارة قالوا عنها أقدم الحضارات ولم نصنع بعد شئ، وشعب متدين بطبعه.

أحمد الحارون