المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأزمة في الفيزياء


Eng.Jordan
07-12-2015, 12:22 PM
تناظر فائق والأزمة في الفيزياء(*)
لعقود من الزمن، عمل فيزيائيون، على نظرية جميلة
يمكن لها أن تقودهم نحو فهم أعمق للعالم الكمومي.
ولكنهم يقفون الآن على مفترق طرق: فإما أن تَثبت
صحة النظرية السنة القادمة أو أن يواجهوا
انزياحا جللا في طريقة نمذجتهم للطبيعة.
<J. ليكن> - <M. سپيروپولو>

باختصار
يفترض تناظر فائق أن لكل جسيم معروف شريكا فائقا مخفيا. ويحب الفيزيائيون نظرية التناظر الفائق لأنها تحل عددا من المسائل التي تبرز عندما يحاولون توسعة فهمنا للميكانيك الكمومي(1)، والتي ستقدم حلا ممكنا لأحجية المادة الخفية(2)المفقودة في الكون.

ويأمل الفيزيائيون بإيجاد دليل على تناظر فائق في تجارب المصادم LHC، ولكنهم لم يجدوا أي دليل حتى الآن. وفي حال لم يتم الكشف عن مثل هذا الدليل خلال التشغيل المقبل للمصادم LHC، فستواجه نظرية التناظر الفائق مشكلة عصيبة.

وسوف يمهد الفشل في اكتشاف الجسيمات الفائقة التناظر لأزمة في الفيزياء تُلزِم الباحثين بالتساؤل بخصوص عدد من الفرضيات التي عملوا عليها لعقود.



http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2015/02-01/2015_01_02_68.jpg
سوف يبدأ الكاشف CMS في المصادم الهادروني الكبير بحثه النهائي عن دليل على وجود تناظر فائق عندما يعود المصادم LHC لتشغيله أوائل عام 2015.


كنا نتناول فنجانا ثالثا من قهوة الإسپريسو في فجر أحد أيام صيف عام 2012 عندما أتمت وصلة الفيديو ربط مكتبنا في معهد كاليفورنيا للتقانة بمختبر سيرن CERN بالقرب من مدينة جنيف. ورأينا على الشاشة زملاءنا في فريق ريزور Razor، وهو إحدى مجموعات الفيزيائيين العديدة التي تقوم بتحليل بيانات تجربة الكاشف CMS في المصادم الهادروني الكبير (LHC)ا(3). فقد تم تشكيل ريزور للبحث عن حوادث صدم غريبة تزودنا بالدليل الأول على وجود تناظر فائق(4)، وهي نظرية عن المادة عمرها 45 عاما تدعم فهمنا المعياري لفيزياء الجسيمات، وتقدم حلولا لمسائل عميقة في الفيزياء كما تفسر طبيعة المادة الخفية darkmatter المبهمة في الكون. وبعد عقود من البحث، لم يتوفر أي دليل تجريبي على تناظر فائق.

سريعا أضاء <M. پييريني> [رئيس فريق ريزور في مختبر سيرن] مخطط بيانات جديدة، وأمكننا، ونحن على بعد تسع مناطق زمنية، رؤية الحواجب المرفوعة في الحجرة: فهناك شذوذ. وقال <پييريني> عمليا: «يتعين على أحدهم النظر في هذه الحادثة». وما عناه بكلمة «حادثة» هنا هو حادثة صدم بروتون ببروتون، وهي واحدة من بين تريليونات حوادث الصدم التي ينتجها المصادم LHC. وقام كلانا خلال بضع دقائق بنسخ السجل الكامل لحادثة الصدم هذه إلى حاسوب محمول.

يقدم التناظر الفائق حلا جيدا بشكل مذهل للمشكلات العميقة التي كانت تناكد الفيزيائيين لأكثر من أربعة عقود. إذ يزودنا بإجابات عن سلسلة أسئلة مهمة هي: لماذا تمتلك الجسيمات الكتل التي لها؟ لماذا تمتلك القوى الشدات التي لها؟ وباختصار: لماذا يبدو الكون بالشكل الذي له؟ إضافة إلى ذلك، تتنبأ نظرية التناظر الفائق بامتلاء كوننا بجسيمات «فائقة الشراكة»(5) مخفيةً حتى الآن يمكن أن تحل أحجية المادة الخفية(2). ولا نبالغ إذا قلنا إن غالبية فيزيائيي الجسيمات في العالم تعتقد بوجوب صحة النظرية، لشدة إقناعها. فقد كان أمل هؤلاء الفيزيائيين المديد بأنه سيكون بمقدور الآلة LHC الكشف أخيرا عن جسيمات الشراكة الفائقة هذه مُقدِّمةً برهانا قويا على أن تناظرا فائقا هو توصيف حقيقي للكون.

ما إن نسخنا حادثة الصدم المثيرة للانتباه، حتى رأينا مباشرة أنها تبدو كإشارة مدفع دخاني للتناظر الفائق. فقد لوحظ عنقودان اثنان من جسيمات متحركة مفعمة بالطاقة متحركة في اتجاه أول لترتد عن شيء غير مرئي - ربما يكون جسيما فائق الشراكة؟ ومع ذلك، سرعان ما رأينا حسكة حمراء اللون كبيرة على شاشة القراءة. فهل تكون هذه إشارة زائفة نجمت عن خلل في عمل الكاشف؟ وفعلا كان هذا هو الأمر - وكانت خيبة أمل جديدة في بحثنا السرمدي الذي لا ينتهي على ما يظهر عن وجود تناظر فائق.

في الواقع، استبعدت نتائج التشغيل الأول للمصادم LHC تقريبا جميع نسخ تناظر فائق مدروسة أفضل دراسة. وشرعت هذه النتائج السلبية في توليد رعب واسع الانتشار - إن لم يكن أزمة شاملة - في فيزياء الجسيمات. وسوف يبدأ المصادم LHC تشغيله المقبل أوائل عام 2015 بمستوى الطاقة الأعظمي الذي صمم من أجله؛ مما سيسمح للباحثين في التجربتين ATLAS و CMS بإزاحة الستار(6) عن جسيمات فائقة الشراكة أثقل. وإذا لم يتم عند نهاية هذا التشغيل الكشف عن أي شيء جديد، فإن الفيزياء الأساسية سوف تكون على مفترق طرق: فإما أن نهجر عملَ جيلٍ بسبب الحاجة إلى برهان على أن الطبيعة تسلك وفق قواعدنا، أو أن نستمر باعتقاداتنا آملين بأن يقوم مصادم ما أكبر حجما في يوم من الأيام وفي مكان ما بإيجاد دليل على صواب خيارنا طوال الوقت.

وفي قصة تطور العلم توجد طبعا أمثلة عديدة على بحوث مديدة أفلحت في النهاية وانتصرت - مثل اكتشاف بوزون هيگز في المصادم LHC بعد البحث عنه لمدة طويلة. ولكن في الوقت الحاضر، فإن غالبية نظريي الجسيمات تقرض أظافرها مع اقتراب اختبار بيانات المصادم LHC لأسس كاتدرائية الفيزياء النظرية الضخمة التي بنوها خلال نصف القرن المنصرم.

الحاجة إلى تناظر فائق(**)

إن تناظرا فائقا هو جزء من محاولة أوسع لفهم أحجيات الغرابة الكمومية الكبيرة. لدينا نظرية ناجحة للغاية قادرة على التنبؤ في الفيزياء دون الذرية، تعرف نثريا باسم النموذج المعياري(7) تجمع ما بين الميكانيك الكمومي(1) ونظرية النسبية الخاصة لـ<أينشتاين> لتوصيف الجسيمات والقوى. وتتكون المادة من تشكيلة من الجسيمات تدعى فرميونات(8) (نسبة إلى <E. فيرمي>) يتماسك بعضها مع بعض عبر قوى مرتبطة بنوع آخر من الجسيمات تدعى بوزونات(9) (نسبة إلى <S. بوز>).

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2015/02-01/2015_01_02_71_b.jpg


ويزودنا النموذج المعياري بتوصيف ممتاز لما يجري في العالم دون الذري. ولكن المشكلات تبدأ بالظهور عندما نتساءل عن سبب امتلاك النموذج المعياري لسماته. فعلى سبيل المثال، يُقال إن هناك ثلاثة أنواع مختلفة من اللپتونات(10) (وهي نوع من الفرميونات): الإلكترون(11) والميون(12) والتاو(13). لماذا عددها ثلاثة؟ لماذا لا يوجد نوعان فقط، أو أربعة، أو 15؟ لا يجيب النموذج المعياري عن هذا السؤال، بل نحتاج إلى استكشاف مستوٍ أعمق في الطبيعة لاكتشاف الإجابة. وبشكل مماثل، يمكننا أن نسأل عن سبب امتلاك الإلكترون للكتلة التي له، أو عن سبب كونه أخف من بوزون الهيگز(14) مثلا؟ مرة أخرى، يبقى النموذج المعياري صامتا بهذا الشأن.

يُمضي نظريو فيزياء الجسيمات أوقاتا طويلة يفكرون في مثل هذه الأسئلة. ويقومون ببناء نماذج تفسر سبب كون النموذج المعياري بالشكل الذي له. وتعد نظرية الأوتار string theoryا(15)، على سبيل المثال، مسعى لبلوغ مستوى أكثر عمقا لفهم العالم الحقيقي. وهناك أمثلة أخرى كثيرة.

http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2015/02-01/2015_01_02_71_a.jpg
سوف تساعد التحديثات في تجربة الكاشف CMS (في الأعلى) على عملية البحث عن تناظر فائق. وسوف تبدو أي إشارة إيجابية عن وجود تناظر فائق مشابهة جدا لحادثة عام 2012 (في اليمين): إذ يقتضي وجود دفقَين نفّاثين لجسيمات عالية الطاقة في النصف السفلي من الكاشف فرارَ مادة ضائعة - يمكن أن تكون جسيما فائق الشراكة «خفيّاً» - في النصف العلوي.


مع ذلك، هناك مشكلة تعانيها جميع هذه النظريات الإضافية. إذ تقتضي أي نظرية (مثل نظرية الأوتار)، تتضمن فيزياء حديثة، بالضرورة وجود جسيمات جديدة مفترضة. ويمكن لهذه الجسيمات أن تكون ثقيلة جدا؛ مما يفسر عدم رؤيتنا لها حتى الآن في المسرعات مثل المصادم LHC، نظرا لصعوبة تكوين الجسيمات ذات الكتلة العالية. ولكن حتى الجسيمات العالية الكتلة يمكنها أن تؤثر في الجسيمات الاعتيادية مثل بوزون الهيگز. لماذا لاتفعل؟ يكمن الجواب في غرابة العالم الكمومي.

تتآثر الجسيمات بعضها ببعض وفق الميكانيك الكمومي عبر تبادلها لما يعرف باسم جسيمات افتراضية(16)تظهر للوجود ثم تفنى. فعلى سبيل المثال، توصف القوة الكهربائية التنافرية بين إلكترونين كتقريب أولي عبر تبادل الإلكترونين لفوتون افتراضي. فقد تمكن <R. فاينمان> من اشتقاق قواعد رشيقة لوصف الآثار الكمومية بدلالة جسيمات مستقرة تتآثر بجسيمات افتراضية إضافية.

ومع ذلك، ففي نظرية الكم quantum theory يمكن لأي شيء غير ممنوع صراحة أن يحدث في الواقع - على الأقل بين الفينة والأخرى - إذ لن تتآثر الإلكترونات بعضها ببعض عبر تبادلها لجسيمات افتراضية فحسب، بل إنها سوف تتآثر أيضا بجميع الجسيمات الأخرى - بما في ذلك ما اقترحته توسيعات النموذج المعياري من جسيمات افتراضية جديدة. ويمكن لهذه التآثرات أن تؤدي إلى مشكلات ما لم يكن لدينا شيء مثل تناظر فائق.

انظر إلى بوزون الهيگز مثلا، فهو الذي يعطي الجسيمات الأولية كتلها وفق النموذج المعياري. ولو كان لديك جسيم هيگز مع بعض الجسيمات الفائقة الثقل، لتحدَّث أحدها إلى الآخر عبر تآثرات كمومية افتراضية، ولأضحى الهيگز نفسه فائق الثقل، ولاستحال عند اللحظة التالية كل شيء في الكون إلى جسيمات فائقة الثقل. سوف ننهار أنا وأنت لنغدو ثقوبا سوداء، والتفسير الأجود لعدم حصول هذا الأمر هو تناظر فائق.

وعْدُ تناظر فائق(***)

لقد تم تطوير الفكرة الأساسية في تناظر فائق - المعروف عادة بلقب SUSY - خلال سبعينات القرن المنصرم من قبل فيزيائيين كانوا يهتمون بالعلاقة بين التناظرات وفيزياء الجسيمات. ولا يُنظر إلى تناظر فائق باعتباره نظرية خاصة، فهو بالأحرى إطار عمل لنظريات، إذ يمكن لكثير من النماذج المنفردة للكون أن يغدو «فائق التناظر» شريطة تشاركها في بعض الخواص.

ويصاغ الكثير من التناظرات المألوفة بتضمينها القوانين الفيزيائية للجسيمات والقوى. ولا تعنى هذه القوانين بمكان وجودك، أو بلحظة قيامك بالقياسات، أو بالاتجاه الذي تتخذه، أو بكيفية حركتك أو سكونك بالنسبة إلى الأشياء التي تراقبها. ورياضياتيا تقتضي تناظرات الزمكان spacetime هذه قوانين انحفاظ (مصونية) الطاقة والاندفاع والاندفاع الزاوي؛ إذ يمكننا انطلاقا من التناظرات نفسها أن نشتق العلاقة بين الطاقة والاندفاع والكتلة، الممثلة بالعلاقة المشهورة: E = mc2. فقد تم فهم جميع هذه الأمور بشكل جيد منذ عام 1905 عندما طور <A. أينشتاين> نظرية النسبية الخاصة(17).


[تبعات كونية]
حافة التهلكة(****)
يُظهر بوزون الهيگز الكثير من المعلومات عن حقل هيگز، وهو حقل طاقة يمنح الجسيمات الأولية كتلها. إلى حد علمنا، إن هذا الحقل ثابت لأن أي تغيير مفاجئ فيه سوف يحطم الكون. ومع ذلك، فإن القيمة المقيسة حديثا لبوزون الهيگز - عندما نجمعها بتلك التي للكوارك quark العلوي - تدل على أن حقل هيگز ليس تام الاستقرار. وبدلا من ذلك، يكون الحقل موجودا فيما يدعى بحالة شبه مستقرة. ويمكن للآثار الكمومية أن تجعله يثب ليتوضع في حالة طاقية أخفض مسببة إفناء الكون عبر هذه الإجرائية. (لا تقلق: فإن هذا الأمر لن يحدث قبل انقضاء بلايين عديدة من السنين). وسيساعد تناظر فائق على جعل حقل هيگز مستقرا.
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2015/02-01/2015_01_02_72.jpg



ويبدو أن الفيزياء الكمومية(18) تحترم هذه التناظرات، حتى أن العلماء استخدموا التناظرات من أجل التنبؤ بظواهر جديدة. فعلى سبيل المثال، بيّن <P. ديراك> عام 1930 أنه عندما نجمع الميكانيك الكمومي بالنسبية الخاصة، فإن تناظرات الزمكان تقتضي وجود لكل جسيم جسيم مضاد ذي شحنة معاكسة. وحينذاك، بدت هذه الفكرة مجنونة لأنه لم ير أحد من قبل جسيما مضادا، لكنه تبين لاحقا صحة فكرة <ديراك>. وقادت حججه النظرية عن التناظر إلى تنبؤ جريء - ولكنه صحيح - بوجود جسيمات أولية أكثر بمرتين مما كنا نعتقد.

ويستند تناظر فائق على حجة مماثلة لحجة <ديراك>، فهو يفترض وجود توسعة كمومية لفضاء الزمكان تدعى فضاءً فائقاً(19) تكون فيه الجسيمات متناظرة.

ولا يمتلك الفضاء الفائق أبعادا مكانية مألوفة مثل البعد الموافق لاتجاه اليسار - اليمين أو اتجاه الأعلى - الأسفل، بل له بالأحرى أبعاد فرميونية(20) إضافية، تكون الحركة ضمنها محدودة جدا. فيمكنك ضمن بعد مكاني اعتيادي أن تتحرك في الاتجاه الذي تريده وللمسافة التي تريدها دون أي تقييد على سعة الخطوة أو عدد الخطوات التي تسلكها. وفي المقابل، تكون خطواتك ضمن البعد الفرميوني مُكمَّاة(21)، وبمجرد إتمامك لخطوة واحدة يصبح ذلك البعد الفرميوني «ممتلئا»، وإذا أردت أن تتخذ خطوات أخرى تعيَّن عليك إما الانتقال إلى بعد فرميوني آخر، أو العودة خطوة إلى الوراء.

ولو كنت بوزونا(22)، فإن إتمامك لخطوة في بعد فرميوني يحولك إلى فرميون، بينما إذا كنت فرميونا فإنك ستتحول إلى بوزون عند السير خطوة واحدة ضمن بُعد فرميوني. إضافة إلى ذلك، إذا سرت خطوة في بعد فرميوني ثم قفلت راجعا إلى الوراء فسوف تجد أنك تحركت أيضا في المكان أو الزمن الاعتياديين بمقدار أصغري معين. وهكذا، فإن الحركة ضمن الأبعاد الفرميونية مرتبطة بطريقة معقدة بالحركة الاعتيادية.

لكن، ما هي أهمية هذا كله؟ يكمن سبب ذلك في أن التناظرات عبر الأبعاد الفرميونية في العالم الفائق التناظر تقيد كيفية تآثر الجسيمات بعضها ببعض. وبشكل خاص، يكبت ما يعرف باسم تناظرات فائقة طبيعية(23)، وبشكل كبير آثار الجسيمات الافتراضية. إذ تمنع التناظرات الفائقة الطبيعية بوزونات الهيگز من أن تتآثر بجسيمات عالية الطاقة بطريقة تحيلنا جميعا إلى ثقوب سوداء. (تتطلب منا النظريات الفائقة التناظر التي لا تكون طبيعية أن نبتكر آليات إضافية لكبت الجسيمات الافتراضية). ويفسح تناظر فائق طبيعي المجال أمام الفيزيائيين لكي يطوروا أفكارا جديدة تجعل النموذج المعياري أكثر اتساقا وقبولا.

البحث عن تناظر فائق(*****)

تقتضي جميع النظريات الفائقة التناظر وجود جسيم فرميوني شريك - شريك فائق - لكل جسيم بوزوني، والعكس بالعكس. ولأنه لا أحد من الجسيمات الفرميونية والبوزونية المعروفة يمكن اعتباره شريكا فائقا لجسيم معروف آخر، فلن يكون تناظر فائق صحيحا إلا إذا احتوى الكون على عدد كبير من الجسيمات الفائقة الشراكة تملصت من الكشف عنها.

وهنا تكمن المشكلة. إذ يتعين على الجسيمات الفائقة الشراكة وفق النسخ الأبسط والأقوى لتناظر فائق - تناظر فائق طبيعي - ألا تكون أثقل بكثير من بوزون الهيگز. وهذا يعني قدرتنا على الكشف عنها في المصادمLHC. وفي الواقع، لو سألت الفيزيائيين قبل قرابة عشر سنوات، فإن غالبيتهم كانت ستخمن وجوب كشفنا عن دليل وجود الجسيمات الفائقة الشراكة بحلول الزمن الحاضر.

ومع ذلك، لم يبد أي دليل على وجود تناظر فائق حتى الآن. يتذكر أحدنا (<سپيروپولو>) مساء أحد الأيام عام 2009 عندما ذهب إلى العمل رئيسا للدورية في تجربة الكاشف CMS قبل منتصف الليل بالضبط. إذ كانت حجرة التحكم مليئة بالفيزيائيين، كلٌّ يراقب منظومة جزئية مختلفة ضمن الكاشف ذي التعقيد الهائل الذي يزن قرابة 000 14 طن. وعند الساعة الثانية بعد منتصف الليل تلقيت اتصالا من مركز التحكم في مختبر سيرن على الطرف المقابل من حلقة المصادم LHC ذات الطول 27 كم: مفاده بأن هذه الليلة هي الليلة الموعودة، إذ سوف يحاولون بلوغ طاقات في حوادث صدم البروتونات لم يبلغها إنسان من قبل.

أعطيتُ إشارات من أجل تشغيل كل قسم من الكاشف CMS بحذر مبقين تشغيل الأقسام الأكثر هشاشة من الكاشف إلى الآخر. وفي الساعة 4:11 صباحا غدا الكاشف في أوج نشاطه، وأضحى جدار الشاشات مفعما بالحيوية، حيث أومضت نظم الإلكترونيات فوق السريعة لتظهر حوادث صدم تحدث 20 مليون مرة في الثانية على عمق 100 متر تحت الأرض. وبدأ قلبي يدق بسرعة - بعد مطاردتي للتناظر الفائق لعقد من الزمن في مصادم التيڤاترون بفرميلاب في باتاڤيا - متوقعا إمكان التعرف على بعض الأنماط المميزة. قلت لنفسي اهدئي، فإن هذه ليست إلا البداية، إذ إن تحليل حوادث الصدم عبر الاستقصاء البصري مغرٍ، ولكنه من المستحيل إجراء اكتشاف وفق ذلك.

في الحقيقة، لا يبني المرء مصادما يكلف عشرة بلايين دولار بكواشفه الضخمة، لتشغيله متوقعا تحقيق اكتشافات منذ الليلة الأولى - أو حتى خلال السنة الأولى من التشغيل. ومع ذلك، فقد كانت توقعاتنا عالية منذ البداية. فقد قمنا ضمن تجربة الكاشف CMS (وكذلك الكاشف ATLAS) بوضع مخطط تفصيلي من أجل اكتشاف تناظر فائق من خلال البيانات الأولى للمصادم LHC. إذ كنا مهيئين تماما للكشف عن جسيمات المادة الخفية ضمن إشارات تناظر فائق، ليس مباشرة، وإنما ك«طاقة ضائعة»: غياب موازنة لجسيمات مرئية ترتد عن شيء غير مرئي مما يشي بوجوده. لقد ذهبنا بعيدا حتى كتابة قالب ورقة الاكتشاف(24) أعطيناها عنوانا وتاريخا.

ولا تزال تلك الورقة غير مكتوبة، إذ إن التجارب لم تترك لنا إلا بضع نوافذ لم يتم استكشافها بعد، حيث يمكن أن تختبئ الجسيمات الفائقة الشراكة ضمنها. ولا يمكن لهذه الجسيمات أن تكون خفيفة جدا وإلا لكنا قد اكتشفناها من قبل، ولا يمكنها أن تكون ثقيلة جدا، لأنها لن تحقق حينئذ متطلبات تناظر فائق طبيعي، وهو نوع التناظر الفائق الذي يكون فعالا في كبت الجسيمات الافتراضية. وإذا لم يجد المصادم LHC هذه الجسيمات الفائقة الشراكة خلال التشغيل المقبل وبسرعة، فسوف تكبر الأزمة في الفيزياء.

الحياة بعد تناظر فائق(******)

ومع ذلك، فإن النظريين ليسوا بعد جاهزين لكي يتخلوا عن فكرة أعم عن تناظر فائق - مع عدم قدرتها على إجراء مجمل العمل الذي كنا نأمل للتناظر الفائق الطبيعي بإتمامه. تذكر أن تناظرا فائقا هو إطار لصنع نماذج عن العالم، وليس نموذجا بحد ذاته، ومن ثمّ فإن بيانات المستقبل يمكن أن تثبت صحة تناظر فائق حتى ولو تم استبعاد جميع نماذجه الراهنة.

وكان <N. أركاني-حامد> [فيزيائي بمعهد الدراسات المتقدمة في برنستون بنيوجيرسي] يذرع المكان جيئة وذهابا أمام السبورة خلال محاضرة في معهد كاڤلي للفيزياء النظرية بجامعة كاليفورنيا - سانتا بربارة - متحدثا في حجرة مكتظة عن مستقبل تناظر فائق. فتساءل قائلا: «ماذا لو لم نجد تناظرا فائقا في المصادم LHC؟» وقبل أن يجيب عن سؤاله قال: «عندها، سوف نقوم بابتكار نماذج جديدة عن تناظر فائق تضع كتل الجسيمات الفائقة الشراكة تماما وراء متناول التجارب، ولكن ألا يعني هذا أننا سنقوم بتغيير قصتنا؟ هذا صحيح؛ ولكن النظريين ليسوا في حاجة إلى أن يكونوا متسقين مع أنفسهم، ووحدَها نظرياتهم يتعين عليها الاتساق.»

إن هذا الإخلاص الراسخ للتناظر الفائق واسع المشاركة. إذ يقبل نظريو الجسيمات بأن فكرة تناظر فائق طبيعي تسودها مشكلات حاليا وطريقها لا محالة نحو صندوق قمامة التاريخ ما لم تكتشف الجسيمات الفائقة الشراكة قريبا. ويشكل هذا الأمر النوع نفسه من الأحجيات التي قادت في الماضي نحو تبديلات في النماذج المتبعة في العلم. فعلى سبيل المثال، قاد الفشل في إيجاد «الأثير الناقل للضوء» قبل نحو قرن من الزمن إلى اختراع النسبية الخاصة.

وإذا لم يكن تناظر فائق توصيفا صحيحا للعالم، فماذا يمكن أن يحل محله؟ وفيما يلي ثلاث إجابات تأملية مختلفة، تقتضي جميعا اتجاهات جديدة تماما في التفكير حول الفيزياء الأساسية وعلم الكون:

الكون المتعدد The multiverse: تتضمن شدات القوى الأساسية والمقاسات النسبية لكتل الجسيمات أرقاما، تعد أصول قيمها أحجية. ولا نود التفكير في أن قيم الأرقام عشوائية، لأنه لو اختلفت قيمها اختلافا طفيفا لتغير شكل الكون تماما، ولغدا من الصعب تشكيل الذرات، على سبيل المثال، ولفشلت الحياة في تطورها. ويبدو الكون في لغة الفيزياء النظرية «مضبوطا بدقة»(25). ويحاول تناظر فائق تزويدنا بإجابة عن سبب امتلاك هذه الوسائط للقيم التي لها، فهو ينحت لنا بابا يلج بنا إلى مستوى أعمق في الفيزياء، ولكن ماذا لو لم يكن هذا الباب موجودا؟

في تلك الحالة نُترك للنظر في أن كون الضبط الدقيق هذا ليس إلا حادثة عشوائية - وتصبح هذه الفكرة أشد جاذبية إذا افترضنا وجود الكون المتعدد. فلم ينتج الانفجار الكبير في سيناريو الكون المتعدد الكون الذي نراه فحسب، بل نجم عنه عدد كبير من التغيرات على كوننا لا نراها. وفي هذه الحالة، تكون الإجابة عن سؤال كهذا: «ما سبب امتلاك الإلكترون الكتلة التي له؟» كالتالي: «هذا مجرد حظنا العشوائي في السحب - ففي أجزاء أخرى من الكون المتعدد هناك إلكترونات أخرى بقيم كتل مختلفة». إن الضبوطات الدقيقة ظاهريا التي حيرتنا فترة طويلة من الزمن ليست إلا مجرد حوادث في التاريخ الكوني. ولا يوجد فيزيائيون يتساءلون عن سبب عدم كشفهم للتناظر الفائق الطبيعي في المصادم LHC إلا في الأكوان ذات الوسائط بقيم مضبوطة بدقة تسمح بتطوير حياة ما.

ومع ذلك وبالنسبة إلى فيزيائيين عديدين - هناك تشابه كبير بين ما يحمله الكون المتعدد وحالة التأكيد على وجود شذوذات في فيزياء الجسيمات يسببها جيش من الملائكة المخفيين. وكما قال <D. گروس> [الحائز على جائزة نوبل]: «إن استدعاء شروط ابتدائية مجهولة يكافئ استسلامنا وتخلينا عن البحث.»

أبعاد إضافية Extra dimensions: بيّن الفيزيائيان <L. راندال> [من جامعة هارڤارد] و<R. سوندروم> [من جامعة ماريلاند] أن وجود بعد إضافي بهندسة منفتلة warped يمكنه أن يفسر مدى ضعف الثقالة gravity مقارنة بالقوى الأخرى المعروفة. وإذا كانت هذه الأبعاد الإضافية صغرية (مجهرية)microscopic لم نلحظها بعد، ولكن لمقاسها ولشكلها تأثير درامي في فيزياء الجسيمات العالية الطاقة. وفي مثل هذه النماذج، يمكننا أن نكتشف في المصادم LHC بدلا من جسيمات فائقة الشراكة أنماطا ل «كالوزا- كلاين»(26) وهي جسيمات غريبة ثقيلة تساوي كتلها في الواقع طاقات حركاتها في الأبعاد الإضافية.

استحالة بُعدية Dimensional transmutation: تكمن فكرة جديدة، بدلا من استحضار تناظر فائق من أجل كبت آثار الجسيمات الافتراضية، في احتضان مثل هذه الآثار لتفسير من أين تأتي الكتلة. فلننظر في البروتون مؤقتا. إنه ليس جسيما أوليا، بل يتكون من مجموعة من ثلاثة كواركات quarks - لها كتل ضئيلة - ومن غليونات gluons معدومة الكتلة تماما. والبروتون أثقل بكثير من المجموع الكلي لكتل الكواركات والغليونات في داخله. فمن أين تأتي هذه الكتلة؟ إنها تنجم عن حقول الطاقة المتولدة عن القوة «الشديدة» المسؤولة عن تماسك البروتون. ويسمح لنا فهمنا لهذه الحقول بالتنبؤ الصحيح بقيمة كتلة البروتون انطلاقا من مجرد أعداد اعتيادية مثل العدد π.

يمثل هذا الأمر وضعا غريبا في فيزياء الجسيمات، لأنه نستطيع عادة حساب الكتل بالانطلاق من كتل أخرى فقط. فعلى سبيل المثال، لا يعطينا النموذج المعياري أي طريقة للتنبؤ بكتلة بوزون الهيگز - ويتعين علينا قياسها. ويبدو أن هذا الأمر يوافق خطأ جليا، مقارنة بقدرتنا على التنبؤ الدقيق بكتلة البروتون. وتقترح بضعة من النظريين المتطرفين الآن اعتمادا على عمل مهم للفيزيائي <A. باردين> في فرميلاب أن مقاس كتلة الهيگز يتولد عبر إجرائية مماثلة تدعى الاستحالة البعدية.

إذا كانت هذه المقاربة تحافظ على آثار الجسيمات الافتراضية المفيدة بينما تتجنب آثارها الكارثية - وهذا دور كان يؤديه تناظر فائق - لتحتم علينا هجر استبصارات رائجة عن إمكان توحد قوانين الفيزياء عند الطاقات الفائقة العلو. كما تجعل هذه المقاربةُ الرابطةَ، المنشودة منذ زمن طويل، بين الميكانيك الكمومي والنسبية العامة(27) مفعمة أكثر بالألغاز. ومع ذلك، فللمقاربة فوائد أخرى، إذ يمكن لمثل هذه النماذج أن تولد كتلة لجسيمات المادة الخفية، كما أنها تتنبأ أيضا بتآثر المادة الخفية بالمادة المألوفة بواسطة قوة ينقلها بوزون الهيگز. وسوف يتم اختبار هذا التنبؤ الدرامي خلال بضع سنوات مقبلة في آلة المصادم LHC وفي تجارب الكشف عن المادة الخفية تحت الأرض.

ويمكن لجسيم الهيگز أن يحمل معه مفاتيح أحجيات أخرى. إذ يبين اكتشاف بوزون الهيگز وجود حقل طاقي للهيگز مُخيِّم في جميع أرجاء الكون يمنح الجسيمات الأولية كتلَها. ويعني ذلك أن خلاء الفضاء «الفارغ» مكان يعج بالنشاط، بطاقة حقل الهيگز والجسيمات الافتراضية منتجة ديناميكية معقدة. ويمكن للمرء عندها أن يتساءل عمّا إذا كان الخلاء مستقرا فعلا أم أنه يمكن لحادثة كمومية مشؤومة يوما ما أن تقدح تحولا كارثيا من كوننا الحالي إلى سجل خال. ويعمل تناظر فائق على جعل الخلاء مستقرا ويمنع مثل هذه الحوادث المؤسفة. ولكن استقرار الخلاء بغياب تناظر فائق يعتمد بشكل حساس على كتلة الهيگز: إذ يقتضي هيگز أثقل كونا أكثر استقرارا، بينما يؤدي هيگز أخف إلى هلاك لاحق. وبشكل لافت للنظر، تقع القيمة المقيسة لكتلة الهيگز تماما على الحافة، ما يقتضي خلاء عمره مديد، ولكنه غير مستقر في نهاية الأمر [انظر للإطار "تبعات كونية"]. وتحاول الطبيعة إخبارنا بشيء ما، ولكننا لا ندرك ماهية هذا الشيء.

المستقبل(*******)

إذا تم اكتشاف شركاء فائقين خلال التشغيل المقبل للمصادم LHC، ستحل محل الذعر الراهن لفيزيائيي الجسيمات إثارةٌ هائلة معلنة في نهاية المطاف عتبة العالم الفائق. وستبدأ بالانطلاق مغامرة فكرية غامرة.

أما إذا لم يتم الكشف الجسيمات الفائقة الشراكة، فإننا سوف نواجه نموذجَ تقطّع لفهمنا الأساسي للفيزياء الكمومية. وقد بدأ هذا المشهد المحتمل يحث منذ الآن على إعادة تفكير جذرية في المظاهر الأساسية التي تشكل البنية الأساس لنسيج الكون. وفهم أفضل لخصائص بوزون هيگز أمر مركزي من أجل بناء نماذج جديدة. ويمكن للإشارات التجريبية عن المادة الخفية، هذه الظاهرة الناشزة الوحيدة ولكن المستدامة في فيزياء الجسيمات، أن تغدو في نهاية الأمر منارة تبين لنا الطريق إلى الأمام.

المؤلفان
Joseph Lykken - Maria Spiropulu
<ليكن> فيزيائي نظري يعمل في مختبر مسرع فيرمي الوطني بباتاڤيا.

<سپيروپولو> فيزيائية جسيمات تجريبية تعمل في معهد كاليفورنيا التقاني. وتبحث عن تناظر فائق في التجربة CMS ضمن المصادم LHC في مختبر سيرن CERN، بعد أن أمضت عدة سنين تعمل في تيڤاترون Tevatron بفِرميلاب Fermilab.
http://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2015/02-01/2015_01_02_70_b.jpghttp://www.oloommagazine.com/Images/Articles/2015/02-01/2015_01_02_70_a.jpg
مراجع للاستزادة

Supersymmetry: Unveiling the Ultimate Laws of Nature. Gordon Kane. Basic Books, 2001.
Supersymmetry at CERN: http://home.***.cern.ch/about/physics/supersymmetry

(*)SUPERSYMMETRY AND THE CRISIS IN PHYSICS
(**)THE NEED FOR SUPERSYMMETRY
(***)THE PROMISE OF SUPERSYMMETRY
(****)The Edge of Doom
(*****)THE SEARCH FOR SUPERSYMMETRY
(******)LIFE AFTER SUPERSYMMETRY
(*******)THE FUTURE

(1) quantum mechanics؛ أو: ميكانيك الكم.
(2) dark matter؛ أو: المادة المعتمة؛ المادة المظلمة.
(3) Large Hadron Collider
(4) supersymmetry
(5) superpartner
(6) أو: باستبعاد
(7) the Standard Model
(8) fermions
(9) bosons
(10) leptons
(11) the electron
(12) muon
(13) tau
(14) the Higgs boson؛ انظر: «وأخيرا الجسيم هيگز؟» "مجلة العلوم"، العددان 7/8 (2013).
(15) انظر: «الكون الذكي»، "مجلة العلوم"، العددان 7/8 (2007)، كتابان جديدان يقولان إن الوقت قد حان لإسقاط نظرية الأوتار!
وانظر أيضا: «نظرية كل شيء اللامدركة»، "مجلة العلوم"، العددان 1/2 (2011).
(16) virtual particles
(17) special relativity theory
(18) quantum physics
(19) superspace
(20) fermionic dimensions
(21) quantized
(22) a boson
(23) natural supersymmetries
(24) أو: نشرة؛ template for the discovery paper
(25) ”finely tuned“
(26) Kaluza-Klein modes
(27) general relativity

حياة محمد
10-08-2015, 07:44 PM
يعطيك العافيه على الازمة :d