المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلم والعلماء: السلطة الغائبة!


عبدالناصر محمود
07-20-2015, 07:24 AM
العلم والعلماء: السلطة الغائبة!
ـــــــــــــــ

(أحمد بن عبد المحسن العساف)
ـــــــــــــــ

4 / 10 / 1436 هــ
20 / 7 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710513072015015533.jpg

لا يماري منصف في علو منزلة العلم، ورفعة قدر العلماء، وهذا عام في كل العلوم النافعة، بيد أن شرفه يزداد، ومكانته تسمو، حين يرتبط بأجل العلوم وأعلاها، وهو العلم الشرعي المعني بفهم مراد الله، ودلالة الناس عليه؛ بل وتطويع الحياة وشؤونها لأحكامه الثابتة، ومقاصده العامة.
وعبر تاريخ الأمة الإسلامية، حظي العلماء بمكانة فريدة، جعلت منزلتهم سنية في وجدان الناس، وفي واقع الحياة، فعن فتاواهم يصدر العامة والخاصة، وعلى تزكياتهم يحرص كل من تعرض للشأن العام، وكانت الكلمة من العالم خطيرة؛ لدرجة أن الحكام يتصببون عرقاً حين يرون العالم الرباني؛ بل وصرح بعضهم أنه لم يهنأ بحكمه إلا بعد رحيل العالم الفلاني.
ومع الزمن ضعف موقف العلماء لجملة من الأسباب؛ منها انغماس بعض العلماء في الدنيا، وتجافيهم عن الزهد في ملذاتها، حتى غدوا طلاباً للصيد وليس فيهم عمرو بن عبيد! ومنها مكر الساسة بالمؤسسة العلمية، وتصييرها تابعة للمزاج السياسي، خاضعة للتعيين الرسمي، منتظرة للعطاء الدوري، وفي سبيل ذلك عطلت الحكومات الأوقاف التي كانت تمنح العلماء قدراً كبيراً من الاستقلالية، وآخر الأسباب ما أصاب المجتمعات والأفراد من بعد عن الالتزام بدين الله، فغدا انتهاك المحرمات، وإيذاء الأولياء، والتضييق على العلماء، أمراً يسيراً متكرراً؛ بلا نكير ولا مقاومة.
وقد يفغر البعض فاه متعجباً مما قيل عن مكانة العلماء، أو مستكثراً لها، بيد أن باحثاً يهودياً اسمه نوح فيلدمان درس هذه الظاهرة إبان علوها وفي عصر انحطاطها، وأصدر دراسته في كتاب بعنوان: سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها، ترجمة الطاهر بو ساحية، صدرت طبعته الأولى عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، عام (2014م)، ويقع في (190) صفحة، ويتكون من إهداء وفهرس، فمقدمة للطبعة الجديدة، ثم مقدمة الأصل وثلاثة فصول، يتبعها الخاتمة والمراجع.
والمؤلف حسبما ورد في الويكيبيديا، يهودي أرثوذكسي، نشأ في بوسطن، ودرس في مدرسة موسى بن ميمون، وتخرج في هارفارد عام(1992م) وكان الأول على دفعته، ثم نال شهادة الدكتوراه في الفكر الإسلامي من جامعة أكسفورد عام (1994م)، وعمل مستشاراً لبول بريمر رئيس حكومة الاحتلال الأمريكي للعراق، وكانت مهمته المشاركة في وضع دستور العراق؛ لكنه انسحب منها، ويقال بأنه شارك في وضع دستور أفغانستان بعد الاحتلال الأمريكي. وله عدة مؤلفات تعتني بالعلاقة الأمريكية الإسلامية، أو بمسائل القانون الدستوري. وأهدى فيلدمان كتابه هذا لمحسن مهدي، وهو أستاذ جامعي في الفلسفة وعلم الاجتماع، ولد في كربلاء، ودرس ودرَّس في عدة جامعات عالمية.
ذكر المؤلف في مقدمة الطبعة الجديدة أنه تنبأ عام (2003م) بصعود التيارات الإسلامية نحو الحكم، واستند في توقعه الذي كان غريباً حينذاك إلى نجاح الإسلاميين في التجربة الجزائرية التي أجهز عليها الجيش، وإلى التراث الفكري لرموز علمية وحركية إسلامية، فضلاً عما تمثله الرؤية الإسلامية المناقضة للحكم العلماني المستبد، وكان يعوز استشرافه الجريء أمثلة ملموسة على نجاح انتخابي، وصياغة دستور بيد أحزاب ذات توجه إسلامي.
وفي عام(2008م) ألف نوح هذا الكتاب؛ ليشرح مصدر تصاعد الدعوة إلى قيام دولة إسلامية، ويقدم تفسيراً للتاريخ الدستوري الإسلامي الذي يركز على سيادة القانون، مع بيان التحديات العميقة التي تواجه واضعي الدستور. ومرة أخرى واجه المؤلف معضلة انتفاء المثال الحي على فكرته، وأن المثالين المتوافرين لديه قد خرجا من تحت عباءة الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق، وإن وجد بعض المتنفس في البرامج السياسية للإسلاميين، التي تركز على سيادة القانون، والحكم العادل.
ثم بدأت حركة الربيع العربي في عام(2011م)، وكانت حدثاً مهماً بالنسبة إلى مسألة الدستور الإسلامي، وأطلت التجربة برأسها في تونس وهو البلد العربي الأكثر علمانية وتحرراً، وظهرت بقوة في بلد كبير ومهم كمصر، التي تحتضن أكبر حركتين سياسيتين في القرن الأخير، تنطلق إحداهما من القومية، والأخرى من الإسلام. ويرى الكاتب أن على الإسلاميين كي ينجحوا مراعاة قوة أمريكا ومصالحها، وسيطرة الجيش، وأولويات الرأي العام، ولا شك أنها ثلاثية معقدة تحتاج إلى ساسة ذوي دهاء، ومكر، وطول نفس.
وبعد أن استعرض فيلدمان قصة الربيع العربي، والاحتجاجات الشعبية في عدة بلدان عربية، خلص إلى أربع حجج، هي:
1- الدعوة إلى الشريعة في حقيقتها دعوة إلى سيادة القانون.
2- تتسم الحكومات الديكتاتورية العربية باختلال كبير في التوازن بين السلطات.
3- إضفاء الطابع المؤسساتي على الشريعة هو أكبر تحد سيواجه الإسلاميين، وتطوير العمل المؤسسي، وسيادة القانون، كفيلان بنجاحهم.
4- كان للعلماء في التاريخ الإسلامي سلطة قوية تضبط سلطة الحكام، وتوازنها كي لا يستفرد الحاكم فيطغى.
وفي المقدمة الأصلية للكتاب، ذكر المؤلف أن الدولة الإسلامية منذ نشأتها في المدينة، وحتى سقوط الخلافة، لم تحتج إلى وصف نفسها بأنها إسلامية، فالسلطان المسلم يحكم وفق الشرع المنزل، وضمن أطر دستورية متطورة، ومتسقة مع أحكام الشريعة، بيد أن هذه الصفة الإسلامية بدأت تتداعى في القرن التاسع عشر؛ تحت الضغوط الغربية، والمقترحات "الإصلاحية"؛ التي أدت إلى وفاة الدولة الإسلامية عام (1924م).
واليوم، وبعد عقود من إلغاء الخلافة، تركب الدولة الإسلامية-لا يقصد المؤلف دولة داعش، وتأليف الكتاب سابق على ظهورها-صهوة الجواد من الجديد، متجاوزة بعض التطبيقات الشاذة والمشوهة للنظرية الإسلامية، وأضحى المسلمون من المغرب حتى إندونيسيا؛ يطالبون بجعل الشريعة الغراء مصدر القانون في دولهم. وفي بلدان كثيفة السكان كمصر والباكستان، تطالب الأغلبية بأن تكون الشريعة المصدر الوحيد للتشريع، وفي الانتخابات يمنح عدد كبير من الناخبين أصواتهم للأحزاب المنطلقة من توجهات إسلامية.
ثم شرع المؤلف في الحديث عن محتويات كتابه، حيث يبحث قيام الدولة الإسلامية وسقوطها لا من منظور تاريخي، بل من خلال تفسير الدستور الإسلامي قديماً وحديثاً، مع دراسة لواقع الإسلاميين، ومزجهم بين تحقيق مراد الله، واستعادة الحكم العادل، مع الإفادة من التطبيقات الدستورية والديمقراطية التي لا تصادم النص المقدس.
وأكد أنه سيفيد من تراث العلماء المسلمين القدامى، ولأنه يعرف أن البعض قد يعارضه في الاستدلال بأقوال قديمة، نبه إلى أن الدستور الأمريكي يحدد تقاليده وأطره شخصيات تاريخية راحلة منذ قرون، ولا ينبئك مثل خبير، وليت بعض قومنا أن يعي، ويستحي قليلاً، ويوقر العلماء الذين أفضوا إلى ما قدموا كما يفعل القانونيون في أمريكا وغيرها. ثم نعى الباحث على الغربيين، وبعض العلمانيين من أبناء المسلمين، قصرهم الشريعة على الحدود والحجاب، بينما هي كما يصفها قانون إلهي شامل، حكم الدولة الإسلامية طيلة قرون متعاقبة.
أين كان مكمن الصواب هو عنوان الفصل الأول، حيث يقول المؤلف إن الدعوة إلى دولة إسلامية جديدة صدمت الخبراء الغربيين وبعض أبناء المسلمين، ويؤكد فيلدمان أن العالم الإسلامي بحاجة إلى إصلاح، وأن أنظمة الحكم الديكتاتورية والملكية لم تحقق ما يصبو إليه الناس من رفاه وقوة، ومع ذلك فلم يؤدِ هذا الحال المزري إلى بروز دعوات لحكومات ليبرالية؛ وإنما كانت الدعوة متركزة في المطالبة بعودة الحكم الإسلامي!
وبمنطق بعيد عن التعقيد؛ يحلل المؤلف هذه الدعوة، ويرجعها إلى أنها عودة للأصل، بعد أن استبان للناس فشل النماذج الأخرى، فالحكم وفق الشريعة هو القاعدة المتبعة طيلة ثلاثة عشر قرناً، والنظريات القومية والعلمانية ظواهر طارئة تحتاج إلى شرح ودرس. ويجزم نوح بأن الإسلام قدم لغة سياسية مهيمنة في الشرق الإسلامي، وكان العدل ومقاومة الظلم أبرز سماتها، ولذا طالب المسلمون بعودة الشريعة لموقعها المركزي في المجتمع، وأحسن الإسلاميون استثمار الحنين الشعبي لقيمة العدل؛ فاتخذوه في أسماء أحزابهم.
ومع ما يراه البعض من تسطيح في شعار "الإسلام هو الحل"، إلا أن المؤلف يراه شعاراً بليغاً، معبراً عن الشريعة الكفيلة بتشييد بنية جامعة مانعة، تضبط العلاقات الاجتماعية، وتقيم العدل الاقتصادي وغيره، ولذا فانجذاب الجمهور إلى هذا الشعار وأمثاله إنما هو في حقيقته انجذاب نحو إقامة الشريعة، وإعادة دولة الإسلام الحاكمة بها.
وينتقل الباحث إلى تنبيه مهم، حيث يقول إنه بدا عجيباً لدى الغربيين وأشياعهم من أبناء المسلمين، وصف الدولة الإسلامية على أساس أنها دولة القانون، واعتبروا العالم الإسلامي مهداً للطغاة، وعد أكابر علماء الاجتماع دولة الإسلام نظاماً استبدادياً غير شرعي، وخالياً من السمات القانونية-سبق استعراض كتاب عنوانه: النظام السياسي الإسلامي مقارنة بالدولة القانونية -، وحمل وزر هذا الرأي المجحف ماكس فيبر، وقبله مونتسكيو-ينعت المنهزمون ابن خلدون بأنه مونتسكيو العرب، مع أن ابن خلدون يسبقه بأربعة قرون تقريباً-!
ويرى نوح أن جماعة العلماء كانت تنظم نفسها تلقائياً دون تدخل السلطة، فعلمهم مرتبط بحلقات التعليم والتربية على الوقار، ومركزهم اكتسبوه بالسمعة والقبول الشعبي، وهاتان السمتان منحت العلماء استقلالية وحرية في الحركة والبيان؛ حتى صاروا الكابح الوحيد لسلطة الحكم، دون أن يكون لهم جيوش أو مناصب، وإنما بحجة أنهم حماة الشريعة، ويا لها من فضيلة ضاعت أو ضيعت! وحين يختار الحاكم من صفوف العلماء قضاة خبراء في فهم الشريعة، يصبح القاضي جزءاً من النظام، بيد أنه ملتزم بفتاوى العلماء وفقههم إن كان مقلداً، وبالتالي فالقاضي موظف من جهة، وعالم مستقل من جهة أخرى.
وبعد انتهاء عصر الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، ولدت لحظة تاريخية مهمة في تأكيد سلطة العلماء، فقد كان الراشدون الأربعة حكاماً وعلماء في ذات الوقت، وهي الصفة التي بدأت تتلاشى بعد عصرهم شيئاً فشيئاً، حتى غدت مؤسسة الحكم منفصلة عن مؤسسة العلم، وأصبحت جماعة العلماء المخول الوحيد بتفسير الشرع، وظل الخلفاء بحاجة لتأييدهم واعترافهم، وبالمقابل فهم بحاجة لاعتراف الخليفة بهم كحماة للشريعة؛ لأنهم ورثة الأنبياء الذين يجمعون العلم، ويفسرونه، ويحمون جناب الشريعة؛ بيد أنهم لا يضعون فيها حرفاً زائداً عما في النصوص المقدسة.
وصارت السلطة متقاسمة بين المؤسستين، ومتوازنة بين الحكام والعلماء، ومن أظهر تطبيقاتها، أن الخليفة يختار القضاة، بينما يحكم القاضي وفق اجتهادات العلماء التي يرجحها، أو بناء على اجتهاده كعالم شرعي مستقل، ولا يجرؤ الحاكم على تغيير الشرع؛ لكنه يستطيع عرقلة سير العدالة، فالشرع محمي بسياج يفضح من أراد تجاوزه، ووظيفة الحاكم الأساسية العمل به، وحمايته، وبالتالي فلا يقوى على انتهاكه علانية.
ومع أنه لم يكن للعلماء قوة مادية تحجز الحاكم عن الاستبداد، أو مجاوزة الشريعة، إلا أنه كان لهم الحق في تعيين الخليفة وتنحيته، فهم أهل الحل والعقد، والخلافة ليست حقاً يتوارث، والبيعة تعاقد بين طرفين، فإن أخل الطرف المنفذ بتعهداته؛ فلا شيء يمنع من فسخ العقد!
بيد أن العلماء على مر التاريخ أقلقهم شأن المحافظة على الاستقرار السياسي، ولذا يحذرون من مجرد الجهر بحقهم الدستوري في خلع الحاكم، فضلاً عن تنفيذه! وكان مصدر القوة الوحيد لدى العلماء، هو حاجة الحاكم إليهم لصد أي عدوان داخلي أو خارجي، وهذا أمر نلاحظه في واقعنا، وليت علماء الشريعة يستثمرونه ل*** المصالح الشرعية، ودرء المفاسد قدر الإمكان، فالعلماء الذين لا ينضوي تحت رايتهم أي جندي، يمثلون مصدر سلطة في البنية الدستورية الإسلامية؛ ويا لها من سلطة تنتظر رجلاً قوياً أميناً!
وفي مقابل منح الحاكم الشرعية لتولي السلطة، يطلب العلماء من الحاكم الالتزام بسيادة الشرع، وتنفيذ أحكامه، وتوقير العلماء والحفظة، ولم يكن الأصل لدى العلماء حماية مكانتهم، أو مصالحهم الشخصية، بل إن دفاعهم عن العلم والعلماء مرتبط بخدمة الشريعة، وتوقير أوامرها ونواهيها، وقد جعل هذا الترتيب الدستوري من الشرع سامياً على أي اعتبار أو مصالح، وأضحى الاعتراف المتبادل عاملاً حاسماً في الاستقرار، على أن مكمن الخطورة ظل باقياً؛ إذا ظن الحاكم أنه ليس بحاجة للشرعية التي يمنحها له العلماء، أو اقترف من الموبقات ما يجعل العلماء مضطرين لنزع الشرعية عنه.
ثم حلل المؤلف "ملابسات" تأليف الإمام الماوردي كتابه الشهير الأحكام السلطانية، وذكر بأن الماوردي كان مطلعاً على واقع الحياة السياسية إبان ضعف الخلافة العباسية، وعاصر ضياع هيبة "منصب" الخليفة، على يد قوى مختلفة من البويهيين والسلاجقة، فأوجد مخرجاً شرعياً للحال الذي تعيشه مؤسسة الحكم، وغايته المحافظة على هيبة الشريعة، ومرجعيتها، ومكانة المدافعين عنها، ويقرأ المؤلف تصرف الماوردي على أنه مناورة ذكية للحفاظ على مكانة الشريعة، ودستورية مؤسسة العلم، وأن فعله ليس تسوية انهزامية كما يظن البعض.
ويجزم فيلدمان بأن نظام رقابة العلماء شجع على الاستقرار، وأدى إلى ضبط النفس من قبل السلطة التنفيذية، فالعلماء نخبة محددة واثقة من نفسها وتعمل وفق قواعد معروفة، ومن خلال تفسير الشرع تحد من انفراد السلطة التنفيذية بالقرار، وتمنع عدوانها على الملكية الفردية، وبالتالي فهي تضفي هالة من الشرعية على نظام الحكم الذي يرعى مقاصد الشريعة وكلياتها، وعليه فالشرع ركن ركين في قيام الحضارة، وتأمين التجارة ووسائل الكسب، وكبح جماح السلطة؛ ويحافظ على العمران، ومصالح البلاد والعباد، مما جعل الحركة التجارية في ازدهار ومأمن من تغول الحاكم أو سيطرته. وللدكتور على حسنين رسالة دكتوراه نفيسة بعنوان رقابة الأمة على الحكام، تؤكد هذه النتيجة التي يشترك فيها العامة مع العلماء.
ثم أشار الباحث إلى أن العقوبات البدنية قوية جداً، لكنها تحتاج إلى بينة لا يتطرق إليها الشك، فأصبحت رادعة جداً؛ خاصة في مجتمع للرقابة الذاتية فيه قيمة أعلى من وجود جهاز الشرطة، ولكن تعقيدات الحياة اضطر الدولة العثمانية إلى إصدار تنظيمات إدارية وإجرائية، وحازت هذه التنظيمات على موافقة العلماء الذين اشترطوا التزامها بأحكام الشريعة ومقاصدها.
ثم تطور الأمر بإيجاد منصب المفتي الرسمي، وهي سابقة غير معروفة، وأدى هذا إلى تأسيس إدارة شرعية ضخمة حول "شيخ الإسلام"-صدر لأحمد شقيرات كتاب من جزئين عنوانه: معجم شيوخ الإسلام في العهد العثماني-، ومن خلال هذه التنظيمات الإدارية، أصبح العالم موظفاً في الدولة يترقى، ويعين، ويعزل، وفقدت مؤسسة العلم تدريجياً استقلاليتها التي حافظ عليها العلماء الأقدمون.
ومهدت هذه الاستراتيجية الطريق نحو تجريد العلماء السنة من صلاحياتهم، وفقدوا قدراتهم التي جعلتهم كفة موازية لمؤسسة الحكم خلال عدة قرون ماضية، ودخل في وصف العلم من ليس من أهله؛ وإنما ترقى في درجاته لعوامل وراثية فقط، حيث أصبح أبناء العلماء الكبار في مراتب وظيفية علمية عليا، دون تأهيل مناسب!
ولم يفت على فيلدمان التنبيه إلى أن هذا الأثر المدمر لمكانة العلماء لم يؤتِ ثماره-أي أشواكه القاتلة-إلا بعد مضي ثلاثمئة عام على إقراره والعمل به! وأن سلاطين الدولة العثمانية كانوا يقرون بخضوعهم للشريعة خلال هذه الفترة، بينما استمرت الدولة العثمانية في تطورها الحقيقي، حتى جاءت لحظة جعلت من "الشرع" هدفاً تحت ذريعة الإصلاح، وهنا حان أفولها الذي آل لسقوط مؤلم.
ولذا جعل عنوان الفصل الثاني الأفول والسقوط، حيث أدت عدة عوامل مجتمعة إلى ضعف الإمبراطورية العثمانية خارجياً، مع شيوع الفوضى داخلياً، وانتشار مظاهر الخلل الإداري، والفساد المالي، والتخلف العلمي والحضاري. وقد اختلف رجال الدولة في تفسير هذا الانحطاط؛ وبالتالي تباينت سبل علاجه، لكن الصوت الأقوى، الذي درس في الخارج، ويتمتع بعلاقات دولية، وصلات متينة مع السفارات، كان يرى في التغريب حلاً ناجعاً لأمراض الدولة، وأسماه بالإصلاحات أو التنظيمات، وعزز من قوة هذا الصوت مساندة القوى الكبرى له.
وبين عامي (1839-1876م) صدرت سلسلة من الإصلاحات عرفت باسم "التنظيمات"، وشملت شؤوناً عسكرية، ومالية وإدارية، والأهم أنها شهدت "إصلاحات" قضائية جذرية، تبين أن أثرها أكبر مما كان متوقعاً حين وضعت، ويمكن تقسيم هذه الابتكارات القانونية والدستورية إلى قسمين:
الأول: التقنين، ويعني اختزال مضمون الشريعة في قواعد.
الثاني: المؤسسات، من خلال إنشاء هيئات مؤسساتية جديدة، وإدماجها في النظام الدستوري القائم.
ويزعم المؤلف بأن هذه الإجراءات القانونية والدستورية معاً أزاحت طبقة العلماء بل ودمرتها؛ دون أن تضع بدلاً عنها أي مؤسسة أو كيان اجتماعي؛ لتحقيق التوازن مع السلطة التنفيذية، وكان من نتائجها المباشرة فتح الباب للحكم العلماني، وإلغاء رقابة مهمة على السلطة التنفيذية، مما مهد لسلطة مستبدة مطلقة، وهو النموذج الذي غدا مهيمناً في العالم الإسلامي خلال القرن العشرين، ونجم عن هذه المآلات مآس وويلات؛ زادت من توجه الناس نحو تأييد الحكم الإسلامي والمطالبة به، وهو تدبير رباني عجيب أن يكون إقصاء الشريعة سبباً رئيساً لتمسك الناس بها، ومطالبتهم بعودتها.
وركز التقنين العثماني في بداياته على قضايا تقع بعيداً عن نصوص الشريعة؛ تجنباً لمصادمة العلماء، وصار القاضي المطلع عليها أشبه بموظف إداري عصري، يطبق نظماً مجموعة في مصدر واحد، دونما حاجة لترجيح أو تفسير. وكانت الخطوة الثانية في التقنين جذرية إذ شملت الأحوال الشخصية فيما عرف ب"المجلة"، ووضعته لجنة من العلماء والخبراء بين عامي (1869-1876م)، وأدى هذا التحول في مفهوم الشريعة من نصوص تحتاج عالماً يفهمها، إلى مجموعة قواعد مقننة، لتحول في المعنى الاجتماعي لمؤسسة العلم حامية الشريعة، فقاد التقنين إلى تفادي الحاجة التقليدية للعلماء، واضمحلال دورهم، وانتقلت سلطتهم إلى الدولة، ولم يعد للنص الشرعي حجية إلا إذا أدرج في وثيقة قانونية يصدرها الحاكم.
ويقول الباحث لو أن سمة التقنين الضمنية هذه كانت واضحة للعلماء وقت صدور المجلة، لكان من المتوقع أن تجابه بمعارضة أكبر مما حدث، سواء بمنع عملية التقنين ذاتها، أو باتهام الدولة بالاعتداء على حق الله في التشريع والحكم، وهو الأمر الذي يعتبر كفراً، وهذا ما لم يقم به العلماء، بل اكتفى المفتي بمراقبة عملية التقنين بدلاً من وقفها، وبذلك فقدت مؤسسة العلم مكانتها الدستورية شيئاً فشيئاً.
ويتحرز المؤلف من تفسير "سلبية" العلماء تجاه عملية التقنين، ويؤكد أن تفسير عدم التصرف من أصعب التحديات التي تواجه المؤرخ، خاصة أن الناس يفسرون غالباً أفعالهم، وليس إحجامهم. ومع تحرزه اجتهد في تفسير صمت العلماء، وأرجعه إلى أن المفتي الأكبر اختار جماعة من العلماء، وأدرجهم في عضوية هيئة التقنين، وكان مضمون التقنين إسلامياً في قالب غربي، واعتمد على الفقه الحنفي الرائج في الدولة العثمانية، وفوق ذلك لم تُقدم المجلة على أنها المصدر الحصري للقانون المتبع في المحاكم، وكانت أشبه بالمراجع العلمية المدونة مع اختلاف جوهري يتمثل في وقوف الدولة خلفها.
ويضيف د. نوح سبباً محتملاً لصمت العلماء عن عملية التقنين، وهو أنهم أصبحوا فئة إدارية مندمجة ضمن مؤسسات الدولة، وبالتالي رأوا أنفسهم والعلم الذي يحملونه جزءاً من الإصلاح؛ وليس ضحية محتملة له، ولم يتوقعوا أن يحل الدمار بمؤسسة العلم وبمكانتهم تبعاً لذلك من جراء التقنين، ويقول المؤلف بأن العلماء لو حافظوا على ارتياب أسلافهم من الخدمة الحكومية، لكان موقفهم من التقنين أقوى وأحزم.
ومن تبعات التقنين أنه يمكن اختيار القضاة من طبقة الإداريين المدربين قانونياً، وهذه الفئة ليس لها أي تقليد سابق في الاستقلال عن الدولة، والحكومة في خلدهم هي مصدر القانون، وبالتالي عاملوا أجهزتها على أنها فوق الشريعة! وظل القاضي الشرعي محصوراً في شؤون الأسرة، وبذلك يكون التقنين الحلقة الأولى في سلسلة من التنظيمات التي مهدت لإقصاء المؤسسة العلمية، دونما إيجاد بديل يقف في وجه تغول السلطة التنفيذية، التي ازدادت شراستها مع الأيام، وانعدام القوة المعادلة لها.
وأما الحلقة الأخرى فكانت إنشاء مجلس أعلى للتنظيمات القضائية، يعمل مثل محكمة الاستئناف وتزيد بصياغة التشريعات الجديدة، وبعد تجارب عديدة انقسمت إلى هيئتين واحدة تشريعية، والأخرى قضائية استئنافية. ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى إنشاء هيئتين تشريعيتين منتخبتين، عبر غرفة للنواب، وأخرى لمجلس الشيوخ، ومهمتها التشريع، وكأنهما إلغاء لوظيفة العلماء التقليدية المتمثلة في إعلان مضمون الشرع.
وغابت بذلك فكرة الشريعة التي تسمو على ما سواها، وتقر كامل النظام الدستوري، وأضحت سلطة الإسلام تابعة للسلطة التي تصدر الدستور وتقره، ومع أن هذه الترتيبات نقلت عن الغرب، إلا أنها تحاشت تقليص دور السلطان؛ بل جعلته المرجع الأعلى للسلطة، خلافاً للنفس الغربي الديمقراطي، في حين أقصت هذه النظم الشريعة عن مكانها الأساسي! وأصبحت الدولة كياناً شمولياً سيادياً في سابقة لم يعرفها المسلمون.
ثم عرج الكاتب على ما وصفه بالاستثناء السعودي، وهو وجود طبقة من العلماء توازن كفة السلطة الحاكمة، ومرد ذلك إلى أساس التعاقد بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود، خاصة أن السعودية لم ترث قواعد تنظيمية من الدولة العثمانية، ولم تخضع لاحتلال أجنبي مباشر، وليس لها دستور تفصيلي مكتوب، ويتكرر تأكيد المرجعية الدستورية للقرآن والسنة، وهما المصدران الشرعيان اللذان لا يحسن التعامل معها إلا أولوا العلم.
ومع أن النفط قلل من مكانة العلماء؛ لأن المال يرضي غالب الناس، وبالتالي فلا حاجة لاستجداء الشرعية دوماً من العلماء، إلا أن السلطة التنفيذية أبقت على علاقاتها الوثيقة مع طبقة العلماء ومؤسسة العلم، وظلت ترجع إليهم خاصة في الخطوب التي تمس كيان الدولة أو أصل شرعيتها، وهي على ثقة بأن هذه المؤسسة قابلة للموافقة على جلِّ ما يريده الساسة، إن تحت وطأة الضرورة أو المصلحة، وأحياناً بالمغريات الدنيوية من مال ومنصب وجاه، وبالتالي فإن الصورة ليست سليمة تماماً، وإن وجدت جميع مكونات عناصرها المألوفة، وهي عناصر تتجاذب طوراً، وتتنافر طوراً آخر، بيد أن لها حدوداً لا تتجاوزها، وخيطاً دقيقاً لا ينقطع.
نهوض الدولة الإسلامية الجديدة هو عنوان الفصل الثالث، واعتبر المؤلف أن نداء العودة لتحكيم الشريعة وسيادتها جاء من حركات سياسية إسلامية، ولم يأت من العلماء حماة الشريعة، وهو أمر مثار استغراب حقيقي، وكانت دعوات الإسلاميين تتضمن العودة إلى القرآن والسنة مباشرة، وهو ما رآه المؤلف تخلصاً من احتكار العلماء للشريعة ومؤسساتها، وقد يكون تعليله صحيحاً إذا استعرضنا كثيراً من النماذج المشيخية التي استخدمتها الأنظمة الاستبدادية.
واستندت هذه الحركات في دعوتها إلى الحنين الشعبي الجارف للعودة إلى الإسلام، وأفادت من لفظ "العدالة" في أسماء الأحزاب الإسلامية، والعدالة كناية عن اختيار الإسلام منهاجاً وحكماً. واستثمر الإسلاميون وجود العلماء كمستشارين، واقتبسوا الشكل الغربي للدستور ليكون أكثر قبولاً لدى القوى العالمية والجيش، مع حفاظ مضمونه على المحتوى الإسلامي، وإلزام أي هيئة تشريعية بالرجوع إلى الشريعة في قرارتها ونظمها، مع منح القضاء المستقل سلطة المراجعة والتدقيق.
ويرى المؤلف أن الإسلاميين أخطأوا في تجافيهم عن العلماء، وتهميش مؤسسة العلم، فإن الشريعة لا مناص لها من عدول يحمونها، ويذبون عنها الزيف والتحريف، ولا يمكن لمؤسسات الدولة أن تكون شرعية تماماً دون الإفادة من رأي العلماء الخبراء بالشرع ونصوصه المقدسة، فضلاً عن كونهم طبقة تمنع السلطة الحاكمة من التفرد بالأمر. ثم تحدث د. فيلدمان عن الخيار الإيراني، وتجربة ولاية الفقيه، وكيف أنها فشلت في ممارسة السلطة، وتحقيق العدل المنشود شرعاً.
ويختم المباحث هذا الفصل مؤكداً أنه لا مفر من كون الشريعة هي الملاذ الأخير، فالشعوب الإسلامية سئمت من الأنظمة على اختلاف توجهاتها لاستبداها، وفسادها، وتضييعها هوية الأمة ومصالحها. كما يشير المؤلف أن أمريكا وغيرها من القوى مضطرة للقبول بشكل من الحكم الإسلامي، وأن الأنظمة الحالية لا تستطيع الاستمرار في الحكم دون إشراك الإسلاميين، والاعتماد على الشريعة، على أن يسترجع العلماء مكانهم الحقيقي. وفي الخاتمة كرر المؤلف رؤاه وما يعتقده الأنسب، محذراً من تكريس حقيقة أن العالم الغربي، والمستبدين المحليين، يقفون حجر عثرة أمام العدالة الإسلامية المبتغاة، مما قد يؤدي إلى ثورة شاملة.
وإن بركة العلم تشمل الدين والدنيا، وأمور السياسة والاقتصاد، والاجتماع والثقافة، ولو أن أهل العلم صانوه عن الابتذال، وتفطنوا للمكائد والدسائس، والمكر من الطغاة والمفسدين، وأخلصوا عملهم، وزكوا علمهم، وأدوا واجبهم الشرعي بالبيان، والرقابة، والإصلاح، لما آلت سلطتهم إلى ما هي عليه من غياب أو انتهاك، ولعرف الحاكم أن أمامه مؤسسة قوية، توازي سلطته، وتردعه عن التجاوز، وأن وراءها تأييد شعبي كبير، وكفيل بأن يحسب السياسي له ألف حساب؛ خاصة إن أحسن العامة التصرف، وتكاملوا مع مؤسسة العلم المستقلة المحافظة على الشريعة، والراعية لمصالح الناس.

---------------------------------------------