المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفازة حرف


يحــــــي عباسي
07-25-2015, 02:25 PM
مشى في مفازة لا أفق لها , لا زاد يقيه من هذا الاتساع الذي يتوالد من بعضه البعض , كان في قرارة نفسه متأكد أنه قد يهلك قبل أن يتم رحلته ’, و لكن رغبة ملحة تدفعه إلى اقتحام الأمام الذي يواجهه , كان لا يعد المسافة و لا ينتبه إلى ما حوله فقد كانت صور كثيرة تشغل نفسه , و تسيطر على عقله , المسافة في نظره تلك التي يشعر بها بداخله , في بعض الأحيان يخيل إليه أن أفقه يخلق له مستقرا فيقف ليستبين الأمر رغم أنه يعلم أنه مجرد سراب , و لكنه يسلي نفسه و يحاول أن يقنعها أن نهاية المشوار قريبة .
لم يكن يحمل في جرابه القماشي إلا بعض الحروف التي لا تكمل الأبجدية و لا تُكَونُ من ذاتها ما يريده من الكلمات , كانت الحروف تُصدر صلصلة إذا ما اصطكت مع بعضها , فيطرب للصوت الصادر منها الذي يقتل الوحشة التي تلفه , كما كانت كل المعاني محفوظة في جيبه عارية كحقيقته , لينة كواقعه , لا تقوى على التلبس بحروفه الناقصة , و لا أن تتصلب في قوالب الجمل , إنها معان ناقصة لم تبلغ رشدها بعد.
رغم كل هذا كان يستمر في المشي , و كأنه قدر استسلم له فلا يعارض و لا يحاول أن ينفك عنه . ما يزال على طرف الورقة , و هو إلى الآن لم ينثر حرفا , كيف يفعل و حروفه ناقصة , حاول أن لا يلتفت إلى خواطره الموجعة فهو يشعر أنه رجل بلا معنى .
على حين عرة وجد حرفا ملقيا على أرضه , كان حرفا ماسيا يشع نورا , التقطه مسرورا بما وجد , فهذه اللُقطة لم تكن مما جمعه و كان له , وبعد برهة أحس أن جرابه القماشي ينتفض لم يكن إلا حرفه الماسي الجديد الذي لم يصبر على تفرده فبدأ يطلب تكملته , طرحه على الأرض فاستكان و جلس يرقبه متأملا جماله الأخاذ , و قد دخل حيرته بين أن يأخذه و لا يقدر على ما يطلبه و بين أن يدع هذا الحسن الذي لم ير مثله . طال به الزمن على تلك الحال حتى غلبه النعاس فنام بجانب حرفه , و من زمن بعيد لم يذق طعم النوم , إن لهذا الحرف سحرا .
من نومه العميق الهادئ انزلق إلي مدنية الحلم فرأى عروسا سألته حرفا ماسيا ضاع منها .
- هو عندي في جرابي هذا ....
- الآن فقط اكتمل .
في حركة سريعة فتش جرابه مرتعشا و لكنه سرعان ما عاد بوجهه إلى العروس التي تقابله مشدوها لم يجد الحرف .
- هات أنا انتظر ..
- .....في كلمات تخرج من شفتين مرتجفتين خاطبها : لقد نسيته مرميا على الأرض حيث كنت نائما .
- عد إليه .
- و لكن لو عدت فقدتك ,.
- و لو بقيت معي بلا حرفي لم اكتمل..
- كيف؟ كيف أعيش بحقيقة نصفها واقع و نصفها حلم
- عد وابحث إني وحرفي الضائع في نفسك , إن بين الواقع و الحلم ستارة مصنوعة من النفس , ألا تجدني كاملة فيها ألا تجدني عروسا متزينة لك لا ينقصها إلا حضنا منك , إن الانكسار صنيعة صور خلقها لأنفسنا ثم نصدقها إن ما تراه حلما ليس إلا واقعا تحاول أن تجمله بضباب الحلم . مد يدك لواقعك و التقط حلمك أو مد يدك لحلمك و التقط واقعك , بكاءك تحت الستارة لا يجدي . أميري ...الكلمات و الحروف لا تكون حتى يكتمل المعنى فأنظر إن اكتمل ما أعنيه لك عندها ستجدني أمامك .
- علامات الدهشة اكتسحت وجهه من كلامها و لكنه سرعان ما تدارك ما هو فيه قائلا :
- كيف افعل؟
- تخلص من الستارة ....واجمع ذاتك المبعثرة في غيرك , حاول أن تخرج من ظل أفكارهم إلى وهج ما تؤمن به , إن كلام الناس ما يزال يسد ثقوب نفسك فيمنعك أن تتنفس ذاتك , و لن ترى الحقيقة حتى تعاين وجهك بلا ندوب الكلام , أميري ...الحب اكتمال النفس بذاتها .
أفاق من غفوته و كلماتها تتردد في تجاويف عقله , ليجد حرفه مازال ملقيا على الأرض و قد داهمه الليل , و لاحت النجوم في عليائها , و قد رسمت وجهها على صفحة السماء , أيقن أن أفق مقره قد قرب لأنه أحس أن نفسه تتخلق من جديد فقد خلف في مكان نومه الستارة يمزقها هواء الليل في تلك المفازة.

Eng.Jordan
07-26-2015, 08:41 AM
تشرفت بقراءة هذا النص ..



كل التقدير لك ولقلمك وحروفك الراقية

يحــــــي عباسي
07-26-2015, 03:43 PM
لي الشرف أن أكون قلما من أقلامكم الراقية