المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أزمة الواقع وأزمة الفكر السياسي العربي


محمد خطاب
07-27-2015, 07:27 PM
أزمة الواقع وأزمة الفكر السياسي العربي
عمل العرب على الانفصال عن الدولة العثمانية وتفكيكها تحت راية الانجليز ، ودخل مع الانفصال مشارب فكرية جديدة خارجة عن دائرة الاسلام ، الذي لم يكن خارج الوعي العربي يوما من قبل ، وتم التقسيم مع سايكس بيكو 1916 ، ولتكريس الانقسام انشئت الجامعة العربية تحت بند العمل على الوحدة العربية ثانية ، ولكنها كانت لتأكيد سياسة كل دولة مقابل الأخرى .

أحدثت الثورات تغيرا في العالم العربي والتي كان على رأسها دعاة القومية والوطنية ، ولتظهر أولى دعوات الوحدة العربية بين مصر وسوريا ، ويكون سقوطها سريعا وتفشل أولى التجارب الوحدوية ، وكان من أسباب فشلها العقلية العسكرية وسوء سلوكهم في الحكم وإدارة البلاد ، عدا عن كونه لا توجد رؤية متكاملة ضمن الفكر المطروح لدولة الوحدة .

وجاءت حرب 1973 لتخلف لنا اتفاقية كامب دافيد ، لتؤكد الانفصال الأخير بين فكر الوحدة العربية وممارسته . ولتعلن انهاء الالتزام بالمشروع الوحدوي العربي ، وكذلك بدا العد التنازلي للتضامن العربي ضمن مشروع قطري ترسمه حكومات تطرح فكرا سياسيا لا ينتمي إلى مقومات الأمة ، ولا يعمل على إعادة اللحمة العربية أو يسير في طريق التعاون العربي المشترك . أو بناء الثقة بين أبناء القطر الواحد .
وقد تمثل ذلك في :
* نشوب حرب أهلية في لبنان عام 1975
* حرب أهلية في السودان عام 1983 عمل على ادامتها دول عربية
* حروب وصدامات عربية عربية ( مصر وليبيا ) ، ( المغرب والجزائر ) ، ( قطر والبحرين ) ..
* استباحة اراضٍ عربية من دول غير عربية واحتلالها ، لم تجد صدى لها في السياسة العربية :
- احتلال عاصمة عربية ( بيروت ) من الصهاينة ، ويقف العرب متفرجين على ضرب وإخراج المقاومة منها (1982).
- الحرب العراقية الايرانية ( 1980 ) ، وقد تبين هنا تردي وانحطاط الواقع السياسي العربي ، حيث كان التحول الأخطر ، وهو وقوف بعض الدول العربية والتي ترفع شعار القومية العربية مع إيران في حربها ضد العراق ، وكانت تزود إيران بالصواريخ والأسلحة .
- احتلال العراق للكويت وهو سيناريو جديد في العالم العربي ، أن تحتل دولة عربية أخرى ، وليكون ذلك مبررا للغرب وأمريكا والصهاينة ضرب العراق وتحطيمها ، بعد ان كانت اليد العربية الضاربة والحاجز أمام أطماع ايران في المنطقة ، والتي كانت تشكل أول خطوات التوازن الاستراتيجي والعسكري مع الصهاينة .

وأطلقت الرصاصة الأخيرة على أي مشروع وحدوي قومي في وقوف دولاً عربية كثيرة مع أمريكا لتحارب العراق وتدمره وتحاصر شعبه ليموت الملايين منهم جراء الحرب والحصار .
وتكرر الحصار على ليبيا في أزمة لوكربي ، بل إن مصر وتونس كانت أول من صوت ضد رفع الحصار عن ليبيا لمصالح اقتصادية جنتها جراء بقاء الحصار .

وتحول الحال إلى أسوأ حال جراء حصار غزة وتجويع أهلها وتشديد الحصار الخانق عليها ، وتقوم مصر بالدور الفاعل والأول في تنفيذ برنامج الحصار الصهيوني الأمريكي العربي ، وبتحريض من السلطة الفلسطينية والتي طالبت فيما بعد بقصف غزة عربيا .

وهكذا دارت مصر في الفلك الصهيوني عملا وإعلاما ، ليخرج علينا الإعلام كل يوم يتحريض على حصار غزة وضربها وشن الحرب عليها ، ومن إعلامييهم من رأي أن غزة من يمثل الخطر الحقيقي وليس (اسرائيل ) ، فإسرائيل دولة شقيقة وجارة وجب احترامها والتعامل معها .
هكذا يتحول الأمر من تفكك الى تفكك تدريجيا ليكون التحالف مع ايران والصهاينة له مبرراته وليفقد الوجه القومي كل وجوده ومبررات بقائه ، وأصبح العداء الداخلي أكبر من العداء الخارجي بناءً على الاختلاف الفكري بين الفرقاء .
وتصبح اسرائيل دولة صديقة وإيران دولة حليفة ، ويقوم رئيس عربي بإرسال التهنئة الى دولة الصهاينة بمناسبة قيام دولتهم على أشلاء الشعب الفلسطيني ، وأكثر من ذلك ان تقوم دولة الامارات العربية !! بالتجسس لصالح ( اسرائيل ) أثناء الحرب على غزة .

هذا الانتقال المرعب من معسكر الإشقاء الى معسكر الأعداء تضامنا معهم ومساندتهم إعلاميا وعسكريا ، هذا يمثل أزمة كبيرة خلقها نظام حاكم تبني سياسة قلبت محاور الصراع العربي الصهيوني ، ليصبح عربي الوجه فقط ،وتخرج ( اسرائيل ) من صورة العدو الى الحليف والصديق ، ويصبح العداء بين العرب أنفسهم .

هذه الخصوبة الأزموية التي تحل بنا من أصحاب القرار بالهروب إلى الأمام باتجاه التخلي عن الثوابت المشتركة عربيا وإسلاميا ، ويكون الانتقال من الأسوأ إلى الأسوأ منه .
ويصاحب ذلك كله فلسفة الذل الواقعية والتبرير لها ، التي ترضى بالأقل سوءاً وتوقيا من الأكثر سوءاً ، ولكن سلسلة التنازلات لن تنتهي ابدا .
هذه الأزمة التي يواجهها المجتمع العربي هي أزمة من النوع المسدود ، تترجم يؤس الفكر وبؤس الواقع ، لا تنفرج عن أي تغيير ولا حل قريب سوى ازدياد الفرقة والقطرية والابتعاد عن القضايا العربية والتخلي عن ثوابتها ، أملا في حل يماشي الوهن الذي أصاب أصحاب القرار النابع من الخوف على مكتسبات شخصية أولها كرسي الحكم ، ومن قبل الشعب ذاته راضيا مبررا لما يفعل بشقيق عربي .
وامتدت أزمة الواقع والفكر العربي الى داخل القطر نفسه ، فلا مانع عند الكثيرين من قتل من يسكانه الوطن ترسيخا لكرسي الحكم ، وتأكيداً على فكر يبرر لواقع كل منهما يحمل صفة البؤس الممتد .
وظهر هذا جليا مع الربيع العربي ، حيث ظهر بؤس الواقع لهؤلاء وفكرهم حيث تدمر البلاد ويقتلون يصاحبة إعلام فاسد يزيد من مساحة البؤس مبررا لها دون خجل ، وكذلك من الشعب نفسه من يرى انه لا ضير بالقتل والتشريد والحصار لمن يخالف فكريا او نهجا او رأياً .

مع هزيمة يونيو \ حزيران 1967 انكشفت الأزمة اكثر عند النظام الحاكم وامتدت الى الفكر والواقع ، وظهرت الأزمة ذاتها في حاملي الفكر وطالبي التغيير ، وأصبح الاتهام يشير الى المؤسسة العسكرية الحاكمة ، غير ان الاتهام امتد ايضا إلى المجتمع العربي وكتّابه ومفكريه الذي مؤسسته العسكرية جزء منه .
وكانت كل مظاهر التحديث التي طالت المجتمع ذاته استخدمت واستغلت دوما وبالأساس لحماية الأمن الداخلي للدولة القطرية ونظامها الحاكم .
لا ننسى بالطبع الاقلام التي قاومت كل ذلك والتي كان يحاول اسكاتها او شراءها ، وكان يكسرها إن لم يستطع .
وأصبح معلوما ان كل نظام سلطوي يتأسس على القمع لا يمكن إلا أن يسخر كل طاقات المجتمع بما فيه الفكر لخدمة اهدافه وتوجهاته .
فعلى مدي عقود طويلة رسخت هذه الانظمة في الوعي العربي ، عداءها للدين وإظهاره بمظهر التخلف والعمالة ، والقدح كل القدح بمن يتبنى الخطاب الديني الاسلامي . حتى بات التعامل مع هذا الوعي تلقائيا من الشارع العربي ، وبدون تفكير أو مراجعة .

إن الأزمة التي يتخبط فيها الواقع السياسي العربي ، ليست أزمة تُعزى إلى تراكم متنامٍ في التجارب السياسية بقدر ما تُعزى إلى تجريب عشوائي ينم عن المصالح الضيقة ، الإقليمية والطائفية والحسابات الذاتية , وأن الفكر السياسي الذي يفترض ان يحل هذه الأزمات والإشكاليات
ظل مشدوداً إلى قشرتها الخارجية يتعامل معها كما لو كانت ظواهر مفصولة عن خلفياتها التاريخية والمجتمعية . مما سمح لها بالظهور بقوة وعنف عندما ضعفت اليد الحديدية القابضة عليها فيما بعد .
هناك غياب للجماهير العربية عن المشاركة في القرار ، مما يعني الحد من الحريات وتقليصها الى أقصى صورة للتناقض مع الحقوق وعلى رأسها المواطنة ، كذلك رفض كل صوت مغاير ومخالف لصوت السلطة وقمعه والتخلص منه بكل السبل الممكنة وغير المتخيلة .

وعلى هذا النحو استفحلت الممارسات القطرية والنزعات الإقليمية والنعرات الطائفية ، ليبقى الفكر جراء ذلك مشدودا للنظام الحاكم وطروحاته التي هي ذرائعية تهدف إلى اضفاء المشروعية على خياراته وإدارته وقراراته .

مع كل هذا القمع والاستلاب للوطن بحجة بنائه وتطويره ، جرى تدمير الإنسان فيه والذي هو حجر الاساس في أي بناء بقتضيه الوطن ، فلا وطن بدون انسان ، وبغيره يبقى صوت السلطة عاليا دون حسيب او رقيب ، يحتكر الثقافة والفكر ، ولا صوت غير صوتها ، ويختصر الوطن في شخص فيعزى إليه ويسمى باسمه ، وتصل الأنا عند الحاكم العربي عاليا ليخاطب شعبه قائلا ( من أنتم ) ( ولولا أنا لكنتم ) .
كما وتبين انفصال الأحزاب القومية والوطنية والليبرالية والاشتراكية عن واقعها ، وأن كل الشعارات التي رفعتها على مدى عقود وعقود ، لم تعد كونها شعارات لم تتجاوز الحناجر ، وخاصة بعد أن انحازت كلها بالكامل ضد خيارات الشعوب العربية ، حيث عزفت هذه الأحزاب نشازا وطويلاً على معاناة الشعوب وأوجاعها وتطلعها لمستقبل أفضل ، وذلك لمجرد أن برز الاختلاف بين منهجية التفكير فكان اسلامياً .
هكذا تفاعل الفكر السياسي العربي ( إن صحت تسميته بالفكر ) مع واقعه ومستجدات التغيير فيه .
لا شك أن الأزمة قائمة فعلا ، وهي لا تخص الفكر السياسي فقط بقدر ما تخص الواقع الإجمالي لمنطقتنا العربية .

إن الواقع العربي دخل في مرحلة خيار مصيرية ، فإما أن يسير خلال الفترة القادمة إلى تأكيد هويته العربية الاسلامية ، وإما أن بتشرذم الوطن العربي إلى ما لا رجعة فيه في المنظور القريب تحت ضغط الدعوات المختلفة الى انتماءات دينية أو اقليمية أو حزبية أو عشائرية أو طائفية وهي الأبرز حاليا على الساحة العربية .

ويتضح أيضا أن أزمة الفكر السياسي للنظم الحاكمة في كون هذا الفكر ناتجا عن بنى مرتبطة عضويا بأعداء الشعوب العربية ، في كونه أداة هذه البنى لتكريس واقع سيطرتها السياسية ، ويظهر أيضا أنها تحكم بصيغ تجريبية ، وهي صيغ تحكم فكرها وسلوكها السياسيين .
وأن هذه الأحزاب يكمن ضعفها في أطروحاتها البرنامجية ، وأيضا عدم قدرتها على جذب الجماهير العربية لفكرها ، وقد ساهمت هذه الأحزاب فعلياً في تخلف الوعي لدى المواطن العربي بإطروحاتها والذي انعكس على طريقة رؤية الجماهير العربية لواقعها وواقع تحالفاتها داخلياً وخارجيا .
إلا أنه لا مفر من القول إن عناصر الأزمة الذاتية تبقى جوهر الأزمة
محمد خطاب سويدان