المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرابط


يحــــــي عباسي
07-31-2015, 07:34 PM
"الرابط" برنامج ممتع على قناة التميز ناشيونال جيوغرافيك , يعنى بربط الأفكار التي غيرت العالم تاريخيا , و كيف تدرجت في الزمن أي أن لكل هذه الأفكار المتجسدة الآن أمامنا في ما يسمى بالتقنية تاريخ قديم يصنعه العباقرة و ربما شاركت الصدفة التي يقتنصها أصحاب الموهبة .

فكرة البرنامج رغم أنها رائعة إلا أنها ليست جديدة , فالأستاذ مالك بن نبي رحمه الله أشار لهذا الرابط التاريخي الذي يجمع أفكار العباقرة و أهل الإبداع في علاقات كثيرة و متشعبة , فالأستاذ لما ناقش فكرة اختراع "المصباح" على يد ايديسون أرجعها إلى تاريخ طويل قديم , فالمصباح لم يكن لقيطا و لا وليد الصدفة و العشوائية , و عي هذه التاريخية و التسلسل يضعنا أمام مبدأ أن التطور تكديس الأفكار و إيجاد العلاقات المناسبة بينها و التي تخلق الفكرة الجديدة , و محاولة اختراع العجلة ضرب من الجنون و الغباء .

قراءة الرابط هو أساس الموضوع برمته , و في هنا بالذات ينتابنا القصور , وتضعف قدرتنا على القراءة الصحيحة , معتقدين أن الفكرة محض لمع يومض في العقل , الفكرة لها بيئة تخلق فيها و تتطور , و لا يتعلق الأمر بتاتا بكثرة ما في العقل من أفكار و معلومات مجمعة بقدر ما يتعلق بطريقة معالجتها و منه كيفية استثمارها في مكانها و زمانها المناسبين , و لنا في جهاز الحاسب المثال فهو يحاكي العقل الإنساني في عمله , و لك أن تزود هذه الآلة بما شئت من معلومات فلا تنتج شيئا و تنزل لحد أن يكون مجرد بنك للمعلومة و فقط , و لكن عندما تزوده بتصميم العلاقة التي تربط ما فيه من معلومة , فسيتغير الناتج بالكلية من جهة السرعة و التنظيم و الانتقاء و الاختصار ..و غيرها من الميزات التي تعلمها في هذا الاختراع , فما بالك بالعقل الإنساني الذي يفوقه قدرة و تعقيدا بملايين المرات .

إن الضعف في قراءة الرابط و فهمه يفقدنا القدرة على الإبداع , بل و يجعلنا نرى الأشياء خارج نسقها العام و بعيدا عن منطقية تراتبيتها التاريخية , و بهذا فإن عقولنا تتبعثر بينها و لا تستطيع فهم كيف يحدث التطور و بأي الآليات المناسبة , و عدم الفهم يضعف الإبداع بل و يضعف مجرد التفكير فيه , لأن العقل تعود على فصل الأفكار عن بعضها البعض و معالجتها على أساس أنها عينات منفصلة بذاتها و كذا يحدث له مع الأشياء فمثلا يرى السيارة وحدة كاملة و كأنها صبت صبا بكل ما فيها رغم أنها جملة معقدة من الأدوات التي هي جملة من الأفكار كل منها لها كما للإنسان مراحل حياة ماض و حاضر و مستقبل .

إشكالية العقل المسلم أنه عقل ذري لا يتحمل قسوة التجميع , و لا يحسن قراءة شيفرة الروابط التي تؤسس الشبكة العامة .

هذا الإشكال ليس من ذات العقل و ليس طبعا فيه , بل هي برمجة قديمة نوعا ما , و إذا اعتبرنا أن هذا العقل الذي دخل التاريخ يوم أن أعيدت صياغته و برمجته ببعثة محمد صلى الله عليه و سلم , التي ربطته بالسماء و أغنته عن الكثير من المبهمات التي لم يجد لها تفسير , و حددت له المناطق الحرة التي يمكن أن يمارس فيها مواهبه , و كشفت له عن الروابط بين الأشياء في الكون و كيفية قراءة الكتاب الكبير حيث كان أول مبدأ "إقرأ باسم ربك الأكرم" , لأن أي قراءة لا تبدأ بهذا الاسم ستنهار بعد حين أو تشط عن حدها المرسوم و تدخل في منطقة الخطر . ثم زودته ببرمجة متجددة حاضرة كلما أحس بذرات الانحراف بدأت تعطل عمل تروسه فكان القرآن الهادي .

و لكن العقل غالبا ما يحاول الانفكاك عن برمجته الأولى ليخلق لنفسه البرمجة الخاصة به , و يتضخم , و شيئا فشيئا يستبدل كل ما كان بما يخلقه هو و عندها و لا ريب يصطدم بمبهمات و يواجه عوائق لا يستطيع فهمها إلا باستعارات خاطئة , هذا ما فعله العقل المسلم , يوم غرته قدرته و شطت به بعيدا عن الهادي و صيره كتاب مزخرف .

و عليه إذا أردنا أن نتقدم و نمارس حقنا في التطور و الإبداع يجب أن نبدأ بقراءة تاريخية إرشادية تهيئ العقل ليبني العلاقات المناسبة بين الأفكار و الأشياء , و أن يتعامل مع كل المخترعات الحديثة على أنها كائنات حية لها قصة حياة و لها شجرة عائلة , و لا يتم هذا الأمر خاصة في العقل المسلم إلا بإسقاط التفسيرات الخاطئة و برمجة العقل على التصميم القرآني الأول من فم الرسول صلى الله عليه و سلم , فهذا التصميم الفريد هو الوحيد القادر على ضخ العقل بمادته الحافظة من ناحية و المبدعة من ناحية أخرى . و غير هذا لن نستطيع الحراك و سنظل كما نحن نرى الأشياء كالشواد الطائرة لا نظام لها و لا غاية .