المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قرآن الجنائز


يحــــــي عباسي
07-31-2015, 07:36 PM
القرآن كلام الله , ليس للجنائز فقط , هذا باختصار , و لكن للأسف بات الكتاب الأقل قراءة و الأبعد عن العقول و النفوس رغم أنه الكتاب الأكثر حملا في الصدور . و لكنه بلا فاعلية , لا لأن القرآن نفسه لا يحمل هذه الخاصية و لكن لأن الذات المتلقية تعطلت بداخلها القوى الفاعلة فيها , و تغير أسلوب تعاطيها مع القرآن و ما جاء فيه من الهدى و البينات .

قد دخلت على النفس المسلمة مستجدات حولت حركتها سكونا , وفهما تشويشا , و عملها خمولا و كسلا , على النقيض تماما من عصر النبوة و ما بعده حتى عصر ما بعد الموحدين كما حدد ذلك الأستاذ مالك بن نبي , أين خرج المسلم من دورة الحضارة ليبقى متفرجا عليها و قد سلمها إلى أمم أخرى , و هذا الخروج و لا ريب لم يكن بإرادته المحضة , أو على الأقل ليس بوعيه الكامل . ولا يعني هذا أنه لا يتحمل مسؤولية الحدث بل على العكس تماما فهو يتحمل الوزر كاملا غير منقوص , لأنه لم يراقب نفسه و يرصد حركته , و تعامل مع عناصر الفساد التي داخلته بسذاجة , و استهتار .

إذا اعتبرنا أن مخطط الأستاذ مالك بن نبي الذي وضعه لدورة الحضارة مقبولا , حيث تكون في مرحلتها الأولى دفعة يتحكم فيها الدين و ما ينتجه من القوى الروحية حتى تصل إلى مرحلة العقل و سيطرته على الحياة ثم تصل إلى نقطة يبدأ المنحى الحضاري في الانهيار و هي المرحلة التي يطغى فيها الترف و يفقد العقل تحكمه , و تبدأ أشكال الحضارة في التحلل حتى لا يبقى منها إلا مظاهرا غير مترابطة و لا منطقية بينها . و هذا ما نحن عليه الآن فرغم ما نملكه من إمكانات بشرية و مادية فنحن لا نستطيع أن نجد العلاقة الصحيحة بين الأشياء , لأننا في الأصل نفتقدها على المستوى الروحي و العقلي .

القرآن بالنسبة للمسلم أو من المفروض أن يكون الترمومتر الذي تقاس به الأفكار و ما ينتج عنها من عمل , فهو المرجع المنظم لكل توتر يصادف الإنسان و يمنعه من السقوط في التطرف عن اليمين و عن الشمال , فهو يخاطب الفطرة الإنسانية , و يعرف الانحناءات التي تتخللها , لذلك فقد كان رسول الله يتخلق بالقرآن و يحفظ نفسه من الخروج عن الجادة و قد علم أمته ما علمه من ربه , لذلك نجد أن العصور الأولى من الإسلام عندما كان القرآن فيها حركة فعلية تساموا في السلم البشري , و ترقوا في مدارجه حتى لامسوا عنان السماء , و انفتحت أمامهم السبل للسيطرة على نصف الكرة الأرضية , إن الدفعة القرآنية الأولى هي صاحبة الفضل على مرحلة العقل أين تمدد و سيطر في أواخر العصر الأموي و العصر العباسي , رغم أن الإشعاع الروحي لم يخفت بالكلية , بل مازال يساند العقل في مهامه و يرسم له حدوده التي لا ينبغي أن يتجاوزها , حتى أفلت من الرقابة و بدأ العمل لحسابه الخاص , و ألقى بكثرة التأويل و التفسير و بات القرآن نصا و قد كان كلام الله رب العالمين , و النص معرض لتدخلات قد لا تكون في محلها , صار العقل هو الوجهة و ليس النص , و خضعت الناس له لأنه تضخم و أظهر نوعا من القوة و الجبروت , غير أنه بدأ في إفراز هرمونات قاتلة , فيشط عن ملكيته الخاصة ليدخل في المناطق المحرمة و غير واضحة المعالم بالنسبة له , فظهر التصوف و تأويلاته , و الفلسفة و مناهجها , و علم الكلام في العقائد , و كثرت الفرق و الجماعات مثل إخوان الصفا , و المعتزلة , و الأشاعرة , و القدرية و الجبرية ...عدد لا يحصى منها كلها تدعو إلى نفسها و تحاول السيطرة على سوق الفرق , فكانت المعتزلة أشدها خطرا و استطاعت أن تصل إلى أقصاها في زمن المأمون أين كانت محنة الإمام أحمد بن حنبل , و المعتزلة هم "إخوان" العصر اليوم .

العقل عندما تغره قدرته , و يعجبه تمكنه ينتقل من التوازن المعروف عنه إلى الترف و خلق الألغاز , و إخضاع نفسه للتجربة , الأمر الذي ينطبع على الحياة العامة و يخرجها عن الحد المقبول لتدخل في حيز الاستهتار و اللامبالاة , حيث ترتخي القبضة العقلية و يؤخر المعطى الروحي المنظم , و تنطلق الغريزة من مكامنها , لتحل الغزل و تشوش الصورة , و تفكك العلاقات , فيكثر الشذوذ الفكري و يطفو للسطح جيف " النخبة" التي تطلق دسم الانحلال و التفسخ , في هذه المرحلة يكون المجتمع قد ترك الدورة الحضارية , و استنفذ قدرته , و تحول من موقع الفاعل إلى موقع المتفرج .

جاهد الكثير من المفكرين و الأئمة في إرجاع الناس إلى القرآن , و لكن الكثير منهم لم يتخذ الأسلوب الصحيح , و الطريقة المثلى , فمنهم من أراد أن يوفق بين القرآن و المناهج العلمية الغربية في محاولة لإثبات أن القرآن يتحمل هذه المناهج و هو ليس بعيدا عنها و عن الحياة العلمية مثلما فعل محمد عبدو , و رشيد رضا , و منهم من أراد أن يظهر جانبه البلاغي " المعجز" لعل الناس تعود إليه لما تراه من إعجاز مثل سيد قطب , و بنت الشاطئ , محمد صادق الرافعي , و الشعراوي , و هؤلاء نسوا أن الناس في وقتنا الحاضر قد فقدوا هذه الملكة , فقد انحصرت في المتخصصين , فلا داعي لهذا المسلك فلن يفي بالغرض , ثم ظهر فريق أخر و لعله الأخطر , فقد أسس لثغرة عقلية و نفسية عند المسلم , هؤلاء أصحاب "الإعجاز العلمي" , فوضعوا الله في موضع المتحدي لخلقه , فيرصدون المخترعات العلمية بأنواعها ثم يتجهون إلى القرآن لينقبوا فيه لعلهم يجدون ما يوافق جديد العلم , فيهرعون إلينا قائلين : " هذا في القرآن منذ أربعة عشر قرن" , و يسمون ذلك إعجازا , وهم كثير لا يحصون و كبيرهم زغلول النجار , ما فهم هؤلاء أن القرآن كتاب هداية و بشرى و نذارة , هو كتاب دين , و لا يريد الله به إعجازا لأن الله أعلى و أجل أن يتحدى خلقا خلقه و هو أعلم به من نفسه , لقد ناقشنا هذا كثيرا وبينا بالدليل ما هم عليه من خطأ و لا نريد أن نعيده هنا , و لكن غباء البعض يحتم علينا الإشارة بين الحين و الحين .

السؤال كيف نتعامل مع القرآن ؟ أولا يجب أن نتعلم أن القرآن كلام الله رب العالمين و ليس نصا كسائر النصوص, فيجب وضعه في مكانته القدسية , طبعا ليس للفرجة , و تزينه بالذهب , بل هو للتدبر و التفكر و الدراسة , على ضوء ما فيه و على ما صح من الأحاديث النبوية الشريفة , بلا تجني و تكلف , و نعلم أن القرآن حركة أي أن القرآن فهم و عمل , في محاولة لصياغة القرآن بشكل عملي , و هذا لا يتأت إلا بتصفية النفس و العقل من العوائق التي يمكن أن تصنع الحاجر بيننا و بينه , معتبرين أن كل كلام في القرآن مجرد رأي و ليس دينا مهما بلغ شأن القائل , و مدركين أن القرآن لا يمكن أن يأتي عليه بشر , فهو المتسع المتجدد , مؤمنين بأمر الله في كون القرآن ميسر للذكر و باستطاعة أبسط الناس ثقافة أن يتدبره و ينتفع به , طبعا بلا تنطع و من أخلص النية ربما فتح له فيه فتوحا كبيرة , ثم إسقاط حاجر الخوف و الرهبة من القرآن مع المحافظة قدسيته , مع المثابرة في تقصيه و إن لم نظفر بالكثير في البداية و لكن مع التمرين سنجد الحلاوة و المتعة و الأجر في هذا الكتاب و تعلم أنه كتاب هداية .

القرآن ليس كتاب جنائز , بل هو كتاب حياة , هو حبل الله الممدود , لنجتهد فيه و لنربي أولادنا على أنه كتاب شرفهم و عزهم .