المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هدايا العيوب


Eng.Jordan
03-13-2012, 01:14 PM
ومن نافلة القول عن أفعال الإيجابيين نذكِّر بحقيقة هامة قد يتوهم البعض خلافها، وهي أن الداعية الإيجابي ولو تسنم ذرى الإيجابية فلا بد له من الخطأ والزلل, فهو محكوم في هذا بقدر من الله عز وجل أن خلق بشرًا يعتريه النقص "كل ابن آدم خطاء", ولكن إيجابيته تأبى عليه أن يكون كغيره من الخطائين السلبيين، فيسارع بتوبة واستدراك وتصحيح ليكون من خيرهم فإن "خير الخطائين التوابون". فهكذا يتعامل صاحب السمت الإيجابي الفذ مع أخطائه، يقر بها في غير كبر ولا معاندة، متخذًا منها دافعًا إلى الارتقاء بذاته حتى ليقر من بعدُ بالجميل والعرفان لمن استدركها عليه، داعيًا له مع عمر الفاروق: "رحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا". ـ هذا هو الطريق: أيها الهمام وبعد أن استبان الصبح لكل ذي عينين أظنك الآن في شوق ولهفة إلى معرفة البرنامج العملي لحيازة تلك النفس العالية التي تجد أُنسها وراحتها في التعب في سبيل الله، فخذ مني الآن هذه الكلمات بقوة، وأمر نفسك وإخوانك أن يأخذوا بأحسنها علك تبلغ تلك الذروة وما ذلك على الله بعزيز. ولقد وضعت لك برنامجًا عمليًا لمدة شهر أطالبك أن تجعل هدفك الوحيد خلال هذا الشهر أن تعتلي ذرى الإيجابية والمبادرة من خلال تنفيذ هذه الخطوات: 1ـ جدد إيمانك أولاً: وهي الخطوة الأولى التي يوجبها عليك طريق الإيجابية، إذ إن الإيمان هو السبيل الوحيد الذي يحررك من أسر قيود الوراثة والتربية والبيئة كما مر معنا في الحلقة السابقة, وهو واجب نطالبك به طوال الأيام الثلاثين بجوار ما يليه من واجبات، واسترشد في ذلك بكلام ذلك الداعية الراشد إذ يهيب بك أن: [تنتفض على الفتور المستولي، وأن تقطع التواني آيبًا إلى بداياتك القديمة، يوم كنت حمامة المسجد، مستغفرًا مخبتًا، متنقلاً بين تسبيح وحمد وتكبير وتهليل، مكررًا كنز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله، منقلبًا إلى بين عمودين تمرغ الجبهة طولاً، ومتغنيًا بالزهراوين والحايمات وما بينهما قبل شروق وغروب، مائلاً إلى المقابر من بعد، وعاكفًا على قراءة فصول من المدارج، والجواب الكافي والإحياء، متأملاً التحفة العراقية لنفخر بك أنت تحفة بعد ذلك حقًا]. 2ـ في الأسبوع الأول: أصغ إلى لغتك الخاصة باهتمام: وسجل كل نقطة تخرج منك تشير إلى قدر من السلبية فيك، لتقف على مدى نصيبك من هذه الآفة مستعينًا في ذلك بالجدول الذي وضعناه لك في الحلقة السابقة، وعليك مع ذلك أن تبدل ألفاظك السلبية بأخرى إيجابية لتتبدل شيئًا فشيئًا نحو الإيجابية المنشودة. 3ـ في الأسبوع الثاني: تخير مشكلة تقع في دائرة نفوذك: كتضييعك لدقائق ***** الغالية في نوم وغطيط، وحرمانك من أن تصف قدميك قانتًا آناء الليل ساجدًا أو قائمًا تحذر الآخرة وترجو رحمة ربك، ثم قم بمراجعة ما كتب أهل العلم في حلها، مع استشارة من تعرف من أساتذة الدعوة والتربية، ثم ضع من خلال ذلك برنامجًا عمليًا لحل هذه المشكلة خلال ذلك الأسبوع. 4ـ في الأسبوع الثالث: تخير مشكلة لا تقع تحت سيطرتك المباشرة: كنقص روح الألفة والمحبة في مجموعتك الدعوية، أو إعراض أحد المدعوين عن سماع كلامك، أو وجود خطأ متكرر من أحد إخوانك ممن تكلؤهم برعايتك، ثم حدد بعض الخطوات العملية للبدء في حل تلك المشكلة خلال هذا الأسبوع عبر تركيزك على دائرة نفوذك. 5ـ في الأسبوع الرابع: نطالبك خلاله بواجبين: أولهما: أن تتخير مشكلة من النوع الثالث الذي لا يمكنك التأثير فيه، ثم تتعامل معها بإيجابية بحيث تسقطها من حسابك وتتعايش معها كأمر واقع. والثاني: أن تبدأ في تقبل هدايا العيوب، شاكرًا من أهداها إليك، مقرًا بخطئك تائبًا منه، محاولاً إصلاحه بقدر طاقتك. ـ أتسبقك وأنت رجلٌ نسوةٌ: واسمع لي أيها الحبيب قبل أن أودعك في هذه المرة، أن أسوق لك هذا النموذج الرائع لامرأة من السلف، أحيا الله بإيجابيتها آلاف أموات الهمم من الرجال الأشداء إنها ميسون رحمها الله, تلك المرأة الدمشقية التي استشهد إخوتها الأربعة في جهاد الصليبيين على أرض فلسطين، ولما رأت تقاعس رجال دمشق عن نصرة إخوانهم في فلسطين، جمعت النساء اللاتي حضرن لتعزيتها وقالت لهم: [[إننا لم نُخلق رجالاً لنحمل السيوف، ولكن إذا جبن الرجال لم نعجز نحن عن العمل، فهذا والله شعري أثمن ما أملك، أجعله قيدًا لفرس تقاتل في سبيل الله، لعلي أحرك به هؤلاء الأموات]]. وأخذت المقص وجزت شعرها، وقلدها في ذلك جميع النسوة، ثم جلسن يضفرنه لجمًا وقيودًا لخيل الله، وأرسلن تلك اللجم إلى خطيب الجامع الأموي سبط بن الجوزي رحمه الله, فحملها معه إلى خطبة الجمعة وخطب في المسلمين خطبة ملتهبة لم يسمع بمثل بلاغتها وقوتها، فكان ما قال فيها: [[أتدرون مم صُنعت هذه اللجم والقيود؟ لقد صنعها النساء من شعورهن، لأنهن لا يملكن شيئًا غيرها يساعدن به فلسطين، فإذا لم تقدروا على الخيول تقدونها بها فخذوها فاجعلوها لكم ذوائب وضفائر]]. ثم ألقاها من فوق المنبر على رؤوس الناس صارخًا: [[تصدعي يا قبة النسر، ميدي يا عُمُد المسجد، وانقضي يا رجوم فلقد أضاع الرجال رجولتهم]], فصاح الناس صيحة لم يسمع بمثلها، ووثبوا يدكون جحافل الصليبيين حتى جاء النصر المبين على يد امرأة فذة أحيت بإيجابيتها أمة ميتة عندما استخدمت دائرة نفوذها لتغيير ذلك الواقع المهين. وبعد يا فتي الإسلام فقد انتصب لك الطريق، وما ثم منك بعد إلا الجد والتشمير والهمة في المسير، فاعلم أن الحازم من عرف الإضاعة ولم يجعل الحلم بضاعة، وأن رحلة الإيجابية لا تمر على طريق الكسل، وقافلة الفاعلية ليس من زادها طول الأمل، فكحل عيونك بالسهر، واسرج جوادك للسفر، واسمع لتحذير الرافعي فيما أوحاه إليه قلمه من أنك: [[إن لم تزد شيئًا على الدنيا كنت أنت زائدًا عليها]]. وكن رجلاً إن أتوا بعده يقولون: مر وهذا الأثر وإلى أن ألقاك على خير إن شاء الله مع الخطوة التالية على درب إدارة الذات، فأوصيك أن تردد معي بقلبك وقالبك: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].