المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحكام الهندسة الوراثية


عبدالناصر محمود
08-06-2015, 07:22 AM
أحكام الهندسة الوراثية
ــــــــــ

(د. عبدالرحمن بن عبدالله السند)
ــــــــــــــــ

21 / 10 / 1436 هـ
6 / 8 / 2015 م
ـــــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/5w%20.JPG.jpg


إن من نعم الله تعالى على عباده أن بيّن لهم طريق الهدى وما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ومن عجيب صنع الله في خلقه أن ميز كل عصر بمزايا ووسمه بسمات، ولعل من أبرز سمات هذا العصر كثرة الاكتشافات العلمية المختلفة والتطورات التقنية الحديثة بما في ذلك ما يتعلق بالتداوي والعلاج، ومن أعظم ما اكتشف في الميدان خلال السنوات الأخيرة علم الهندسة الوراثية أو علم الجينات، والذي أثار ضجة كبيرة والناس فيه بين متفائل به لخدمة البشرية وبين خائف مترقب يخشى معه من تدمير البشرية.

إن علم الهندسة الوراثية قد تقدم تقدماً كبيراً في السنوات الأخيرة بما أثار العالم بأكمله، فالهندسة الوراثية أو تطويع الجينات أو تعديل الجينات يراد به القدرة على إجراء عمليات التحكم بالصفات الوراثية للكائن الحي عن طريق الدخول للحمض النووي في الخلايا الحية، والهندسة الوراثية تستخدم في عدة مجالات.

المجال الأول: العلاج والدواء وتشخيص الأمراض.

المجال الثاني: الإنتاج وزيادته في الحيوانات والنباتات.

المجال الثالث: تعديل الصفات الوراثية وتغييرها.

أما تشخيص الأمراض: فقد أثبتت الدراسات أن هناك أكثر من 150 مرضاً وراثياً قد يصاب بها الإنسان، وعند أخذ عينة من خلايا الجنين ودراستها بتحاليل الصيغات الوراثية فإننا سنحصل على معلومات عن هذا الجنين من حيث وجود أمراض موجودة في الأبوين من قبل.

أما علاج الأمراض: فهناك استعمالات عديدة لعملية تعديل المورثات والهندسة الوراثية، في مجال صناعة الدواء ومن أشهر تلك الأدوية صناعة الأنسولين لمرض السكر لقد كان الأنسولين يحضر للاستعمال البشري من بنكرياس الحيوانات المذبوحة، أما الآن فقد تم استخراج وصناعة الأنسولين بواسطة هندسة الجينات بكميات أكبر وأضمن من جهة المخاطر التي كانت تحدث من جراء استخدام الأنسولين الحيواني.

أما الحكم الشرعي في هذه المسألة فهي جائزة شرعاً إذا تم أخذ عينة المورثة من خلية حيوانية يشرع أكلها وكذلك الأمر إذا أخذت من إنسان؛ لأن الأنسولين سيدخل عن طريق الحقن في الدم، ويأخذ حكم استعمال الحقن بالدم مع ملاحظة أن الجزء الذي يؤخذ من الإنسان أو الحيوان أياً كان إنما هو جزء يسير جداً لا يرى بالعين المجردة، ولهذا يمكن القول بالتسامح به نظراً لضآلته وطبيعة استعماله، مع ملاحظة أن هذه المسألة تدخل في باب الأمر بالتداوي المشروع، والله جل وعلا جعل لكل داء دواء، وجواز استعمال مورثة إنسان دليلها الضرورة القاضية بهذا الاستعمال وانتفاء الضرر بالنسبة للمتبرع.

أما وجه الضرورة فهي توفير علاج لمريض بمرض خطير يعرضه عدم استعماله لخطر الموت مما يجعل استعمال هذا العلاج محققاً لمقصد من مقاصد الشريعة في المحافظة على الحياة.
وفي هذه المسألة نتجنب الحرج من استعمال الأنسولين المستخرج من الحيوانات المذبوحة كالخنازير وبقية المواشي التي تذبح في الغالب بغير الطريقة الشرعية.

من استعمالات الهندسة الوراثية زيادة وتحسين الإنتاج النباتي والحيواني:
-------------------------------

إن من حكمة الله سبحانه أن سخّر ما في هذا الكون من نبات وحيوان لخدمة الإنسان، قال الله سبحانه وتعالى: { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [لقمان:20]، وقال سبحانه وتعالى: { كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:36]، وقال سبحانه: { يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:11].

فإذاً كان تنسيل النبات والحيوان من أجل زيادة النسل وتكثيره من أجل إنتاج أنواع محسنة خالية من الأمراض، وتحقق مصلحة البشرية فلا مانع منه شرعاً ومقاصد الشريعة تؤيد ما فيه الخير والمصلحة للناس، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن الله بعث الرسل بتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها"(1).

ومن قبله قرر هذه القاعدة الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله.

ولكن ينبغي تقييد هذه العمليات المتعلقة بالنبات والحيوان بقيدين:

الأول: أن لا يؤدي ذلك إلى الضرر بنشوء مرض جديد أو طفرة مضرة فلا بد أن تكون العملية مأمونة من التغيير المؤدي إلى سموم قاتلة أو مضرة أو مفشية لأمراض مهلكة.

الثاني: أن لا تُتخذ هذه العملية للعبث في تغيير خلق الله خاصة في الحيوان، فقد رتب الشارع الحكيم أحكاماً تتعلق بالحيوان من حل الأكل وما يجزي في الأضحية وما يجزي من جزاء الصيد وغير ذلك من الأحكام.

أما إذا كان استخدام الهندسة الوراثية وتعديل الصفات الوراثية من أجل الحصول على نسل محسن كما يقال لتغيير لون البشرة أو لون العين أو طول اليدين فإن هذه العملية محظورة شرعاً؛ لأن الله سبحانه خلق الإنسان في أحسن تقويم، ولهذا لا يجوز التدخل لتغيير خلق الله. قال سبحانه وتعالى عن الشيطان: {مُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينً} [النساء:119].
والله سبحانه قد قسم بين الناس أرزاقهم من جهة الذكاء وقوة الحفظ والجمال واللون فتغيير ذلك من باب عدم الرضا بقضاء الله وقدره وليس من باب التداوي. أسأل الله سبحانه أن يجعلنا هداة مهتدين، والله أعلم.. وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد.
________________
(1) الفتاوى الكبرى: 3/337.

ــــــــــــــــــــــــ