المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إكتشف ذاتك


Eng.Jordan
03-13-2012, 01:46 PM
أتذكر – و أنا طفل – أن أحد الأشخاص طرح علي السؤال التالي : هل تستطيع أن تعرف نفسك بنفسك؟ و كنت وقتها في المرحلة الإعدادية، متفوقًا في دراستي ، و يعتبرني المجتمع المحيط بي ذكيًّا. لذا اعتبرته تحديًّا كبيرًا خصوصًا أنني لم أفلح في الإجابة وقتها رغم محاولاتي الكثيرة. و قد كان سؤاله هذا بمثابة صدمة لي و أنا أكتشف عجزي عن الإجابة و أنني لم أكن أستحق ما يقال لي من مدح و أنني – و هذا الأهم – غير قادر حتى على تعريف نفسي.. فقد بدا أن سؤال صديق العائلة ذلك كان أعمق. و مرت السنون، و غابت صورة ذلك الشخص عن ذهني تمامًا، لكن سؤاله بقي في ذهني دائمًا و أفرز معه أسئلة أخرى مع كل مرحلة نضج كنت أصلها: - من أنا؟ - ما هو هدفي؟ - ما هي أهدافي الصغيرة؟ و بقيت في بحث دائم عن إجابة لمثل هذه الأسئلة حتى عثرت على قصة شاب أثناء بحثي في شبكة الإنترنت، بدا لي أنه يجيب عن كل أسئلتي أو جلها.. يقول هذا الشاب: "دخلت الجامعة ووجدت نفسي في عالم يدور وأنا لا أدرك دورانه لجهلي ولبساطة فطرتي … الخجل يلفني والرعب من المستقبل القادم يضرب طوقًا حولي والمجتمع الذي حولي يفرض نفسه علي.. لن أقول بأنني كنت كاللقمة السائغة لمن حولي ولكن كنت أنا تلك اللقمة بعينها… جهلي بالتعامل مع الواقع الذي أعيشه كان دائمًا يؤثر سلبًا على نفسيتي… ضغطي يرتفع كلما تعرضت لأزمة ما… ثقتي بنفسي بدأت بالتلاشي بعد كل انهيار عصبي… كنت أعتبر نفسي حاملاً لرسالة ما، ولكن كان الواقع المؤلم يمنعني من أداء هذه الرسالة لأنه تفوق علي، وأحكم سيطرته على الموقف وبدأ الاستسلام كرد فعل منطقي… في ذاك الوقت كان يتردد على مسامعي من الداخل صوت قوي يخرج من أعماق غائصة في نفسي، وهي تسألني: لماذا الاستسلام؟ فقلت لها: وماذا تريدين مني أن أفعل تجاه هذا الواقع؟ فقالت اكتشفني!! وقفت مدهوشا لهذه الكلمة التي وقعت على مسامعي وترددت في أصدائي للحظات عديدة، اكتشف ذاتي؟! ما هذا المصطلح؟؟ بعدها بأيام عزمت على البدء، كثير من تصرفات الفرد يكون منشؤها ردات الفعل، وغالبًا ما تكون هذه الردات سلبية في اتجاهها ومسيطرة في طرحها إلى حدود تمنع العقل من الرؤية الشاملة للنقطة، وقمت بإصلاح الخلل والبعد عن الردات ولكن ينقصني التوازن الذي سيكون هو الميزان لوزن الأمور وتجنب الإفراط والتفريط. هذه النقطة وهي (التوازن) حصلت عليها أثناء قراءتي لكتاب في تربية الطفل.. كان هذا الكتاب يعتمد على منهاج التوازن للدلالة على فلسفته؛ فلقد كان يعرض الموقف ويعطي الحل لهذا الموقف تارة في أقصى اليمين وتارة في أقصى اليسار وإذ بالحل المتوسط والمتوازن يظهر لوحده في المنتصف. من هذه الفلسفة تعلمت هذا المبدأ وأدركته وبدأت تطبيقه عمليًّا في كل موقف يواجهني، وبالتالي أًصبح خلقًا؛ لأن الخلق هو عادة الفعل… كذلك كانت هناك العقد المتأصلة في النفس من تجارب الماضي وكان لي معها معارك شتى لمحوها، لا يخفى على القارئ ما لهذه العقد من عظيم تأثير على تفكير الإنسان، ولذلك كان النسيان والتفكير لأننا نعيش هذه اللحظة وليس الماض، فالماضي لا يجب أن يكون له ذلك التأثير السلبي على عقلية الفرد؛ لأن الماضي وجد لكي يتخذ الإنسان منه العبر والمواعظ لا أن يؤثر في حياته فينحى بها منحى آخر… هذه النقاط الثلاث قادتني نحو التفكير الموضوعي وإدراك أساليبه، وبالتالي الدخول إلى عالم النفس بكل صدق وواقعية، أي أن المزيج الذي ظهر من تلك المكونات الثلاثة (طرد ردات الفعل، التوازن، محو العقد) أكسبني قدرة على التعامل بموضوعية مع نفسي. فصارت الحقيقة جلية أمام ناظري عندما أحكم على فعلي الذي قمت به… وهكذا مع قليل من الصداقة مع النفس وكثير من التقوى والصلة بالله والشفافية صرت أستطيع توجيه اللوم مباشرة إلى نفسي إن أخطأت دون التحرج من نفسي في ذلك، وبالتالي توطدت العلاقة مع نفسي مما فتح الباب أمامي في الدخول إلى عالمها الرحب والبدء في اكتشافها... بداية حاولت التعرف على الأمور التي تجعلني متوترًا ومكتئبًا وكتبتها على الورقة، وبدأت بتفنيد كل منها على حدة، ومع المصارحة والحوار الداخلي أمكنني القضاء على المحبطات؛ لأنها من الأمور الصغيرة التي لا يجدر بنا الاهتمام بها لأنها صغائر، هذه النقطة بدأت ألمس تأثيرها على علاقاتي مع رفاقي، فلم أعد أهتم بتلك القضايا الصغيرة التي تنشأ بين أصحاب الجيل الواحد (لنقلْ: الأنداد) مما انعكس إيجابًا على علاقاتي الاجتماعية… وهكذا سبرت أغوار نفسي وتعرفت عليها وتوطدت علاقتي مع ربي وفتحت لي آفاقًا أخرى في الاتصال مع بني البشر. أكيد أنك – و أنت تقرأ – أومأت برأسك دلالة على الموافقة: نعم، لقد خطر كل هذا ببالي يومًا. و لعله من الغريب حقًا أن يكتشف المرء، و هو في سن متقدمة أنه لا يعرف نفسه. و قد يجيبك البعض من باب المكابرة: إن هذا مجرد سفسطة فارغة تريد بها أن تبدو بمثابة العارف ببواطن الأمور لا أقل و لا أكثر .. فأنا هو فلان الفلاني، أشتغلُ بالمحل كذا، و والداي هما فلان و فلانة … إلخ . لكن المشكلة أننا لا نبحث على رد كهذا.. نريد هنا إجابة أكثر عمقًا، هذا لا يعني – كذلك – أننا سنغوص في بحور الفلسفة أو الهرطقة التي لا داعي لها؛ لأن وضوح الرؤيا هي الأهم فيما نقدمه، بل كلما كان الجواب واضحًا كلما أفرز ذاتًا واعية و مدركة لما تريد. و لعل حكاية الشاب تلخص كثيرًا مما يدور في بالنا أو دار في بالنا يومًا. لذا.. أنصحك إن كنت لم تقم بعملية اكتشاف الذات أن تبدأ من الآن في اتباع الطريق التي سلكها هذا الشاب، و الخطوات العملية للقيام بذلك هي: - قراءة كتب علم النفس المبسطة. - كالعادة، كتابة كل ما يخطر على بالك في هذا المجال و محاولة إيجاد إجابة لها. - اعتبار كل يوم هو يوم ميلاد جديد، تتجدد فيه الفرص و الآمال. - حاول أن تكرر قراءة قصة الشاب أكثر من مرة و ركز مع كل كلمة تقرؤها؛ فالقصة تحمل في طياتها إجابات كثيرة! و لا تحمل نفسك أكثر من طاقتها و أنت تقوم بهذه العملية. خذ الأمور ببساطة و تفاؤل.. لكن بإصرار أيضا، و لتصل إلى مرحلة تقول فيها لنفسك : لقد بدأت باكتشافك!.