المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكوامن المخفية في الاستراتيجيات المطوية


عبدالناصر محمود
08-09-2015, 07:01 AM
كشف الكوامن المخفية في الاستراتيجيات المطوية
ــــــــــــــــــــــــ

(. د. سامي الدلال)
ــــــــــ

24 / 10 / 1436 هــ
9 / 8 / 2015 م
ـــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/RSC/Uploads/img/thumb/710504082015124155.jpg



عناوين المبحث:
- استهلال.
- القوى المتصارعة.
- المكونات الاستراتيجية للقوى المتصارعة.
- المشهد في عدسة المنظار الإسلامي.
- محددات الصراع وفق المنظار الإسلامي.
- الاستراتيجيات وإشكاليات الواقع.
- أضواء على استراتيجيات بناءة للعمل الإسلامي.
- توصية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،،،

استهلال:
------
تزدحم الأحداث في العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، وبشكل مكثف في الخليج العربي ودول ما اصطلح عليه بدول الربيع العربي. تلك الأحداث هي المحصلة الظاهرة لصطراع القوى الفاعلة أو المتفاعلة في المناطق المذكورة.
ولا شك أن ما يظهر فوق الماء من جبل الجليد ليس هو كل الجبل، بل قممه الشاهقة فحسب، حيث إن بعض تلك القمم لا يراها أحد لأنها تحت الماء بالكلية.
إن كل قوة من تلك القوى لها أهداف خاصة بها، وترمي الوصول إليها من خلال استراتيجيات، إجمالية في الرؤى وتفصيلية في الإيقاع.
وبغية لتحقيق ما تصبو إليه فإنها تخفي تلك الاستراتيجيات وتتصرف أحياناً بما لا يوحي بتوجهها نحوها، أو حتى في إطارها، تماماً كما يفعل لاعبو الشطرنج عندما يموهون بتحريك بيادقهم في اتجاهات بعيدة عن توقعات الخصوم.
إن كل قوة من القوى المتصارعة توجه أضواءً قوية كاشفة في اتجاه القوى الأخرى لتكشف، أو لتكتشف، تحركاتها واتجاهات بوصلات مراسيها. كما أن كل قوة تحاول أن تخفي أهدافها البعيدة، وتحيط استراتيجياتها بالغموض، مبالغة في تضليل منافسيها أو أعدائها.
تلك هي الاستراتيجيات المطوية.
ونحن في هذه الدراسة المركزة والمقتضبة سنحاول تفكيك المشهد العام والولوج والتغلغل بين ثناياه ودروبه بغية تحسس معالم تلك الاستراتيجيات المخفية والأهداف المموهة، بل والوسائل المخبأة.
القوى المتصارعة:
هي كثيرة جداً، من أبرزها

1- القوى الصهيونية (دولة الكيان اليهودي ومناصريها).
2- القوى النصرانية (روسيا ودول الاتحاد الأوروبي وأمريكا).
3- القوى الصفوية (إيران وأذنابها).
4- القوى الإسلامية.
5- القوى العلمانية الليبرالية (الأنظمة الحاكمة والمؤسسات العلمانية في الدول العربية والإسلامية وجميع دول العالم).
6- القوى الشيوعية (الصين وكوريا الشمالية).
7- القوى الهندوسية (الهند).
8- قوى أخرى.

ويندرج تحت كل عنوان من عناوين تلك القوى دول ومؤسسات وأحزاب ومنظمات وتكتلات وأحلاف، وكذلك أجناس وأعراق وإثنيات كثيرة، وتجتمع في إطار شعوب تعارفت على فواصل جغرافية تحدد أوطانها وسيادتها، وتتقاتل فيما بينها إذا انتهك أحد خصوصيتها أو عرض مصالحها للخطر.
المكونات الإستراتيجية للقوى المتصارعة:
رغم أن المشهد واحد، مع تعدد أرجاء جغرافيته، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، فإن زوايا النظر إليه تعطيه خصوصية بحسب موقع كل قوة من القوى المتصارعة من ذلك المشهد، فتصيغ تلك القوة استراتيجيها بحسب زاوية رؤيتها له، آخذة بعين الاعتبار استمرارية تغيُّر مكوناته وإيقاعاته بحسب ما تحدثه القوى الأخرى فيه بشكل مستمر وفاعل، إن مسرح العمليات يتسع كلما اشتد أوار صراع تلك القوى، ليتحول إلى أشبه ما يكون بحلبة مصارعة مفتوحة لكل المتصارعين ليتصارعوا فيما بينهم في آن واحد. حلبة مصارعة مفتوحة من حيث الخطط والعدد والوسائل واتساع المكان وامتداد الزمان، يحكمها ميثاق دولي قابل للتأويل، خاضع للتعديل، أشبه ما يكون برقعة قماش يشد كل طرف من تلك القوى نسيجها إلى جهته ليتمكن من تغيير خيوطها أو إعادة حبكة عقدها، يرعى ذلك الميثاق منظمة دولية هي الأمم المتحدة، لها جمعية عامة مقاعدها وثيرة، ولا تضطلع بقرارات مثيرة، ولها مجلس أمن تسيطر القوى الكبرى على توجهاته وتصيغ قراراته، بما يحمل في طياته من المحاولات المتكررة للمحافظة على إبقاء الصراع على مسرح الحلبة وضمن إمكانات قدرات السيطرة والتحكم، كي لا تخرج عن حدودها إلى عالم التدمير الشامل.
إن المقومات الرئيسة لكل قوة من تلك القوى المتصارعة تندرج تحت العناوين الرئيسة التالية:

1- المقوم العقدي.
2- المقوم التشريعي (نظام الحكم).
3- المقوم السياسي.
4- المقوم الاقتصادي.
5- المقوم العسكري.
6- المقوم الأمني.
7- المقوم الإعلامي.
8- المقوم المجتمعي.

إن كل قوة من القوى المتصارعة تحشد جميع تلك المقومات في منظومة متناغمة واحدة لتحقيق استراتيجيتها بكافة مراحلها القريبة والمتوسطة والبعيدة، مع ملاحظة أن لكل مقوم استراتيجيته الخاصة به وفق تلك المراحل، وهي التي تشكل في النهاية بتناسقها واتساقها الخط العام للاستراتيجية الفاعلة لكل قوة من تلك القوى.
وينتج عن ذلك أن المشهد الواحد، الذي تراه كل قوة من القوى المتصارعة من خلال عدسة منظارها، يصبح " مَشاهِد متعددة " وعلى اللوحة العامة للمشهد يحصل التقاطع بين مختلف مكونات قوى الصراع فتتحدد المساحات المشتركة والمساحات المتقاطعة في سيولة تتسم بالتغيرات والتداخلات في لوحات متماوجة أشبه ما تكون بلوحات العوالم الفلكية.
المشهد في عدسة المنظار الإسلامي:
هذا الذي يهمنا في هذه الدراسة، وهو تحسس طبيعة المشهد ومكوناته بكافة أرجائه وألوانه وتعرجاته ونتوءاته من خلال الرؤية الإسلامية.
إن الرؤية الإسلامية تتحدد من خلال عدستين مكبِّرتين تحتلان واجهة الناظور، هما:
- كتاب الله تعالى المنزل، القرآن الكريم.
- سنة النبي المرسل، محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم.
وتتميز هاتان العدستان عن غيرهما من العدسات التي تستعملها القوى الأخرى بعدة ميزات، من أهمها:
- أنها ربانية المصدر، أي تتسم بالشمولية وبموافقة الحق، خالية من الأهواء البشرية والإفرازات الشخصانية.
- اتساقها مع السنن الكونية لتقدم أمثل استثمار للعلاقات بين الكون والحياة والإنسان على المستوى المشهود أو المحجوب.
- ثرائها الواقعي من خلال الحركة التعبوية في السيرة النبوية ومنظوراتها التاريخية.
- نتائج العمل بها والتقيد بتوجيهاتها تحقق المصالح الإنسانية على مستوى الحتم وليس على مستوى مجرد التوقع أو الأمل.
- تنظم حركة المسلم على مسرح الحياة بما يؤدي إلى أعلى مستوى في العطاء وتحمل أشد المشاق، مبتغياً رضاء الله تعالى وطمعاً في ثوابه وجنته، مراعية في كل ذلك قدراته الخلقية ومشاعره العاطفية واحتياجاته المعيشية وروابطه المجتمعية في محيطه الخاص ودائرته الإنسانية.
- التوازن الإيجابي بين الأخذ بالأسباب وبين التوكل على الله عز وجل.
تلك بعض، بل أهم، ما يميز المنظور المشاهَد من خلال العدسة الإسلامية بما يحقق وضوح الرؤية وتمايز الألوان وتطابق المشهود مع حقيقة المشهد.
محددات الصراع وفق المنظار الإسلامي:
لقد حدد لنا كتاب الله تعالى المحددات العامة التي تحكم علاقات المسلمين مع غيرهم، وهذه أهمها:
أولاً: موقف الإسلام من الإنسانية:
تتسم نظرة الإسلام للعلاقات الإنسانية بالرقي والاحترام، وذلك وفق محددين:
الأول: كرامة الإنسان. قال تعالى: }ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً {(الإسراء: 70).
الثاني: طبيعة الوشائج البشرية. قال تعالى: }يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير{ (الحجرات: 13).
فلا يزال الإنسان محتفظاً بكرامته البشرية ومتدرجاً في سلم الرقي في مكنوناتها بقدر ما يحققه من تقوى الله في نفسه، وتقوى الله تعالى هي أولاً بتوحيده وثانياً بالتزام مناهجه.
ضمن هذا المنظور فإن تعارف الأمم ينبغي أن يتجه نحو التمحور حول تحقيق معاني التقوى بالمفهوم الذي ذكرته لتنال بذلك الاستحقاق الإلهي لها في مدارج الكرامة، وما لم تفعل ذلك ستسير في دروب الاستعداء والتناحر بدل التعارف والتناصح.
ثانياً: التعرف على طبيعة العلاقات مع القوى المناوئة للإسلام، وذلك من خلال التوجيه القرآني، وفق المحددات التالية:

الأول: ***** الخصوصية العقدية والتشريعية المعبرة عن الهوية الإسلامية، وذلك بعدم ذوبانها أو تماهيها مع الحدود العقدية ومنتجاتها التي لدى أهل الكتاب من اليهود والنصارى. قال تعالى:
} يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. { (المائدة: 51). ذلك أن توليهم جزئياً أو كلياً هو جسر عبورهم إلى المسلمين عقدياً وممارساتياً.وهذا المحدد يتعلق بمقومات الصراع مع القوى المذكورة في (1) و (2) من القوى المتصارعة. وما لم تكن هناك اتفاقات صلح أو هدنة فالشأن معهم هو قول الله تعالى: }قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون { (التوبة: 29).

الثاني: استعادة فلسطين وتحريرها من الاحتلال الصهيوني هو ثابت أساس في صياغة الإستراتيجية الإسلامية، وضمن هذا المحدد فإن كل من يدعم أو يساند الوجود الصهيوني في فلسطين هو عدو للإسلام والمسلمين، ويكون التعامل معه من هذا المنطلق. إن هذا المحدد له متعلق واضح بقوله تعالى: }فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً { (الإسراء: 7)، على حد من فسر أن الإفساد الثاني لبني إسرائيل هو إفساده الحالي باحتلال فلسطين. وعلى كل حال فهو موعود النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم ! يا عبد الله ! هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد، فإنه من شجر اليهود ". (رواه مسلم).
فهذا المحدد هو أيضاً متعلق بالرقمين المذكورين في صراع القوى المنوه عنهما في (1) و (2).

الثالث: عدم اتخاذ المشركين أولياء، ويدخل في هذا المعنى ما يتعلق بالقيومية الفردية والمجتمعية على مستويات التشريع (الدساتير) والاقتصاد (البنوك الربوية) وأساليب الحياة كافة غير المنضبطة بحدود الشرع (في المأكل والمشرب والملبس والعلاقات الاجتماعية) وتفاصيل أخرى. وأما العلاقات السياسية والعسكرية وما في حكمها فتبنى على أساس قياسات المصالح والمفاسد من زاوية نظر الإسلام. ويحكم هذا المحدد قوله تعالى: }يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق.. { الآية (الممتحنة: 1). وقوله تعالى: }يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء.. {الآية (المائدة: 57). وهذه الآية شاملة للمحدد الثاني أيضاً. ويدخل في هذا المحدد الثالث القوة رقم (5) في الصراع (الصين وكوريا الشمالية والدول المساعدة الأخرى) والقوة رقم (6) (الهند) إضافة للدول المذكورة في قوى الصراع رقم (1) و (2). وما لم يكن بينهم وبين المسلمين صلح أو هدنة فإن الشأن معهم هو قوله تعالى: }وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة { (التوبة: 36).

الرابع: الحذر والحيطة، إلى درجة الاستعداد الشامل للمواجهة، إزاء القوى التي تحارب الإسلام الحق بلبس ثياب إسلام باطل، حقيقته دعوات باطنية أو فارسية أو قومية أو بدعية أو علمانية أو ليبرالية أو ديمقراطية أو مكتسية لباس الغلو أو الإرجاء أو ما كان في حكم ما ذكرنا. وأقصد بالاستعداد الشامل للمواجهة هو اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة أيٍّ من المذكورين، كل بحسبه وبما يوقفه عند حدِّه. ويندرج هؤلاء في فهم قوله تعالى: }ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به { الآية (النساء: 60). ويدخل في التحاكم إلى الطاغوت إقامة أحكام الحياة على غير منهاج الله، وإن ادعى من فعل ذلك أنه متبع للكتاب والسنة، مجرد ادعاء وليس حقيقة، وقد أنزلت فهم هذه الآية على هذا الوجه باعتبار مدلول عموم اللفظ وليس مجرد سبب النزول. ويدخل ضمن هذا المحدد أصحاب البدع المكفرة، وكذلك غلاة الصوفية، والباطنيون والرافضة والنصيريون والاسماعيليون والقاديانيون وما في حكمهم. وكذا يدخل ضمنهم المتحاكمون إلى منهاج العقل دون النقل وطوائف كثيرة أخرى. ولكن تنزيل هذا المحدد على كل منهم ليس واحداً من حيث التطبيق بل كل بحسبه، سواء على مستوى العقيدة أو مستوى الفعل العملي. ومن ضوابط هذا المحدد بالإضافة إلى آيات كثيرة، قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه الشيخان، وفي رواية لمسلم " ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ". ومن خلال هذا المنظار يكون الموقف من القوى المتصارعة المذكورة في (3) و (4).

الخامس: التأكيد والالتزام بوحدة الصف الإسلامي في إطار الاجتماع على الإتِّباع ونبذ الخلاف والابتداع، والحذر من المنافقين والمشترين بالإسلام ثمناً قليلاً. ويتمثل الإتباع بتحكيم شريعة الله تعالى في شؤون الحياة كلها، على مستوى التشريع العام وما يرتبط به من تشريعات في سائر شؤون المجتمع الإسلامي لجميع حالات السلم والحرب، وبما يحقق الطمأنينة الأمنية والمعيشية لكل المنضوين تحت الحكم الإسلامي، وبما ي*** لهم السعادة ويدفع عنهم القلق وينشر الخير ويضيق الشر في إطار بيان الحق وإزهاق الباطل، وفق ضوابط تحقيق المصلحة الإسلامية العليا في ***** حفظ الحقوق في العقيدة والعرض والعقل والنفس والمال. ويضبط هذا المحدد آيات كثيرة، اختار منها: }واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا { (آل عمران: 103)، }إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص{ (الصف: 4)، }فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق{ (المائدة: 48)، }ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى{ (طه: 124)، }إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم{ (النساء: 142)، }وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً { (النساء: 61)، وقال تعالى: } يا أيها النبي جاهد الكفار والمنفقين واغلظ عليهم { (التوبة: 73).

وهذه المحددات الخمسة، وغيرها مما لم أذكرها للاختصار، لابد من الالتزام بها في إطار تحقيق شرطي نجاح العمل: الإخلاص في العبودية لله تعالى، الإتباع لمناهجه، قال تعالى: }إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم { (محمد: 7)، وقال تعالى: }يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة { (البقرة: 208)، أي اعملوا بجميع شرائع الإسلام. وهي تغطي جميع جوانب الحياة، بما فيها ما ذكرناه من المقومات الثمانية.
ثالثاً:التعرف على طبيعة العلاقات بين القوى المناوئة للإسلام بعضها ببعض:
تحت هذا العنوان أشير إلى المحددات التالية:

1- موقف اليهود من النصارى والعكس. قال تعالى: }وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب{ (البقرة: 113). وقد جسدت الحوادث التاريخية، ولا تزال تجسد، هذا المعنى، رغم الاتفاقات الظاهرة.

2- موقف اليهود بعضهم من بعض، وموقف النصارى بعضهم من بعض، اليهود بينهم اختلاف شديد وكذا النصارى، وهم فرق كثيرة، متدابرة ومتناحرة. قال تعالى: }تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى{ (الحشر: 14). وهذا يعني أن البنية الدينية لكل منهما منخورة نخراً شديداً.

3- موقف اليهود والنصارى من المشركين وموقف المشركين منهم. إن العلاقة بين أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من المشركين وكذا موقف المشركين منهم قائم على المصالح واقتسام مناطق النفوذ. وقد كانت الحرب العالمية الثانية ضمن هذه الرؤية. ولو اتجه الخيار عند أهل الكتاب بين المشركين والمسلمين لاختاروا المشركين. ومحدد ذلك قوله تعالى: }ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً{ (النساء: 51). وقد كانت الحرب العالمية الأولى ضمن هذه الرؤية والتي أدت إلى إسقاط الدولة العثمانية.

رابعاً: التعرف على مواقف القوى المناوئة للإسلام من الإسلام:

أ‌- موقف أهل الكتاب اليهود والنصارى من الإسلام.

يتحدد هذا الموقف بعدة محددات ذكرها الله تعالى في كتابه:
- قال تعالى: }ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم{ (البقرة: 120)، وهذا المحدد في غاية الأهمية وخاصة عندما يتعلق النظر ببعض المواقف التي تتخذها الدول الأوروبية بما يفيد ظاهرها دعم المسلمين، ولها مظاهر سياسية واقتصادية وعسكرية وتعليمية وإعلامية وغيرها.
- قال تعالى: }ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون{ (آل عمران: 69)، وقال تعالى: }ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق.. { (البقرة: 109)، وهو محدد عقدي يكشف ما تكنه قلوب أهل الكتاب من المسلمين. ويتجسد هذا الود والرغبة في إضلال المسلمين فيما يسمى الدعوات التبشيرية والنشاط الكَنَسي والكُنَسي في كافة المجالات على مختلف المستويات بما يكاد يغطي جميع متطلبات الحراك المجتمعي.

- قال تعالى: }يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون{ (آل عمران: 70)، وهو محدد يتعلق باستعلان أهل الكتاب من اليهود والنصارى الكفر بالإسلام، والذي يتمثل بآيات الله (القرآن)، ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم المبلِّغ لآيات الله. وهذا المحدد يزيل أي غبش في استقراء واستكشاف موقف اليهود والنصارى من المسلمين سواء على مستوى الدول أو الشعوب. ولو حصل شيء مما ظاهره تنازل اليهود والنصارى للمسلمين في موضوع ما، فإن ذلك لن يخرج عن المحدِّد له، وهو قوله تعالى: }وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون { (آل عمران: 72).
- قال تعالى عن توجيه أهل الكتاب (اليهود والنصارى) بعضهم لبعض: }ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم { (آل عمران: 73)، وقال تعالى: }وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا.. { (البقرة: 135)، وهذا المحدد يبين حقيقة نظرة هؤلاء للمسلمين، إنها نظرة قائمة على الريبة والتوجس، منطلقة من الشكوك والظنون، لتقرر منتهى ذلك بالتواصي بعدم الوثوق بالمسلمين، في أي شيء، لأنهم لم يتبعوا دين أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

- قال تعالى: }لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون { (آل عمران: 111). يتبين من هذا المحدد محاولة اليهود إلحاق الاستئصال بالمسلمين، لكنهم لن يفلحوا في ذلك، بل سيكون نهاية ما يفعلوه ويتمكنوا منه هو فقط إيقاع الأذى بالمسلمين. وإذا ما تجابهوا قتالياً مع المسلمين المتمسكين بدينهم فإنهم سينهزمون ولا يتحقق لهم النصر.

ب‌- موقف المشركين من الإسلام والمسلمين.
يضمر المشركون أشد الكراهية للإسلام والمسلمين ويبنون مواقفهم استنادً إلى ذلك، وهذه بعض المحددات لتلك المواقف:

● يتفق المشركون مع أهل الكتاب في كثير من المواقف، من ذلك:
- قال تعالى: }لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا { (المائدة: 82).
- وقال تعالى }.. ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً.. { (آل عمران: 186).
- قال تعالى: }ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أن ينزل عليكم خير من ربكم { (البقرة: 105)، وبناء على ذلك فإن مواقف الدول الأوروبية وأمريكا وروسيا (أهل كتاب) تتفق مع مواقف الصين والهند (مشركون) إذا كان الموضوع يتعلق بالصراع مع الإسلام والمسلمين.

● يسعى الكفار إلى رد المسلمين إلى الكفر. أي أن هذه الدول من مثل (الصين والهند) يسعون جاهدين لنشر الشيوعية في صفوف مسلمي العالم، كما يسعى الهندوس لنشر الهندوسية بين صفوف المسلمين في الهند. قال تعالى: }ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء.. { (النساء: 89). وقال تعالى: }وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء { (العنكبوت: 12).

● تُوظِّف كثير من دول الكفر أموالاً طائلة لمحاربة المسلمين على جبهات كثيرة، كالجبهات العسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية والإعلامية والثقافية وغيرها. قال تعالى: }إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله.. { (المائدة: 36). وهذا حال مستمر منذ فجر الإسلام إلى الآن، وليس الاجتياح المغولي والحروب الصليبية واحتلال عدد كبير من دول المسلمين ودعم دولة الكيان الصهيوني في فلسطين والموقف الروسي ثم الغربي، وقبلها البريطاني في أفغانستان عن ذلك ببعيد. ومثل ذلك يقال عن الاجتياح الأمريكي للعراق والتدخل الغربي في ليبيا ومالي والصومال وحرب الهند على باكستان وانفصال بنغلاديش عنها وعداء الصين للمسلمين الصينيين واضطهادهم، والكلام في ذلك يطول.

● يواصل الكفار المعاصرون الاستعلان بمواقفهم من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن القرآن الكريم المتضمنة للاستهزاء والسخرية وإنكار التنزيل. وهو حبل متواصل منذ بدء الرسالة. قال تعالى: }وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي بعث الله رسولاً { (الفرقان: 41)، وقال تعالى: }وقال الذين كفروا لن نؤمن لهذا القرآن ولا بالذي بين يديه { (سبأ: 31).

● يحيك الكفار المؤامرات لمحاربة الإسلام والإيقاع بالمسلمين. وذلك دأبهم. قال تعالى: }ويمكرون{ (الأنفال: 30)، ولكن الله يبطل مكرهم. قال تعالى: }ويمكر الله والله خير الماكرين{ (الأنفال: 31)، وقال تعالى: }إنهم يكيدون كيداً ۝ وأكيد كيداً ۝ فمهل الكافرين أمهلهم رويداً { (الطارق: 15، 16، 17). وهم يجتمعون على ذلك وينسقون فيما بينهم المواقف. قال تعالى: }والذين كفروا بعضهم أولياء بعض { (الأنفال: 73).
الإستراتيجيات وإشكاليات الواقع:
بعد أن اتضحت معالم محددات الاستراتيجيات لكل القوى المتصارعة من زاوية المنظار الإسلامي فإن الالتزام بتلك المحددات والتحرك من خلال توجيهاتها والصول والجول على مساحاتها يصطدم بأمور كثيرة توقع تلك الاستراتيجيات في إشكاليات كبيرة لدى محاولة تطبيقها على الواقع. ويمكن الإشارة إلى بعضها باختصار، كالتالي:

1- عدم وضوح تلك المحددات لدى صانعي القرار في الحراك الإسلامي، سواء على مستوى الدول أو المنظمات أو الأحزاب. ويؤدي ذلك إلى أخطاء كثيرة في التعامل مع القوى الأخرى. وقد يتم ذلك من خلال عدم الاعتراف بتلك المحددات أو ببعضها أصلاً، أو بالجهل بها أو ببعضها أو بمحاولة تأويلها والالتفاف عليها، أو بتفسيرها على غير وجهها. وللأسف فإن ذلك مما عمَّت به البلوى ليشمل كثير من الأفراد الدعاة والجماعات والأحزاب الإسلامية وأصحاب الفكر الإسلامي شاخصاً بنَبْلِه إلى مستويات فوقية كالحكومات والرؤساء.

2- ضعف قراءة الواقع، أحياناً إلى حد السذاجة، وعدم بذل الجهد للإلمام بتفاصيل تَكَوُّنه ومكوِّناته، سواء على مستوى الفاعلين فيه أو الفاعلين له أو الإمكانات أو الدوافع أو الأهداف أو المراحل أو التقييم أو التخطيط، هذا على المستوى الإسلامي، ولكن وللأسف فإن القوى الأخرى، غير الإسلامية، تلحظ كل ذلك وتساهم في إنشائه وتحريكه ضمن رؤى المحددات التي ذكرتها لكل قوة فيما يتعلق بموقفها من الإسلام، وتقوم برسم استراتيجياتها وفق ذلك. ولكل قوة إستراتيجية مطوية خاصة بها تستخرج مكوِّناتها على أرض الواقع شيئاً فشيئاً وفق ترتيبات مسبقة. ولا نقول أن المستخرج من تلك الاستراتيجيات يحقق الأهداف المطلوبة منه في مرحلته، بل أحياناً كثيرة يصطدم بأمور ومتغيرات لم يكن أصحاب الاستراتيجيات قد توقعوها أو حسبوا حسابها، مما يستدعي إعادة التقييم والمناورة حول الأوتاد التي برزت على السطح فجأة فأغلقت أو قلصت سبيل مسارات التنفيذ. وبناء على ذلك فليس ثمة توازن في الصراع بين القوى الإسلامية والقوى غير الإسلامية، مما يجعل، في كثير من الأحيان، القوى الإسلامية في موقف رد الفعل، أو التصرف خبط عشواء، أو الأخذ على حين غرة، أو تبرير التراجع والانهزام، أو الانكفاء عن التأثير على الأفعال والوقائع، أو ملازمة الخوف والخشية، أو مجرد التفرج على ما يحدث، أو الانتظار لما ستأتي به الأقدار، أو عدم بذل الجهد المكافئ للمتطلبات. وقليل من القوى الإسلامية من يتلافى ذلك كله أو بعضه. قد تكون تلك لوحة محزنة أو كئيبة، ولكن وصف الواقع لابد منه لتلافي سلبياته والقفز على معوقاته.

3- لا يوجد ما يمكن أن نطلق عليه " مشروعاً إسلامياً " تلتقي على أساسياته جميع القوى العاملة للإسلام بل هناك جهود متفرقة، ومواقف مرتجلة، مما يسهِّل لأعداء الإسلام تحقيق مخططاتهم وتنفيذ استراتيجياتهم. على الجانب الآخر نجد هناك مشاريع صهيونية ونصرانية وعلمانية وصفوية، تمتلك الرؤى وتضع الخطط وتوظف الإمكانات وتتابع التنفيذ وتمارس التقييم. ولعل القوى الإسلامية تلتمس لنفسها الأعذار بسبب شدة الضغط الذي تتعرض له من الأنظمة الحاكمة ودوائر المكر المعادية للإسلام، غير أن ذلك لا يعني الالتفات عن المحددات التي ذكرتها أو تجاهلها أو الاعتقاد أن التمكين يمكن الوصول إليه عبر اختراقها أو عدم الالتزام بمتطلباتها.

4- مما يجابه تطبيق شريعة الإسلام في الواقع المجتمعي الإسلامي هو تسلط القوى العلمانية والليبرالية على مقاليد الحكم في معظم منظومة الدول العربية والإسلامية. إن هذه القوى المتسلطة لا تزال تتعاون مع القوى المعادية للإسلام لتواصل تغريبها للمجتمعات الإسلامية على مستويات التشريع (الدساتير) والأخلاق والمعاملات. إن عدم اعتماد الإسلام كمنطلق في واجهة أية دولة إسلامية ضيَّع الانطلاق في مساحة المحددات المذكورة لمواجهة القوى المعادية لإسلام، وبالتالي فلا توجد صورة متكافئة بين القوى الإسلامية والقوى المناوئة للإسلام. وهي إشكالية كبيرة ليس لها حل إلا بوجود دولة إسلامية تحمل هم الإسلام وتبرمج حراكها السياسي والاقتصادي والعسكري والمجتمعي على المستوى المحلي والدولي من هذا المنطلق.

5- يمثل المشروع الصفوي تحدياً كبيراً لأي مشروع إسلامي. ولغياب المشروع الإسلامي حالياً فإن المشروع الصفوي آخذ في التمدد والتوسع. إن خطورة هذا المشروع تكمن في احتمائه بمظلة الإسلام واتخاذه لبوساً وغطاءً لتحركاته وامتداداته. وهو مشروع قائم على تقويض أركان الإسلام الأصلية واستبدالها بأركان خاصة به، مما شوّه صورة الإسلام الحقيقية، وشق صفوف المسلمين. إن المشروع الصفوي هو في حقيقته مشروع فارسي يتخفى بلباس التشيع لأهل البيت، ويرمي إلى إقامة الدولة الفارسية الشيعية على إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن وبعض دول الخليج العربي. ومن المفارقات أن هذا المشروع لم يتم التصدي له بما يكافئ الصمود أمام قوة زخمه، غير أن عاصفة الحزم والتي لا تزال رياحها تواصل هبوبها ربما تعيد بعض التوازن في اليمن وتكف التمدد الحوثي الشيعي هناك المدعوم من إيران.

6- أما في العراق وسوريا فإن ملابسات خطيرة تتحرك على أرض الواقع، من أبرزها تنظيم دولة العراق والشام (داعش) حيث يلاحظ إن هذا التنظيم الذي يمعن في الغلو يكتنفه الغموض من حيث أصل تكوينه، وطبيعة هيكلته، وطريقة دعمه مالياً وبشرياً وعسكرياً، وشدة مواقفه ضد الفصائل الإسلامية المقاتلة في كل من سوريا والعراق، وهو لا يمثل مشروعاً إسلامياً مبنياً على الكتاب والسنة، بل هو مشروع مشبوه ربما يغلب عليه أنه أداة بيد القوى غير الإسلامية ينفذ من خلاله مشروع تقسيم المنطقة واستبدال صيغة سايكس بيكو بصيغة أخرى أشد فتكاً وأكثر تفتيتاً للعالم العربي، ومن ثم الإسلامي. ولعل مما يهدف إليه من صنع داعش أن يقدم الإسلام للعالم بصورة وحشية دموية، تصد الناس عن الدخول إليه والإقبال عليه. ولا يستبعد أن يصب مشروع هذا التنظيم في طبيعة المشروع الصفوي التوسعي. ولكن ربما يزايد هذا التنظيم على بعض الفصائل الإسلامية المقاتلة في سوريا والعراق من حيث كونه يستعلن بإقامة دولة إسلامية تحكم الشريعة (بحسب فهمه) بمقابل بعض تلك الفصائل التي تنادي بإقامة دولة ديمقراطية على أنقاض الدولة النصيرية الحالية، ولاشك أن السعي لإقامة دولة ديمقراطية في سوريا على أنقاض دولة النصيريين هو تضييع لدماء الشهداء ومصادرة لكل ما بذله المجاهدون من تضحية وصبر وفداء خلال فترات جهادهم التي تحمل المسلمون في سوريا خلالها أعباء الهجرة والضياع (حوالي أربعمائة ألف شهيد، نحسبهم كذلك والله حسيبهم، أكثر من نصف مليون جريح، ومئات الآلاف من المعتقلين وحوالي اثني عشر مليوناً من اللاجئين في داخل سوريا وعلى حدودها).

7- تعتبر أرض الشام والعراق واليمن وليبيا حالياً ساحة تقاطع المصالح بين مختلف القوى. فالقوى الصهيونية والنصرانية تريد صياغة المنطقة من خلال الفوضى الخلاقة (مشروع كيسنجر وبريجنيسكي وكونداليزا رايس) والتقسيم الإثني والمذهبي والقومي (مشروع برنارد لويس)، ويتضمن هذا المشروع استدامة الصراع بين القوى المتجابهة وهي ثلاث قوى رئيسة:

1`- القوى الشيعية: إيران والعراق الرسمي والشيعي وسوريا (نظام بشار البعثي) وحزب الله اللبناني. وهي مدعومة من روسيا والصين.

2`- القوى السنية المقاتلة: وهي قوى تنتظم في بنيتها الرئيسة فصائل إسلامية مجاهدة، إضافة إلى فصائل أخرى تنتمي إلى الجيش الحر تحت رايات علمانية وطنية وبغطاء سياسي خارجي تحت العباءة الغربية والأمريكية.

3`- تنظيم دولة العراق والشام (داعش).

وتقوم الدول النصرانية والدوائر الصهيونية بمحاولة إيجاد توازن على ساحة الصراع بين هذه القوى إلى أن تستهلك نفسها بنفسها وذلك ضمن حالات تغيُّر ميداني مسيطر عليها، تؤدي في النهاية إلى عدم تسجيل نصر نهائي لأي من الأطراف الثلاثة، وإنما إلى إيجاد كيانات جديدة صغيرة وضعيفة تحت مسميات دُوَل، بحيث يمكن الشروع في ابتلاعها بواسطة المشروع الصهيوني في المرحلة التالية من الإستراتيجية المطوية. ويتم على التوازي زمنياً تأجيج الصراع بين السنة والشيعة على مستوى الدول، وربما يتم تصعيد ذلك إلى درجة الصدام العسكري الشامل الذي يأكل الأخضر واليابس وخاصة في دول الخليج العربي وإيران بما يساعد على تشغيل مصانع الإنتاج الحربي في أوروبا وأمريكا وروسيا لأقصى الإمكانات لتقوم بضخ السلاح للقوى المتحاربة، فتنتعش اقتصاداتها على حساب تدمير البنى التحتية للدول المتجابهة، على أن تنتهي تلك المجابهات باتفاقيات تؤكد حالة اللاغالب ولا مغلوب، ولكن تكون تلك القوى قد أجهضتها الحرب فلا تقوى على التصدي لأي مشروع صهيوني يتحرك على جغرافية العراق والشام ومصر وربما بعض أجزاء من دول الخليج، إبان اندلاع تلك الحرب أو بعدها. ولذا ينبغي التهيؤ لمثل هذا " السيناريو " ضمن منظور استشراف آفاق نشر الاستراتيجيات المطوية، حيث تصطف روسيا والصين إلى جانب إيران ومشروعها الشيعي، في حين تصطف أمريكا والدول الغربية إلى جانب قوى المعارضة السورية (ظاهرياً) والقوى السنية الإقليمية، وتعمل القوتان على إنجاح المشروع الصهيوني وذلك وفق ترتيبات وصياغات تنسيقية مخفية تتم بينهما لإدارة هذا الصراع والسيطرة على تموجاته وفق ما ذكرنا.
أضواء على استراتيجيات بناءة للعمل الإسلامي:
إن الناظر إلى العالم الإسلامي وفق الأوضاع الجغرافية والسياسية والعرقية القائمة حالياً سيجده متفاوت الأحوال من وجوه عديدة، أبزرها:

1- الأنظمة السياسية الحاكمة.
2- القوانين والتشريعات.
3- اللغات واللهجات.
4- الأعراف والعادات.
5- المعارف والثقافات.
6- القبائل والأعراف والقوميات.
7- الأحزاب والجماعات.
8- الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
9- العلاقات الدولية والتحالفات.
10- التعامل بين الشعوب والحكومات.

إن جميع الوجوه المذكورة يجمع بينها أن مصدريتها ومرجعيتها ليست مؤطرة بالكتاب والسنة، بل إن أغلبها مغلف كلياً أو جزئياً بالغلاف العلماني. وقد أفرز هذا الواقع ثلاثة اتجاهات في تعامل الإسلاميين معه.

- اتجاه المجابهة.

- اتجاه المعايشة والمهادنة.

- اتجاه الموافقة.

وقد توزعت هذه الاتجاهات على وفق منظومة الحدود السياسية القائمة حالياً.

وإزاء الوجوه العشرة التي ذكرتها فإن لكل اتجاه إستراتيجيته الخاصة به للتعامل معها. وقد وقع الصراع بين هذه الاتجاهات، وتفرع الاختلاف بينها ضمن كل وجه من الوجوه المذكورة، مما أدى إلى استنزاف الجهد الإسلامي في داخل بنائه وإلى تقطيع شرايين علاقاته وتعدد سلبيات إفرازاته، مما جعله غير قادر على إحداث ما هو منوط به من بث حيوية التجديد لهذا الدين على مستوى المعمورة. ومن الملاحظ أن كل اتجاه يتعامل مع جميع دول العالم الإسلامي من منظاره الخاص ويريد أن يطبقه على الجميع، وهذا غير ممكن من الزاوية العملية ولا هو صحيح من الناحية النظرية.
والذي أراه، والله تعالى أعلم، أن دول العالم الإسلامي ينبغي تصنيفها بحيث يلحظ ما تستحق كل منها من أيٍّ من الاستراتيجيات المذكورة.

• فبعضها لابد فيه من المواجهة، والمقصود بالمواجهة هنا المواجهة بالقوة الجهادية لإسقاط النظام القائم، كما هو في سوريا والعراق وليبيا واليمن وأفغانستان، أو لإعادة الحق إلى نصابه والمحتل من الأرض إلى أهله كما في فلسطين. وعلى القائمين على هذا الاتجاه أن يبلوروا على أرض الواقع استراتيجيات إسلامية تخدم هذا الاتجاه في جميع الوجوه العشرة المذكورة، وإذا ما تم سقوط تلك الأنظمة التي تبنّى هذا الاتجاه إسقاطها فإن القائمين على قيادة هذا الجهاد ينبغي لهم أن يعيدوا النظر في مطويات تلك الاستراتيجيات ليتم إعادة نشرها وفق الواقع الجديد، وذلك تحت شعار أن تكون كلمة الله هي العليا في جميع نواحي الحياة. وبناء على ذلك فإن " اتجاه المجابهة " هو اتجاه لا يحمل في ثناياه الاستمرار، بل ينتهي بالوصول إلى هدفه وذلك حسب كل وجه من الوجوه المذكورة. وعلينا ملاحظة أن الجهاد في البلاد المذكورة لإسقاط الأنظمة الحاكمة فيها لم يكن منبعه من تخطيط الإسلاميين، إنما جاء الإسلاميون بعد ذلك راكبين صهوة الجواد. إن بدء المواجهة مع النظام في كل من سوريا وليبيا كان من خلال الثورة الشعبية التي ابتدأت بالمظاهرات السلمية، والذي أشعل شرارة الجهاد هو التصدي القمعي الوحشي لتلك الثورة من قبل النظام النصيري الحاكم. ومثل ذلك يقال في ليبيا. وأما العراق فكان بسبب الاحتلال الأمريكي إذ أوجب ذلك جهاد الدفع ل***** الدين والعرض والنفس والمال والكرامة والحرية. ومثل ذلك يقال عن أفغانستان وأما اليمن فكانت الشرارة هي استيلاء الحوثيين على الحكم بقوة السلاح. أما البؤر الجهادية الأخرى في كل من الصومال ونيجيريا ومالي وغيرها فلها أيضاً ظروفها الخاصة بها، وليست هذه الدراسة محل مناقشتها.

لقد ثبت أن تبني الجهاد كتخطيط مسبق لاعتباره نقطة انطلاق لإسقاط أي نظام حاكم في العالم الإسلامي، لم يؤت أي ثمرة في السابق، ومثاله جهاد " الطليعة المقاتلة " في سوريا في الثمانينات، وكذلك ما قامت به حركة الجهاد الإسلامي في مصر، وكذا حركات الجهاد في الجزائر لإسقاط الحكم العلماني، فالجهاد ضد أي نظام حاكم بغير شريعة الله في العالم الإسلامي لابد له من فقه شرعي مؤصل، ثم فقه جامع للنظر في تفاعلات الواقع وتداعياته، ثم لابد له من حاضنة شعبية تحميه من خلفه وتمده بالرجال والمال والمؤن وتؤازره وتؤيده، وأي من ذلك لم يكن قد وفرته أي حركة جهادية ممن ذكرنا، في حين أن ذلك توفر للجهاد في سوريا والعراق وأفغانستان وفلسطين على وجه أفرزته أحداث الواقع ضمن مسار قدري وليست من سبق إعداد من أي من الحركات الإسلامية المشاركة فيه حالياً. وقد ظن بعض الإسلاميين أن ولوج التغيير عبر المسار الديمقراطي هو الحل، ولكنهم فشلوا في ذلك فشلاً ذريعاً، كما حصل في مصر وتونس. ولو أنهم تريثوا وأبعدوا نظرهم في آفاق المستقبل عبر الالتزام بحدود الشرع والانضباط بمفاهيمه وتشريعاته، واستفادوا من أجواء الحرية الجزئية التي أتيحت بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية السابقة وشرعوا في تعميق وتوسيع معاني وملازمات الانتماء الإسلامي بين جماهير شعوبهم ووضعوا خططاً عبر عشرات السنين القادمة لاجتثاث تدريجي لما أحدثته العقود السابقة من أنقاض وتراكمات في تصورات وممارسات تلك الشعوب التي صبغت بالأصباغ المستوردة فكرياً وسلوكياً، لو فعلوا ذلك لما حصل لهم من الإقصاء ما قد حصل، والله تعالى أعلم.
ومما ينبغي الإشارة إليه أنه يجب التفريق بين عدم خروج المسلم على النظام الحاكم بغير الشريعة وبين الرضا بوجوده والمنافحة عنه كما يفعل بعض المنتسبين إلى طلبة العلم، أولئك الذي يبررون لتلك الأنظمة أفعالها المخالفة للشريعة وتوجيه الناس إلى الإذعان لذلك تحت شعارات يبتكرونها يؤولون من خلالها النصوص الشرعية ويحملونها على خلاف ما جاءت به.

أما ما يتعلق باستراتيجية جهاد الطلب ضد أعداء الإسلام فهي استراتيجية لاحقة ينظر إليها في المستقبل بحسب مقتضيات الواقع وظروفه وتحولاته، لكنها تبقى مفتوحة الباب من حيث التكليف الشرعي.

• وبعض الدول الإسلامية، غير الحاكمة بالشريعة الإسلامية ليس مناسب لها تفعيل اتجاه المواجهة لعدم توفر عوامل نجاحه ولاحتمال رجحان المفاسد المتولدة من ذلك على المصالح المرجوة. ولذلك فإن العقلاء من الإسلاميين في تلك البلدان ينبغي لهم أن لا ينساقوا إلى ضغوط اتجاه المجابهة، بل عليهم نصحهم وبيان خطورة ما ينطوي عليه توجههم. ولا يعني ذلك أن يهادن الإسلاميون تلك الأنظمة الحاكمة على حساب دينهم، بل عليهم استخدام جميع الوسائل السلمية المتاحة، والاستفادة من جميع ما هو مسموح به لتوظيفه لصالح المقصود الإسلامي النهائي، وهو حمل النظام على الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية فعلياً وليس ادعاءً. ويقتضي ذلك وضع استراتيجيات بناءة لكل وجه من الوجوه العشرة المذكورة ليتجه المجتمع بتكويناته كلها في اتجاه الرجوع إلى حكم الإسلام. إن هذا التوجه، وفق هذا المفهوم يسحب البساط من تحت أقدام الاتجاهين: اتجاه المعايشة والمهادنة، واتجاه الموافقة. وفي المرحلة الراهنة على هذا الاتجاه دعم الجهاد القائم حالياً في مواطن تفعيله، وليس باستحداث مواطن جهادية جديدة في بلاد أخرى لا تتوفر فيها عوامل استمراره ونجاحه.

إن أخطر ما يهدد هذا الاتجاه الذي ذكرته هو أن يتماهى الإسلاميون (أحزاباً وجماعات ودعاة وأفراد) في نسق الاتجاهات الحاكمة، وخاصة فيما يتعلق بالانزلاق في منزلق الديمقراطية، فإنه أشد المنزلقات خطورة على الإطلاق، وهو الفخ الكبير الذي نصبه اليهود والنصارى ليقع في شباكه المسلمون ويتم تمييع الدين الذي ائتمنوا عليه في أتون ناره. نعم، إن طريق هذا الاتجاه طويل من حيث الزمن ولكن سالكوه سيصلون إلى مبتغاهم في نهاية الطريق إن هم التزموا قواعد الشرع والسير وفق أصوله، أما طرق المعايشة والمهادنة والموافقة عبر الديمقراطية وغيرها من المنتجات العلمانية فإنها لن تصل أبداً، بل سيلفها ترس النظام الحاكم ويدخلها في تلافيفه، كما هو حاصل الآن.
إن أسلوب التغيير البطيء مع مصاحبة التجذير العقدي والاجتماعي والقيمي الإسلامي ومتابعة التغلغل في أوصال الأنظمة الحاكمة عبر المؤسسات والمساحات الخضراء المتاحة سيوصل إلى مرحلة هامة، قد تنتهي في مكان ما وفي زمن ما إلى سلوك أسلوب المواجهة، وفي مكان آخر وزمن آخر إلى إحداث التغيير سلمياً وبدون مواجهة قتالية، وهذا الذي ندعو إليه من حيث البناء الاستراتيجي.
وبناء على ما تقدم نلخص الاستراتيجيات البناءة للعمل لإسلامي وفق ما يلي:

1- حصر المرجعية بالكتاب والسنة والتزام المحددات التي ذكرتها في هذه الدراسة وفق فهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

2- السعي إلى توحيد كلمة المسلمين في إطار ما ذكرته أعلاه، ويشمل ذلك تصويب وتوحيد الرؤى لدى الجماعات والأحزاب الإسلامية، والتعاون على ما اتفق عليه والتناصح فيما اختلف فيه.
3- تشخيص معالم ومكونات الواقع على جميع المستويات المحلية والإقليمية والدولية مع تحديد جميع المؤثرات الفاعلة فيه لكل القوى المناوئة للإسلام التي ذكرتها، من حيث تصوراتها وأهدافها وخططها وبرامجها التنفيذية، مع مواكبة ما يطرأ عليها من تغيّرات وتجديدات.
4- وضع برامج دعوية تغييرية وتجديدية في إطار تصورات إسلامية واضحة المنهج عقدياً ملتزمة به تنفيذياً، مع ما يتطلب ذلك من توفير الإمكانات اللازمة التي تخدم الاستراتيجيات العشرة التي ذكرتها.
تلك هي خطوط عريضة للتحرك ضمن إستراتيجية بناء للعمل الإسلامي.

توصية:
----

إن التنسيق وفتح أبواب الحوار بين جميع الجماعات والأحزاب الإسلامية يثري كثيراً ما ذكرته في هذه الدراسة وينير دروباً جديدة ويفتتح آفاقاً بعيدة.
ما كان من الحق فمن الله وحده لا شريك له. وما كان غير ذلك فمن نفسي ومن الشيطان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد بن عبد الله إمام المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

--------------------------------