المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما هو الفرق بين (السنة) و (العام) و (الحول) و (الحجة)؟


صابرة
08-09-2015, 07:06 AM
قبل ما أجيب على هذا السؤال ارغب في ان أعمل "إبراء ذمّة" - Disclaimer – لإنّ مثل هذه الأسئلة موجّهة لله عزّ وجلّ وليس لي أنا (مدير صفحة تأملات قصيرة في القرآن والحديث)، فحدودي في الإجابة هي ما أظنّه، مدعوما بما فهمته من قول الله عزّ وجلّ في القرآن مستندا الي كتب التفسير و بعض المراجع والمحاضرات من علمائنا المعاصرين... في محاولة لتفسير ما لا ندركه من كلام الخالق جل شأنه. فإن اصبت فهذا توفيق من الله... وإن أخطأت فبالتأكيد هذا مني ومن الشيطان. الله ورسوله بريئان من ذلك كله , فسبحان من ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.
==تامل وتدبر==
القرآن مليء بالمعجزات اللغوية لا يستطيع إنس ولا جن أن يحصرها فقط يستطيع أن يشير الي (بعض) من هذه المعجزات. فنجد إن التعبير الواحد قد ترى فيه إعجازاً لغوياً جمالياً وترى فيه في الوقت نفسه إعجازاً علمياً أو إعجازاً تاريخياً أو إعجازاً نفسياً أو إعجازاً تربوياً أو إعجازاً تشريعياً أو إعجازاً عددياً أو غير ذلك. هذا الموضوع يناقش صورة من صور دقة القران في اختيار الكلمات والالفاظ. لا يوجد في القرآن الكريم مترادفات لغوية أبدا فكل كلمة يتم إختيارها بدقة فائقة لتخدم غرض ما او لتوصف حالة او وضع معين, مثال ذلك : ما هو الفرق بين ( السنة ، العام ، الحول ، الحجة ) :
أولا (السنة) :
هي =12= شهرا من الألم و العذاب و المعاناة ، مثال ذلك قوله تعالى عن قصة سيدنا يوسف عليه السلام في تأويل رؤيا ملك مصر:
1- {۞ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ۞} [يوسف:47]
2- {۞...فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ۞} [يوسف:42].
لذلك من الأخطاء الفادحة أن نقول في المناسبات [كل سنة وإنت طيب] أو [سنة حلوة يا جميل] , فالسنة لا تكون حلوة أبدا .
والملاحظ أن لفظة ( السنين ) تستخدم دائماً بغرض التعبير عن العدد. فهي قد ارتبطت بعدد ، إما صريح كما في ( ألف سنة ) ، أو غير صريح كما في (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) ، أو بذكر كلمة ( عدد ) نفسها كما في (ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ) ، ومن هنا نستطيع أن نقول إن استخدام لفظة ( سنة ) ولفظة ( سنين ) يكون مترافقاً مع الشدة والمعاناة في حين لا يستخدم ( العام ) لذلك ، مثل (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) ، ومثل (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً) والملاحظ أنها دائماً تكون بغرض العدد .
ثانيا (العـام) :
هو =12= شهرا من الرخاء و الراحة، خير مثال علي ذلك بقية ما قاله سيدنا يوسف في تأويل رؤيا ملك مصر بعد أن وضح ان هناك سبع سنين شديدة ثم بعدها ياتي عاماً من الرخاء:
{۞ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ۞} [يوسف:49]
و قولنا ( كل عام وأنتم بخير ) صحيح
فإذا فهمت هذا الفرق في المعني بين سنة وعام سوف تستنتج إن النبي ( نوح ) عليه السلام أمضى مع قومه [ 1000 + 50 ] و ليس 950 (كما يعتقد الكثيرون) و السبب قوله تعالى:{۞وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ۞} [العنكبوت:14]. و لا يجوز طرح العام من السنة , فالآية الكريمة توضح أن نوح قد أمضى [ 1000 سنة من المعاناة مع قومه ] إلا [ 50 عاما من الراحة عاشها بعد الطوفان ] , لذلك أمضى نوح مع قومه [ 1000 سنة ] + [ 50 عاما ] = 1050 وليس 950 (لمزيد من التوضيح لو كان القصد 950 لقال: الف سنة إلا خمسين سنة) فالأعوام الخمسين المستثناة هي المدة التي لم يعاني فيها نوح شدة بعد غرق قومه.
وكذلك بتأمل الآيات التي وردت فيها لفظ "عام" نجد أن ذكر "العام" فيها إنما هو لتحديد المدة ، سواء اقترنت المدة بعدد مثل ( مائة عام ) ، أو لم تقترن بعدد مثل ( بعد عامهم هذا ) ، فالآيات تريد إبراز وإظهار المدد أكثر من إظهار العدد ، فقوله (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ) ثم قوله (بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ) يؤكد على تحديد مدة قدرها مئة عام وليس كما ظن عزير حين قال ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) وقوله تعالى (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) فيه توضيح أكثر الى أن المقصود هو تحديد المدة بحيث أنه بعد انقضائها فلا يجوز للمشركين أن يقربوا المسجد الحرام . ولعل في قوله تعالى ( وفصاله في عامين ) أوضح مثال على تحديد مدة فصال الطفل عن والدته .
مما سبق نستطيع فهم الفرق الدقيق في المعنى بين السنة والعام ، حيث تستخدم السنة للعدد ولوصف الشدة والمعاناة ، ويستخدم العام لتحديد المدة ولا يترافق معه شدة .
ثالثا (الحـول) :
هو انقضاء (12 شهر ) في نفس التاريخ الذي بدأت منه. تماما كما هو الحال في شروط زكاة المال نقول: "حال عليه الحول" اي مضى عليه 12 شهر منذ ان بلغ المال النصاب. ذكر الحول في القرآن الكريم مرتين :
1) مرة في صيغة ( الحول ) في قوله تعالى :{۞وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ.. ۞}[البقرة:240].
2) ومرة في صيغة ( حولين ) في قوله تعالى :{۞ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ...۞} [البقرة:233].
ونلاحظ أنه في المرتين ، قد ارتبط بالولادة مرة ، وارتبط بالموت مرة . وحيث أن الولادة تحدث في كل وقت من العام فقد حددت الآية مدة الرضاعة بسنتين منذ وقت الولادة والى مدة تنتهي في مثل ذلك الوقت بعد سنتين ، وبتعبير آخر حتى يحول الحول على المولود مرتين . وكذلك الموت يحدث في كل وقت من أوقات العام فقد حددت الآية مدة بقاء الزوجة الأرملة في بيت زوجها منذ وفاته وحتى تمام مرور سنة أي حتى يحول عليها الحول . ومن ذلك نستطيع فهم تعبير الآيتين ( الحول ، حولين ) بأنه انقضاء سنة في نفس التاريخ الذي بدأت منه .
وهنالك لفتة بارعة بهذا الإعجاز الغوي في إختيار كلمة "حول" في مسالة الرضاعة دون غيرها من الكلمات يقود الي إعجاز اخر وهو الاعجاز العلمي الذي أثبت ان أقل مدة الحمل هي ستة أشهر. كما في قوله تعالى عن الطفل الصغير في هذه الايات الثلاث:
1) {۞ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ...۞} [البقرة:233]
2) {۞ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ...۞} [لقمان :14]
3) {۞ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا... ۞} [الأحقاف:15]
من الأية الاولى قال:"حولين" و في الثانية قال:" عَامَيْنِ" إذن الحول= العام (في عدد الشهور كلاهما يساوي 12 شهر).
من الاية الاولى والثانية: الرضاعة = 24 شهر.
من الاية الثالثة: الحمل + الرضاعة = 30 شهرا
بالتعويض: الحمل + 24 =30
وبالتالي الحمل=30-24=6 شهور
ومن هنا اثبت القران الكريم ان أقل مدة الحمل ستة أشهر ، وهو استنباط قوي صحيح . إستدل به سيدنا علي كرم الله وجهه ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ، رضي الله عنهم. وأكدته كثيرا من كتب التفسير المعروفه والموثوقة (مثل تفسير بن كثير) وكذلك أثبت العلم الحديث ان في ستة أشهر يكون الطفل مكتمل النمو، بل رأينا بأُم اعيننا أطفال يُولدون مبكرا في ستة شهور (يوضعون في حضانات في كثير من الاحيان) ويعيشون طبيعي كبقية الأطفال.
==احب الأشارة هنا الي رأي أخر مخالف من بعض إخواننا الباحثون والمجدِّدون بقولهم ان "الحول" هو عشرة أشهر و نصف الشهر بعد إفتراضهم ان فترة الحمل هي تسعة أشهر. وهذا الرأي لا يتفق عليه الكثير من العلماء لاسباب كثيرة اهمها ان تناقضه مع موضوع زكاة المال. ==والله اعلم==
رابعا (الحجـة) :
هي موعد المواسم ، لذلك نقول [ موسم الحجّ ] . فالحجة هي الفترة الزمنية منَ الموسم إلى المَوسِم التالي، وهي تشير الي الأجل وذلك في سورة القصص حين قال شيخ مدين (الرجل الصالح .. الشيخ الكبير والد الامراتين) لموسى: {۞قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ۞} [القصص: 27].
أي أنْ يعمل عنده حتى يأتي موسم ولادة الغَنَم 8 أو 10 مرّات أيما الاجلين يختار موسى.
وقد استخدمت الآية لفظة ( حجج ) للتعبير عن عدد السنين وعن تحديد المدة في آن معاً ، وقد سبق أن قلنا إن لفظة ( السنين ) استخدمت للتعبير عن العدد بينما استخدمت لفظة ( العام ) للتعبير عن تحديد المدة ، أما القضية التي تبرزها لنا هذه الآية فهي عقد استئجار شفوي يبرم بين شيخ مدين كطرف أول وبين موسى كطرف ثان ، يتفق فيه الطرفان على أن يزوّج الطرف الأول ابنته الطرف الثاني مقابل أن يعمل الطرف الثاني لدى الطرف الأول مدة محددة قدرها ثماني سنوات . ولأن صيغة العقد تقتضي الدقة ، فإن كل سنة تكون حجة على الطرف الثاني قبل أن تنقضي ، وحجة على الطرف الأول حين تنقضي ، ولذلك جاء التعبير عن السنة بالحجة .
كما أن الآية الكريمة تظهر لنا معلومة أخرى لا يعلمها معظم الناس ، فمن خلال استخدام تعبير ( ثماني حجج ) ندرك أن فريضة الحج كانت موجودة في ذلك العصر ، وكان الناس يحجون البيت الحرام ، ذلك أن عصر موسى متأخر بضعة قرون عن عصر إبراهيم عليهما السلام ، وكما نعلم فإن إيراهيم عليه السلام هو الذي أذن في الناس بالحج . وهذا يعني أن اللفظة تخدم معنيين في وقت واحد فلا يغني استخدام السنة ولا العام ولا الحول عنها .
أخيرا أختم بما بدات به وهو ان القران الكريم هو كلام الله مليء بالاسرار والمعجزات التي لا حصر لها. فالإعجاز أمر متعدد النواحي متشعب الإتجاهات ومن المتعذر أن ينهض لبيان الإعجاز القرآني شخص واحد ولا حتى جماعة في زمن ما مهما كانت سَعَةُ علمهم واطلاعهم وتعدد اختصاصاتهم إنما هم يستطيعون بيان شيء من أسرار القرآن في نواح متعددة حتى زمانهم هم، ويبقى القرآن مفتوحاً للنظر لمن يأتي بعدنا في المستقبل ولما يجدّ من جديد. وسيجد فيه أجيال المستقبل من ملامح الإعجاز وإشاراته ما لم يخطر لنا على بال.
{۞أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا۞}[ النساء: 82].
[ كلّ هــذا و اللـهُ أعْلَـــم ]

نقلته لكم كما هو
اللهم علمنا ما ينفعنا وزدنا علما

:1: