المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ألعوبة التحرش في السعودية


عبدالناصر محمود
08-16-2015, 06:39 AM
ألعوبة التحرش في السعودية
ـــــــــــــ

(أمير سعيد)
ــــــ

غرة ذو القعدة 1436 هــ
16 / 8 / 2015 م
ــــــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/thumb/28426790777738-thumb2.jpg


لكثرة ما لمسناه آنفاً في التعاطي مع جريمة التحرش في مصر وغيرها؛ فإن ما يتم استنساخه اليوم في السعودية يبعث على السآمة؛ إذ يغدو التجديد مطلوباً حتى لو كان في الخطط المبرمجة التي يتوجب على "الآخر" أن ينفذها علينا بلداً تلو الآخر! ليس لأن تلك لم تنجح في تحقيق أهدافها، ولكن فقط لكيلا نشعر بالسأم من كثرة التكرار في كل مجال أكان سياسياً أو اجتماعياً أو سياسياً !!

تجربة التحرش المصرية، أو قل "ألعوبة التحرش" اتخذت مساراً معيناً للوصول إلى مرمى بلغته وستواصل المضي في البناء عليه قدماً، وهي تستنسخ بمضامينها مع اختلافات ظرفية ليست جوهرية تحتمها الاختلافات القيمية والمجتمعية.
تسير اللعبة باختصار هكذا...

منظمات حقوقية أو "نشطاء شباب" أو مجموعة من الصحفيين والإعلاميين بصفة عامة يقفزون على حبل مشدود واحد يحذرون من خطورة التحرش الذي بدأ ينتشر بسرعة النار في الهشيم في المجتمع.. يعزز تحركهم عدد من الإحصاءات والدراسات الموجهة كلها تشير إلى الفاجعة الكبرى، وهي أن التحرش قد بلغ حداً غير مسبوق في المجتمع وأنه لابد من ردعه بشتى الطرق..

وفي الأثناء، يقوم "النشطاء" بعرض بعض المقاطع المرئية التي يبلغ التأثير المعنوي من عنوان المقطع أو ملابساته أكثر مما يعبر عن ظاهرة حقيقية أو مشهد بالغ الإسفاف، أو تجسيداً لمشكلة واسعة الانتشار، وإنما قد يقتصر على معاكسة عابرة مذمومة لكنها ربما تحصل بشكل استثنائي منذ زمن بعيد، لا تعبر بالضرورة عن ظاهرة متفشية بنحو طاغٍ.. ثم ينبري "الأتقياء الأخفياء" الذين ينحدرون في غالبهم من بيئة يسارية على الأغلب، ليبرالية تالياً للبناء على المقطع أو الخبر!

يبدأ الفعل باستعراض إحصاء مخيف كالذي استعرضوا أمثاله في مصر مثلاً (90% من نساء مصر تعرضن للتحرش!)، مشفوعاً بدراسة أكاديمية لا تستند إلى معطيات حقيقية أو علمية، ويكتفي فيها بتزكية أكاديمية مشبوهة في جامعة ما، أو استبيان غربي لا يرتكن إلى معلومات موثقة، ثم يتلو ذلك المطالبة بعقوبات رادعة على المتحرشين، وإن سمح الظرف في هذه الدولة أو تلك؛ تنشأ مجموعة من "النشطاء" لتنفيذ القانون بيدها، كمجموعة "امسك متحرش" في مصر وغيرها في بعض دول المغرب العربي.

ثم تستجيب السلطات في هذه الدولة أو تلك للمطالبات بضرورة صدور "قانون رادع" ضد المتحرشين.

لكن ما الضرر في كل هذا؟! وما العيب في أن يقوم بالدعوة للأخلاق كائناً من كان، أوليس الهدف هو حماية المجتمعات ونشر الأخلاق وشيوع القيم الأصيلة؟!

الجواب المنقوص: نعم، لا ضرر، بل الخير كل الخير في هذا وفي ردع هؤلاء العابثين، و"الحكمة ضالة المؤمن"، ولا يضير أن يأتي الخير حتى من "اليسار"، لكن أهذا حقيقة هو ما يرنون إليه؟

للجواب ابتداءً، يتوجب النظر أولاً إلى تعاطي هذه المجموعات "الأخلاقية" في بعض البلدان إلى ما يفوق التحرش بمراحل، وهو الاغتصاب، الذي تنفذه سلطات بعض الجمهوريات العربية الفاشية في أقبية سجونها، ومخافرها، وحتى في مدرعاتها فور توقيف ضحاياها.. هل ارتقى "نشاط" هؤلاء "النشطاء" إلى ما يتناسب ما حجم الجريمة التي تفوق التحرش بكثير (يبدأ تعريفهم للتحرش من التحرش اللفظي)؟ بالطبع لا؛ فلقد تجاهل هؤلاء أنفسهم الانتهاكات الجسيمة التي تستهدف النساء، بما يجعل تحركهم مثير للريبة بدرجة كبيرة؛ فغير عيي على النظر أن يطلع هؤلاء على أوضاع سجينات سوريا والعراق مثلاً كأوضح صور الانتهاكات الجنسية في العالم العربي، ومع هذا؛ فنادراً ما يصدر عن مجموعاتهم المشبوهة ما يشير إلى إدانة أو مطالبة بملاحقة قانونية أو نحوها بما يشي بأن وراء الأكمة ما وراءها.

ثم..

تجد حرصاً لافتاً على تجريد قضية التحرش من أحد أهم أسبابها الموضوعية، وهو مسؤولية الطرف الآخر، المتحرش به في بعض الأحيان عن تشجيع "الذي في قلبه مرض" في ارتكاب جريمته، وهو تجريد مضطرد في كل بلد ومكان، وعلى نحو يمثل فيه هؤلاء نوعاً من الإقصاء القاسي لأصحاب الرؤية الأخلاقية الرشيدة في الأخذ بجميع الأسباب المانعة لحصول التحرش، ومنها التزام الطرف المتحرش به (غالباً المرأة) بالآداب العامة من ارتداء ملابس مناسبة وعدم خضوعها بالقول امتثالاً لما نبه إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: "ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض".

هذا التجريد الذي يحرص عليه المثيرون دوماً لقضية التحرش يتجلى في التشديد في كل مناسبة وبدون مناسبة على أن "المنتقبات أيضاً يتعرضن للتحرش" (وهي بالمناسبة الحالة الوحيدة التي يدافع فيها يساري أو يسارية عن حق المنتقبة، وإلا فدون هذا يلعنونها ويقصونها سياسياً واجتماعياً، ولا يدافعون عنها إن تعرضت لاغتصاب أمني، إذ يغضون الطرف عن اغتصابها لكنهم يضحون بحياتهم من أجل ألا يُتحرش بها!)..

وقطعاً؛ فإن تعرض الملتزمات دينياً للتحرش هو أمر واقع حقيقة، لكنه لا يتناسب أبداً مع نظيراتهن من الخاضعات قولاً ومن المتبرجات بزينة، وأي باحث موضوعي لا يمكنه أبداً تجاهل إسهام الملابس المحتشمة وجدية المرأة في تقليل هذه الجريمة بنسبة كبيرة.. لكن ليس هذا هو المطلوب من مثيري القضية.

وقطعاً أيضاً، نحن نواجه مشكلة التحرش فعلاً في مجتمعاتنا، وهي مستمرة في زيادتها بمقدار ابتعاد الناس عن جادة الحق، والتزام أحكام دينهم وشرائعه، وهي فرع عن أصل عام لا ينبغي معالجته بمعزل عن الإسهامات الكبرى للإعلام العربي المتهتك والتغريب المستمر الآخذ في تحويل مجتمعاتنا إلى المادية الغربية البغيضة بكل ما تحمله من أخلاقيات وسلوكيات بغيضة. وانحدار الأخلاق لا يمكن اختزاله في مظهر واحد، ولا يكمن علاجه بالتأكيد عبر سن قوانين رادعة وحدها.

لكن مرة أخرى، ما هو المزعج في إثارة قضية التحرش وفي الضغط لاستصدار قانون رادع لها؟!

ليس ثمة مزعج من حيث الأصل، بل نتفق جميعاً على ضرورة مواجهة كل خلق سيء وسلوك حيواني، إنما ما نلمسه في كل هذا يثير قلقاً لاختلاف المشارب والمنازع؛ فبتحليل مختصر للقضية:

يطالب البعض بمكافحة التحرش، وهو لا يريد أن يصار إلى حل "ديني" لها؛ فلا يريد معالجة لها من قبل الدعاة والمصلحين، ولا تحليل أسبابها الموضوعية، ولا يريد أن يعيد هؤلاء العتب على المرأة في هذا حتى وإن كان بدرجة أقل كثيراً من المتحرش ذاته، ثم مطالبة بقوانين رادعة لا يطالب بمثلها في جريمة الزنا نفسها؛ فلماذا؟

لماذا، لأنه يود أن تتلاقى مفاهيمه عن التحرش وحتى الاغتصاب مع مفاهيم الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق المرأة العالمية، وليس الإسلام، وهذا يعني تحديداً أن "التحرش بالإكراه" أعظم جرماً من "الزنا بالاتفاق".. يعني أن ردع المتحرش ليس غرضه حماية الأخلاق، وإنما "إطلاق حرية جسد المرأة"؛ فلها أن ترتدي ما تشاء مهما كان صادماً لأخلاقياتنا، وعلى المجتمع في المقابل أن يصونها من التحرش، تماماً مثلما تطالب منظمة فيمن الصهيونية للتعري وغيرها (لك أن تتصور أن المتعرية المصرية علياء، عضوة فيمن، هي "ناشطة" ضد التحرش!)

منطلقات "سيداو" لا تستقيم كقيم أخلاقية يمكن أن تصلح مجتمعاً ما دامت ترنو فيما ترنو إليه إلى مزيد من التفسخ والانحلال، حتى لو تلاقت ظرفياً في هدف ما مع قيمنا الأخلاقية؛ فديننا الإسلامي الحنيف يعلي من قيمة "النية" التي تحفز على "العمل"؛ فلا يصلح عمل صالح من دون نية صالحة.. بل جاء في الأثر: "نية المؤمن خير من عمله".. فأي نية تكافح بها جموع "الناشطات المتبرجات" وإعلامهم السافل أخلاقياً مشكلة كمشكلة التحرش؟!

----------------------