المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موت النبي صلى الله عليه وسلم


جاسم داود
03-14-2012, 04:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موت النبي صلى الله عليه وسلم


الحمد لله الذي جعل الموت رحمة للأبرار، ينقلهم به من دار الهموم والغيوم والبلاء والأكدار، دار النصب والوصب والأذى والبأساء والضراء والآلام والأسقام والأخطار، دار الحسد والنكد والخوف والجوع والذل والبوار، دار الهوى واللعب والفخر والزينة والتكاثر والاغترار، دار الشقاء والعناء، سجن المؤمنين وجنة الكفار إلى دار الراحة والسرور والفرح والاستبشار، دار الصحة والبهجة والعز والقرار، دار الملك والخلد والبقاء وجوار المحسن الغفار، دار الأمن من جميع المخاوف وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وتختار، فسبحانه من إله خص بهدايته من اختاره لولايته وربك يخلق ما يشاء ويختار.



أحمده سبحانه على حلو القضاء ومر الأقدار، وأشكره على عواطف كرمه المدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالبقاء والدوام والاقتدار، شهادة شاهدة بصحة الإقرار أرجو بها الفوز بالجنة والنجاة من النار. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المصطفى المأخوذ له على جميع الأنبياء الميثاق بالإيمان والاتباع والنصرة فأعطوا على ذلك العهد والإقرار، وأسرى به إلى ما فوق السموات ففاز بالقرب والزلفى من الجبار فرجع وقد حاز شرف الدنيا والآخرة والعز والفخار. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق الجهاد في اليسر والإعسار، حتى أرغم الله بهم أنوف المنافقين وأباد خطر الكفار، صلاة وسلامًا يبلغان من ربهم نهاية الأوطار.




فيا أيها الناس..
اتقوا الله تعالى وتأهبوا للموت الموكل بالبعيد والقريب فلو نجا منه عزيز أو خليل أو حبيب لنجا منه النبي السيد القريب
في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس على المنبر فقال: (إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده)[1]. فعلم أن ذاك لحضور أجله وقدومه إلى ربه وتهيئته نزله، ولما نزل به جعل يمسح وجهه بالماء ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات اللهم إنك تأخذ الروح من العصب والقصب والأنامل فأعني على الموت وهونه علي، فلما تغشاه الكرب قالت فاطمة: واكرب أبيه، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم يخشاه، فلما كانت ساعة قبض روحه الشريفة نزلت الملائكة للعروج بروحه إلى الحضرة العالية المنيفة، فتقدم جبرائيل فقال: يا محمد هذا ملك الموت يستأذن عليك ولم يستأذن على أحد قبلك ولن يستأذن على آدمي بعدك، فقال: ائذن له فقال جبرائيل: يا أحمد إن الله قد اشتاق إلى لقائك فقال- صلى الله عليه وسلم - : يا ملك الموت امض لما أمرك الله به فقال جبرائيل: السلام عليك يا رسول الله هذا آخر موطئ من الأرض إنما كنت حاجتي من الدنيا ثم رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه إلى السماء وقال اللهم في الرفيق الأعلى ثم قبض وجاءت التعزية السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185] الآية .
وعن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال: "لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزتهم الملائكة يسمعون الحس ولا يرون الشخص فقالت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفًا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإنما المحروم من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته"[2]. فيا لها من مصيبة لا تشبه المصائب، لقد كان نعمة عمت الأرض طولها عرضها، لقد كان هاديًا للصواب ووجوده أمنة من العذاب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].


فاعلموا رحمكم الله أن الدنيا دار بلاء واختبار والآخرة دار جزاء وقرار قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35]، فالمؤمن يبتلى على قدر إيمانه فأعظمهم بلاء أثبتهم إيمانًا وبالفتنة يتبين صدق الإيمان، يقول الله جل وعلا: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾ [الحج: 11]، أي على طرف وعلى شك- فإن أصابه خير اطمأن به- أي إن أصابته نعمة وعافية ارتاح لها وبقي على حالته الحسنة من أمر دينه- وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه- أي إن أصابه بلاء وامتحان وضيق في العيش أو مرض في الجسم أو نقص في المال انقلب على وجهه أي انقلب عما هو عليه عن فعل الخير والتحلي به والاتصاف بصفات المؤمنين إلى ضد ذلك نعوذ بالله من ذلك فيخسر دنياه وآخرته ذلك هو الخسران المبين.
يقول - صلى الله عليه وسلم – في حديث رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن مسعود - رضي الله عنه – (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وأن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتي ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها)[3].


كما كان من سحرة فرعون الذين عاشوا أعمارهم سحرة كفرة يدينون لفرعون بالربوبية فلما اتضح لهم الحق من معجزة موسى - عليه السلام - في يوم المبارزة لما جاؤوا بسحر عظيم ثم ألقى موسى عصاه فالتقمت كل ما جاؤوا به فعرفوا أنها معجزة وأن ما جاء به موسى حق فآمنوا به وقتلوا من يومهم فدخلوا الجنة، فيا أمة محمد إن المؤمن في هذه الدنيا معرض للفتن والمصائب ليرفع الله بها درجاته ويحط من سيئاته فليحتسب على الله كل ما يصيبه من هم أو حزن أو مصيبة في نفسه أو ولده أو ماله من مرض أو تلف مال فإن قضاء الله لا يرد، فمن يرضى به يثيبه الله ومن يسخطه يسخط الله عليه، وقدر الله نافذ.


يقول - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فعليه السخط)[4]. أي من رضي بقضاء الله حلوه ومره أثابه الله ومن سخطه سخط الله عليه، وقد وعد الله تعالى الصابرين خيرًا بقوله: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].



والحمد لله رب العالين.



[1] صحيح البخاري 3691، صحيح مسلم 2382.
[2] المستدرك 4391.
[3] صحيح البخاري 7016.
[4] سنن الترمذي (2396) وقال: حديث حسن غريب.





دمتم برعاية الرحمن وحفظه
شبكة الألوكة