المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سُنة الخلاف في مصر


عبدالناصر محمود
08-31-2015, 07:48 AM
سُنة الخلاف في مصر
ـــــــــــ

(مصطفى المصري)
ـــــــــــ

16 / 11 / 1436 هــ
31 / 8 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/830082015100439.png


"لا تذهب للكُتّاب فثمة محاولات لتلويث أفكارك يا بني"..قالها صديقي وهو يمسح على رأس ابنه ذي العشرة أعوام .حينها أدركت حجم الفاجعة التي تحيط بنا، وأيقنت في الوقت ذاته أن مصطلح العدو لا يمكن له أن يقف على ذاك العدو القابع خلف الحدود، يرقبنا بلهفة الذئب الكامن لفريسته، إنما هو مصطلح يتجذّر فينا وبيننا، فينشأ ناشئ الفتيان منّا .. على ما كان يرقُبُهُ عِداهُ .
آلمتني كلمات صاحبي، لكن ما آلمني أكثر، هي تلك السنوات التي علينا انتظارها حتى يكبر الصبي، وهو يحمل في صدره من العداوة ما يفتك بوحدة الصف، التي لطالما انتظرناها ونسعى إليها .
لقد أيقنت في داخلي أن جسد الأمة الجريح، لا يعاني من بلاء الحصار العالمي وحده، وإنما يحمل من الأمراض الداخلية ما يعيقه عن دفع السهام النافذة إليه، فهو في كل ساعة ينزف ويتألم، نزفة سهم غادر، وألم وجع غائر .
وعلى الرغم من بلاء الأعضاء، وتعدد الجراحات، إلا أن القلب لم يزل نابضاً، ويدفع من الدماء ما يجدد لتلك الأعضاء الهزيلة روح النشاط وحافز العمل .
إن أعظم الأضرار التي يمكن أن تقدمها فئة من الفئات المكونة للحركة الإسلامية؛ هي أن تحاول طرح نفسها للشارع كبديل لفئة أخرى لها باع طويل في خدمة قضايا الأمة والقيام على مصالح الشعب، فهو إفشال متعمد، وتشويه منظم لصورة الكتلة الإسلامية ككل؛ فنظرة مواطن الشارع لجميع المنادين بضرورة العمل بالأحكام الإسلامية في الدولة، هي نظرة واحدة، سواء اختلفت الأسماء أم تشابهت .
ولا تنحصر المشكلة في نظام التربية الذي يعتمد على الأنا البديلة لنحن، أو محاولة فئة من الفئات إقصاء فئة أخرى من المشهد السياسي، وإنما غياب الحاضنة الدينية، التي تتمثل في المرجعية العليا لكافة الحركات الإسلامية، المتنافسة على تقديم أنموذج فريد لحركة النهضة الحديثة في مصر، فتكون متكأً للضعيف، وحماية له من جور الأقوياء، وملاذاً للمستضعف من تربص المتربصين، وضامناً لوحدة العمل الإسلامي .
إنني حين أتحدث عن تلك العوامل التي أدت إلى اتساع الفجوة بين الحركات الإسلامية في مصر، لا يمكنني أن أهمل طبيعة التدخلات الخارجية، ودورها في تأجيج نار الفتنة بين أبناء الحركة الإسلامية، فقد باتت إستراتيجية الحرب بالوكالة، والضرب في العمق من أهم إستراتيجيات العدو، لإحداث مزيد من الفوضى، وضرب المشروع الإسلامي في مقتل .
ولا شك أن تلك الإستراتيجيات يمكنها إطالة أمد الحرب الداخلية بين أبناء الفكرة الواحدة، وقد نجحوا في ذلك، لكن نجاحهم لن يطول، فقد بات مهدداً مع انتشار حركة الوعي الثقافي بين المجتمع المصري، بفضل ما فرضته وسائل الإعلام والنشر الجديدة، من توضيح لطبيعة ما يدور لحظة بلحظة .
إن المتأمل في حقل العمل الإسلامي المصري يدرك تماماً، أن ثمة هوة كبيرة قد ساعدت في تشرذم الصف، فهبطت به من قمة الهرم إلى ما دون أسفله.
فليس من المنطقي أن تنهار كل تلك الظواهر الفريدة في ميدان الثورة مطلع العام 2011م، لتصل إلى هلامية المشهد الذي نراه على الساحة في عامنا الحالي .
ولعل تلك الهوة الكبيرة قد ساهمت بشكل أو بآخر في إحداث تغيير على المشهد الوعظي، الذي تتميز به الحركات الإسلامية عن بقية الأحزاب الليبرالية المتواجدة على الساحة السياسية المصرية، فظهر بعض الوعّاظ حديثي العهد بالالتزام الديني، ليخوضوا في الفروع ناسين أو متغافلين عن الأصول، فساهموا في تعميق الفجوة القائمة بين التيارات الإسلامية المختلفة.
وما أشقى ذلك الحالم الذي ظن أن الدين يكمن في مظهرٍ من المظاهر، فوضع بذلك كل من خالفه داخل دائرة الشك، وهو بذلك قد انتقل بالمعركة من ميدانها الفسيح الذي يحتمل عدة مسالك للخروج، إلى زاوية هي أضيق ما يكون وأبعد عن جوهر الصراع الحقيقي .
ولا أظن ذلك المناضل حديث العهد بالعمل السياسي، والذي يرى في العازفين عن المشاركة السياسية مشروعاً للهزيمة، لا أظنه بعيداً عن ذلك الذي سبقه.
إن الغاية من اختلاف الوسائل بين الحركات الإسلامية في العمل السياسي، هي صنع بيئة مناسبة تقدم أنموذجاً إسلامياً فريداً، يحمل في داخله مبادئ الإسلام في الشورى والعدل والمساواة والمواطنة والوحدة وحرية الاعتقاد، وليس إيجاد نزاع بين أبناء الحركة الواحدة، وإثارة نوع من البلبة والفوضى في رأس المنتسبين إليها من عامة الشعب .
ولعل في فردية التفكير، وشعور كل طرف بأن الإسلام الصحيح هو ما يعتقده ويؤمن به، ولن يقوم إلا به دون غيره، هو ما دفع جميع الحركات الإسلامية الناشئة إبان ثورة 25 يناير إلى البدء في الطريق من بدايته، وعدم الأخذ في الاعتبار خبرة ومرونة بعض الحركات العاملة على الساحة منذ أمد بعيد، وبالتالي تعيين هياكل قيادية غير مدربة، ولا تجيد العمل السياسي، فانعكس ذلك على الأداء، فبدا بصورة هزيلة ضعيفة مذبذبة، وأصبحت تلك الحركات الناشئة عرضة للاختراقات من قِبَل القاصدين إلى تثبيط أي محاولات للتكامل بين مكونات النسيج الإسلامي، فانعكست تلك الأمور على أداء قيادة الأحزاب الناشئة، فابتعدوا عن الهدف، واحتدم الصراع الداخلي بين العاملين في الحقل الإسلامي، فخسروا قاعدة شعبية عريضة من المتعاطفين مع المشروع الإسلامي، حتى استقر بها الأمر إلى قيادة بلا مقودين .
إننا نؤمن جميعاً بأن المواطن البسيط في نهاية نظرته للأمور، سيقيّم المشهد، وسيتحدث عن المنتصر بصبغته العامة؛ ليقول: أحسن الإسلاميون، أو أخفق الإسلاميون !
فلماذا لا نسعى للهدف تحت راية واحدة ؟!.
ولماذا نبيِّت لبعضنا، دون معرفة من هو المنافس الحقيقي الذي يتربص بنا جميعا ؟!.

---------------------------------------