المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفويض شعبي لإخوان ابن كيران


عبدالناصر محمود
09-14-2015, 07:03 AM
انتخابات المغرب: تفويض شعبي لإخوان ابن كيران
ــــــــــــــــــــــــــ

(عبد الرحيم بلشقار بنعلي)
ـــــــــــــ

30 / 11 / 1436 هــ
14 / 9 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/813092015023205.png

على الرغم من أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي حل ثالثا في الانتخابات الجماعية والجهوية (البلديات والمحافظات) التي جرت يوم الجمعة 4 أيلول الجاري، خلف كل من حزب الأصالة والمعاصرة (خليط من اليساريين واليبراليين) وحزب الاستقلال (محافظ)، إلا أن جل المراقبين اعتبروا الحزب الإسلامي الرابح الأكبر في هذه الاستحقاقات، لسببين رئيسيين على الأقل أولهما تصدر حزب العدالة والتنمية نتائج الانتخابات في كل المدن المغربية الكبرى بأزيد من 50 بالمائة من مجموع عدد المقاعد، فيما تقاسمت باقي الأحزاب النسبة المتبقية، وثانيا هو التقدم الكبير الذي حققه الحزب الإسلامي مقارنة مع النسخة الماضية لنفس الاستحقاقات إذ ارتقى من الرتبة السادسة إلى الثالثة وضاعف عدد مقاعد المستشارين في المجالس البلدية من 1513 في انتخابات 2009 إلى أزيد من 5 آلاف مقعد في الاقتراع الأخير، بالإضافة إلى ذلك فإن حزب العدالة والتنمية لم يتأثر رأسماله الرمزي رغم ترأسه الائتلاف الحكومي خلال السنوات الأربع الماضية وإقراره مجموعة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية رأت فيها المعارضة أنها تمس بالطبقة المتوسطة والفقيرة، إلا أن نتائج الانتخابات كذبت كل هذه المزاعم ومنحت الثقة لحكومة عبد الإله ابن كيران لمواصلة مسار الإصلاح.

عصفورين بحجر واحد

تمكن حزب العدالة والتنمية في هذه الاستحقاقات الانتخابية من ضرب عصفورين بحجر واحد، ففي الوقت الذي تصدر فيه النتائج في كل المدن والحواضر الكبرى فإنه أسقط شخصيات سياسية وحزبية توصف بأنها "ديناصورات" الانتخابات البلدية نظرا لخبرتها في استمالة أصوات الناخبين بطرق شتى كالابتزاز والتهديد أو شراء الذمم مقابل أموال ضخمة ترصد لهذا الغرض، وقد كان هذا السلوك سائدا في المحطات الانتخابية منذ ما بعد الاستقلال في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، واستمر مع العهد الجديد في فترة حكم الملك محمد السادس قبل أن يتوارى قليلا في الانتخابات البرلمانية التي أعقبت الإصلاحات الدستورية في المغرب سنة 2011 تفاعلا مع رياح الربيع العربي.

كما تمكن إخوان ابن كيران أيضا من طي صفحة التحكم والفساد وفتح صفحة أخرى عندما أزاحوا رؤساء المجالس البلدية في بعض المدن جثموا على قلوب ساكنيها لعقدين من الزمن أو يزيد وهناك من تعاقب على رئاسة بعض البلديات ما بين 4 إلى 6 ولايات انتخابية كما هو الحال في مدن أكادير وكلميم وآيت ملول التي ظل يسيرها منتخبون عن حزب الاتحاد الاشتراكي لنحو 30 سنة، ومدينة فاس العاصمة العلمية للمغرب التي تعاقب على تدبير شؤونها حزب الاستقلال لأزيد من أربعة عقود حزب الاستقلال، إلى جانب العاصمة الرباط التي كان يسيرها حزب الاتحاد الاشتراكي لولايتين متتاليتين، والدار البيضاء التي ظلت منذ الاستقلال في يد أحزاب توصف بأنها إدارية، بالإضافة إلى مدينتي مراكش وطنجة التي كان يسيرهما حزب الأصالة والمعاصرة.

تغييرات كبرى في خريطة المدن

أسفرت نتائج الانتخابات عن تغييرات كبرى في خريطة رؤساء المجالس البلدية والمجالس الجهوية (المحافظات)، فقد تمكن حزب العدالة والتنمية من حسم رئاسة المجالس البلدية لأغلب الحواضر الكبرى بما فيها المدن الاستراتيجية بعدما حصد فيها أغلبية مريحة، ويتعلق الأمر بمدن الدار البيضاء والرباط وسلا ومراكش وأكادير وإنزكان وأيت ملول وفاس ومكناس وطنجة، وفي نفس الوقت احتفظ حزب العدالة والتنمية برآسة المجالس البلدية للمدن التي أشرف على تسييرها في المرحلة السابقة (2009- 2015) كمدينة القنيطرة وتطوان والراشيدية بعد أن جدد الناخبون ثقتهم في الحزب الإسلامي ومنحوه فوزا بأغلبية مريحة، وهو ما سيتيح له إتمام المشاريع التنموية وتطوير الخدمات التي تحسنت بشكل لافت في المرحلة السابقة.

وعلى صعيد نتائج الانتخابات الجهوية فقد حصل حزب العدالة والتنمية على الأغلبية في أربع جهات (محافظات) من أصل 12، وهي (الرباط – سلا – القنيطرة) و (درعة – تافيلالت) و (سوس – ماسة) و (فاس مكناس)، غير أن إخوان عبد الإله ابن كيران اختاروا الالتزام بمنطق التشارك في تدبير الشأن العام لهاته الجهات رغم أن الحزب الإسلامي حاز فيها الأغلبية المطلقة من حيث عدد المقاعد المخصصة، فقد قرر أن يقتسم رئاسة جهتين مع أحزاب التحالف الحكومي وأبقى جهتين ليترآسها أحد قيادات الحزب، كما اتفق مع أحزاب الأغلبية البرلمانية أن تخوض مجتمعة غمار التنافس ضد أحزاب المعارضة على رئاسة بعض الجهات التي لم يحصل فيها أيهما على أغلبية مطلقة.

سقوط مدوي لليسار
------------

خلفت النتائج الرسمية لاقتراع يوم الجمعة 4 أيلول الخاصة بالانتخابات البلدية والجهوية، تصدر حزبين من المعارضة لترتيب الأحزاب الفائزة بالمرتبة الأولى والثانية، فقد جاء حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه عام 2007 فؤاد عالي الهمة المقرب من الملك محمد السادس أولا، بأزيد من 6 آلاف مقعد، فيما حل ثانيا حزب الاستقلال ب 5 آلاف ومائة مقعد، ورغم تقدمهما على حزب العدالة والتنمية الذي جاء ثالثا من حيث عدد المقاعد بمجموع 5 آلاف و21 مقعدا، فإن نتائج الحزب الإسلامي حولت فرحتهما بالفوز إلى مأثم بعدما كانوا يراهنون على هذه الانتخابات لإصابة حزب العدالة والتنمية في مقتل وكانوا يروجون إلى أن تصويتا عقابيا ينتظره من الشعب، غير أن العكس هو الذي وقع عندما اكتسح حزب العدالة والتنمية النتائج في المدن والحواضر الكبرى حيث توجد أعلى نسبة التمدرس والوعي السياسي، فيما حصد حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال أغلبية المقاعد في الجماعات القروية والأقاليم الصحراوية، وهي مناطق يسود فيها منطق مختلف في التصويت في الانتخابات بحسب عدد من المراقبين.
ومما زاد حسرة قيادة أحزاب المعارضة هو أن عدد الناخبين المغاربة المصوتين لحزب العدالة والتنمية تضاعف مقارنة مع انتخابات 2009 الخاصة بالمجالس البلدية وانتخابات 2011 الخاصة بمجلس النواب (البرلمان)، فقد حصل الحزب الإسلامي على ثقة أزيد من مليون ونصف المليون ناخب، بفارق كبير عن حزبي الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال، وقد كان وقع الهزيمة على هذا الأخير أشد عندما خسر أمينه العام حميد شباط في مدينة فاس التي كان يرأسها لولايتين متتاليتين أمام مرشح حزب العدالة والتنمية إدريس الأزمي الذي سيخلفه على رآستها بعد حصوله على أغلبية كبيرة جدا، ولم يكن حزب الاتحاد الاشتراكي (يساري) أفضل حالا عندما تلقى هزيمة مدوية إذ خسر أزيد من 550 مقعدا مقارنة مع الاستحقاقات الانتخابية الماضية وتراجع من الرتبة الرابعة سنة 2009 إلى السادسة في الانتخابات الأخيرة.

حسابات الدولة ومنطق حزب العدالة والتنمية

رغم أن حوادث التزوير المفضوح توارت بشكل شبه نهائي من مراكز الاقتراع منذ انتخابات سنة 2011، وأن تأثير المال الحرام بدأ ينحسر أكثر فأكثر مع ارتفاع نسبة الوعي الشعبي، ورفع الدولة ممثلة في وزارة الداخلية يدها عن التلاعب في نتائج الانتخابات، ورغم المجهودات التي تبذل في تكريس الديمقراطية والشفافية وضمان نزاهة الاستحقاقات الانتخابية، فإن هناك أساليب أخرى وطرقا غير مباشرة تقوم بها وزارة الداخلية للإلتفاف على إرادة الناخبين والحيلولة دون تمكن أي حزب من الحصول على أغلبية مطلقة حتى لو حصل على أعلى نسبة من عدد الأصوات، وهو ما يفسر وضعية حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية والجهوية الأخيرة، فعلى الرغم من أنه حاز على أكبر عدد من أصوات الناخبين بأزيد من 1.5 مليون في الانتخابات البلدية و 1.7 مليون في الانتخابات الجهوية، إلا أن التقطيع الانتخابي لوزارة الداخلية لم يسمح بنيله أكبر المقاعد، ذلك أن أكبر كتلة انتخابية موجودة في المدن تقدر بنحو 15 مليون ناخب، مقابل 10 ملايين في القرى والبوادي، غير أن أغلبية مقاعد المستشارين في المجالس البلدية توجد في المناطق القوية بحوالي 24 ألف مقعد، في حين أن مجموع المقاعد في المدن لا يتعدى 8 آلاف، وهو ما يجعل النتائج النهائية غير متكافئة.
لكن ورغم كل هذه "العراقيل" التي تقوم بها الدولة في سياق استمرار استراتيجية ضبط المشهد السياسي، وحتى يضطر الحزب المتصدر في الانتخابات للدخول في حسابات التحالف مع أطراف أخرى وقد تكون من المعارضة، للظفر برئاسة بعض المدن أو الجماعات القروية، فإن ذلك لم يثر أي قلق أو عدم الرضا من قيادات حزب العدالة والتنمية ولم ينل من عزيمتهم في مواصلة مسار الإصلاح وتحقيق مزيد من المكتسبات في إطار نوع من التراكم، وبالتالي يكون إخوان المغرب قد أكدوا من جديد على جدارة الخيار الذي تبنوه في ممارسة العمل السياسي مقارنة مع الأحزاب الأخرى الرافدة من الحركات الإسلامية، لكن بالمقابل ما تزال تجربتهم على المحك إذا ما استطاعوا تحقيق تطلعات وآمال المواطنين في التغيير المنشود.

-----------------------------------------