المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفكيك التشكيك


عبدالناصر محمود
09-26-2015, 07:14 AM
تفكيك التشكيك
ـــــــ

(عبدالله بن عيسى الفيفي)
ــــــــــــ

12 / 12 / 1436 هــ
26 / 9 / 2015 م
ــــــــــــ



الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أمّا بعد؛

فإنّ من مبادئ المدارس العقلانية والمذاهب الفلسفية الإيمانُ بوجوب الشكّ قبل اليقين، وسأقدّم في هذه الأسطر "نقدا تفكيكيا" لهذا الطرح في بضع نقاط وفقاً لما أراه لدى تلك التيارات من تطبيقات، وخصوصا ما يدور بينهم من حوار وجدل في شبكات التواصل، وبالله التوفيق.



أولا: مقولة ( الشك قبل اليقين ) ليس لها وجود في واقع تلك التيارات، فغاية أمرهم الانتقال من شكّ إلى شكّ، ولو أمهلتَ أحدهم العمر كلّه ليصل إلى اليقين الذي يزعم بأنّه ما شكّ إلا من أجله لما وصل! وكذلك زعمهم البحث عن الحقيقة، فإنك لو دققت في أحوالهم تجد أحدهم يمضي عمره كله باحثاً عن الحقيقة، ويموت وهو لم يجد تلك الحقيقة، فهو كالمنبتّ الذي لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع؛ فإذا تبيّن لك أنّ "اليقين" ليس له وجود حقيقي عندهم وكذلك "الحقيقة"؛ فالوصف الدقيق لحالهم هو ( البحث عن الشكّ )، فالواحد منهم يتنقل في طبقات الشك، ويتقلب فيها عمره كله زاعما أنّه يريد الوصول إلى اليقين، ولكن لا يصل، بل إنّ دعوى البحث عن الحقيقة غير صحيحة كما سأبين فيما يأتي، لأنّ أحوالهم تظهر رضاً بالشك وقراراً عليه؛ فانظر كيف أنّ الشيطان أوقعهم في مصائد دقيقة؛ فالتبست عليهم الحقائق، واشتبهت عليهم الطّرق.

ثانيا: دعوى انفكاكهم عن اليقين لا حقيقة لها، وإنما هو مكرٌ من إبليس لم يتفطنوا له، فالفرق بينهم وبين أهل الإيمان هو موضع اليقين فقط! فأهل الإيمان وضعوا يقينهم في دين الله، وأولئك وضعوا يقينهم في الشّك، ولا يوجد أحدٌ يدعو إلى فِكر أو مذهب أو رأي إلا وقد آمن به ووضع يقينه فيه، فما يأخذونه على أهل الإيمان هم واقعون فيه بلا شعور.

ثالثا: الزعم بأنّ اليقين ليس سوى موروثات رسخت في العقل "الجمعي" فصَعُب على "القطيع" - كما يصفون - التخلص منها أمرٌ في غاية التهافت من وجوه:

الوجه الأول: مبدأ الشك الذي يدندنون حوله ليس وليد اللحظة؛ بل هم بأنفسهم ينقلونه عن فلاسفة اليونان، فهو – إذن –موروث تاريخي كما هو الحال بالنسبة إلى اليقين، وقد أعماهم إبليس عن رؤية هذه الحقيقة الناصعة.

الوجه الثاني: ما أكثر ما نشاهد على مر التاريخ من نشأ على مبادئ تلك المدارس، ونهل من معينها ورسخ فيها، ثم تبين له – بتوفيق الله - بعد بحث وتدقيق متجرّد أين يكمن اليقين؟ وخير مثال أحيل عليه هو البروفسور الامريكي المسلم Jerald F. Dirks صاحب هذا الموقع (http://www.welcome-back.org/profile/dirks1.shtml) فقصة إسلامه من أعجب القصص التي وقفتُ عليها، لأنّ فيها تجرّداً كبيرا قلّ له نظير، كما أنّ الرجل عنده جرأة وشجاعة في اعتناق الحقّ بعد ما تبيّن له، فليس من المعقول أن يُقال بأنّه وأمثاله ضحايا للموروث التاريخي.

رابعا: المُتأمل لحالهم يرى بأنّهم قد جعلوا الشك هو الوضع الصحي الذي يجب أن يكون عليه الأفراد والجماعات، وتراهم يدعون الناس إلى ذلك ويشنّعون على ذوي اليقين ويصفونهم بالسذاجة والتبعيّة، وهذا لعمري اختلال في المفاهيم وانتكاسٌ في الفِطَر، فلا يرتاب الأسوياء أنّ اليقين هو الحال الصحي للعقل والقلب والجسد، وأنّ الشكّ مرضٌ يجب علاجه ودفعه والتخلّص منه.

خامساً: تجد القوم مشتغلين بتوضيح الواضحات وتفصيل البدَهيّات، ولديهم ضمور معرفي ورتابة فكرية تجلب الملل والسآمة، ولا ينخدع بهم إلا أولو العقول البسيطة والأفهام السقيمة وهم كُثُر، والدافع لهم الخروج عن المألوف، والتميّز عن الآخرين، ودعوى نبذ التقليد التي كشفتُ زيفها في النقطة الثالثة.

سادسا: لا يُنكر أهل الإيمان أنّه لا بدّ من التثبت والتحقق والتبين قبل الاعتقاد، ولكنهم قد تجاوزوا هذه المرحلة منذ زمن الرسالة على صاحبها صلوات الله وسلامه، وقد استبانت لهم الأمور واتضحت الحقائق وبردت قلوبهم باليقين، وأمّا أهل الشكّ فما زالوا ولن يزالوا منذ عهد اليونان بعقلهم "الجمعي" و "الفردي" يتخبطون في ظلمات الشك، والسبب كما أسلفتُ أنّ أهل الإيمان يبحثون عن اليقين، وأهل الشكّ يبحثون عن الشكّ.

سابعاً: القوانين المنطقية والمعادلات العقلية خلقٌ من خلق الله، فهو الذي أوجدها وفهمنا إياها وليست لازمة عليه ولو شاء نقضها، قال تعالى: { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا }، فالشجر الأخضر من الماء، والماء بارد رطب ضد النار، وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فكيف – إذن - تُحاكم شرائع الله إلى العقول التي هي صنيعته!؟ ولو ذهب رجلٌ ليختبر رجلاً في آلة هو الذي صنعها وأوجدها لكان في عداد السفهاء؛ فأيّ وقاحة أعظم من أن يتعالى المرء على الله بعقله.

أحسبُ أنّ هذه الوقفات السريعة كفيلة بإبطال هذه السفاهة إن شاء الله.
----------------------------------------