المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإلحاد وثوقية التوهم وخواء العدم


عبدالناصر محمود
09-26-2015, 07:28 AM
الإلحاد وثوقية التوهم وخواء العدم
ــــــــــــــــ

(عمار سليمان)
ـــــــ

12 / 12 / 1436 هــ
26 / 9 / 2015 م
ـــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/reading/22-9-2015.jpg

قراءة في كتاب (الإلحاد وثوقية التوهم وخواء العدم)
د. حسام الدين حامد
قراءة: عمار سليمان
-----------


يا لجلال الحرف وقدسيته إذا استمد حبره من العلم، وما أجمل الحرف وأبلغه حين يكتسي بثوب الأدب ويتزين بحسن البيان. وما أقدس الحرف حين يحاول البحث عن معنى الوجود، فيلتقف لنفسه أجمل الكلمات وأعذب العبرات حتى يصل بك إلى المعنى الذي يُنصت له قلبك، وتتلذذ به روحك وتنعم به نفسك.

وقيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: "ما بلغك الجنة، وعدل بك عن النار"[1]. ففي هذا الكتاب من بلاغة المعنى وبلاغة المبنى الشيء الكثير من إطراب للقلب وإسعاد للأذن، وتكمن أهميته من عدة مراتب:

(1) أن صاحبه طبيب اعترك مع المنهج العلمي تطبيقًا وبحثا من مشاركته لأبحاث وكتب علمية، فهو ليس أجنبي عن العلم التجريبي، والعلم التجريبي هو أسّ الإلحاد الجديد.

(2) أنه أديب يسري في قلمه قلب الرافعي، فكلماته على اختصارها مشبعة بالمعاني حد الثمالة، ولسانه في الحجة كما قيل:

إذا قال لميترك مقالاً ولم يقف لعي ولم يثن اللسان على هجر
يصرف بالقول اللسان انتحى وينظر في أعطافه نظر الصقر [2]
(3) تأتي من الموضوع الذي يعالجه وهو تفنيد شبهات وأسس ومباني أهل الإلحاد، وهو موضوع شريف من مباحث توحيد الربوبية التي فيها نوع من التقصير في الدرس العقدي.
(4) أهمية تنطلق من حيث أن الإلحاد طرق الأبواب وهويحاول أن يجد له مقعد (كذب) بين قلوب تثقلها الشبهات ونفوس عبثت بها الشهوات.

أدلف بالموضوع مباشرةً بعد هذا المديح الذي أراه مستحقًا للكتاب وصاحبه، وأحاكم الكتاب محاكمة محب يلتمس العدل ولا يدعي الحياد فالحياد مطلقًا = وهم علمي لذيذ لا مطمع فيه، والقواعد التي سأحاكم الكتاب عليها مستمدة من كتاب الشيخ عبد الله العجيري (ميلشيا الإلحاد)؛ حيث أن كتاب الشيخ العجيري حاول تقصي ملامح النقص والتقصير في الخطاب العقدي المعاصر من زاوية مواجهة الإلحاد ووضع مجموع من التوصيات التي أراها ممتازة في محاكمة الأبحاث والكتب التي تناقش موضوع الإلحاد.


معيار الأول :تجديد الخطاب العقدي للاستجابة لمثل هذه النازلة العقدية
ويقصد الشيخ العجيري العناية بالخطاب العقدي، ليكون مناسبًا في لغته وترتيبه وأنماطه الاستدلالية لطبيعة المرحلة التي نعيشها. (ص132 من كتاب مليشيا الإلحاد).
ويمكن رصد هذا التجديد الخطابي في الكتاب على عدة مستويات:

1. المستوى اللغوي وينقسم إلى:

أ. اللغة الأدبية وكتب فيها الدكتور عدة مقالات منها، لا تتأمل، وصندوق رسائله، ورسالة منتحر وغيرها.
ب. اللغة العلمية التي تظهر في مناقشة معنى النظرية ونقاط الالتقاء والافتراق بين الدين والعلم، واستخدام المصطلحات الفنية العلمية بصياغتها العصرية، وأشار لهذا الشرط التجديدي الشيخ العجيري في كتابه صفحة (133) حيث قال: "ومن مجالات التجديد هنا تجديد صيغ وقوالب بعض الأدلة العقلية في هذا الباب وممارسة شيء من العصرية اللفظية."

ومن هذه الألفاظ على سبيل المثال للحصر:
مصطلح مبدأ التماثلية uniformitarianism والذي يستخدم كمسلمة غبر مبرهنة في العلوم التي فيها شق تاريخي كالأحياء والكونيات.
ومناط الاستدلال هنا كسر ثقة الملحد في العلم التجريبي من حيث تبيان أن الأصول التي تبنى عليها أصول العلم نفسها هي مسلمات غير مبرهنة وغير مثبتة تجريبيًا (صفحة 44_48 من الكتاب).
فهنا يتضح أن بناء العلم التجريبي يقوم على ما يكره ويُنكر.!


اللفظ الثاني يعتمد على أن محاولة فهم الكون والوصول إلى معرفة الظواهر بالمستقبل يفترض ضمنيًا أن هناك تصميمًا في الطبيعة يجعل للإنسان قيمة خاصة في الطبيعة وهوما يسمى Anthropocentric design مبدأ التميز الإنساني .( صفحة 43 من الكتاب).
وفي الكتاب الكثير من المصطلحات التي تشير إلى معرفة الكاتب في الحجج والإشكالات بثوبها الحديث.


2. المستوى الفني الإجرائي:

أ. طرح الحجة من خلال أكثر من صياغة، فتارة مباشرة وتارة ضمنية بإلباسها لباس البيان وحلة الأدب، وفي هذا مراعاة لحال المخاطب فمنهم من يحب سبك الكلمات ومنهم من يحبها مباشرة دون القوالب، فكليهما يجد ضالته في الكتاب.
ب. وهي من اللفتات الفائقة الجمال المتمثلة بالتلخيص الجدولي للمقالات الطويلة والتأصيلية، مثل مقال "وأجمعوا" الذي بين فيه الدكتور الفرق بين إجماع أهل العلم التجريبي وحجته ومشاكله مقارنة بالإجماع الشرعي، تجد هذا الجهد الجبار من صفحة 103 الى 107، وكذلك في مقال النظرية من صفحة 164 الى 165 ، وفي مقال "الدائرتان".


المعيار الثاني: درء تعارض العلم التجريبي مع النقل

وقد أبدع الدكتور في هذا الدرء أيما إبداع في مقاله النفيس "دائرتان" وسأتناول هنا مثالين من المقال:

(1) الحديث الذي يثبت سبق ماء الرجل وماء المرأة في تحديد جنس الجنين، فالعلم الطبيعي يثبت أن في الحيوانات المنوية ما يحمل كروموسوم X فإن لقح البويضة كان المولود أنثوي الكروموسومات XX وإن كان الحيوان المنوي يحمل كروموسوم Y هوالذي يخصب البويضة كان المولود ذكرا XY، لكن العلم الطبيعي لم يخبرنا بكل العوامل التي تحدد سر وصول هذا الحيوان المنوي دون غيره، نعم يمكنك أن تأخذ حيوانا منويا يحمل كرموسوم X مثلا لتلقح به البويضة في عملية إخصاب صناعي In Vitro fertilization، لكن هذا شيء وتحديد العوامل التي تحدد الحيوان المنوي الفائز في عملية (إخصاب طبيعية) شيء آخر، العلم الطبيعي يثبت مصدر التنوع _الذكر والأنثى_ ألا وهوالعنصر الذكري في عملية الإخصاب ولكنه لا يحدد كافة العوامل المؤثرة في الاختيار وتحديد نوع الجنين بذكر أوأنثى = إلى هنا والمسألة منتهية ليس فيها شبهة; فالنص الشرعي يثبت أثرًا لماء الرجل وماء المرأة الذي ينزل عند الشهوة كما تفهمه العرب دون قصر وحصر لأن يكون سبق الماء هوالوحيد المؤثر، والعلم الطبيعي لا يثبت هذا الأثر ولا ينفيه إذا المنطقي هنا على هذه الصورة لا تعارض أصلاً حتى يسعى لرفعه. (صفحة 182من الكتاب)

أنت ترى هنا كيف يفك الدكتور حسام التعارض بغاية اللياقة اللغوية والمنطقية حتى تعود الشبهة قاعًا صفصفًا لا أثر لها ولا رسم.

ثم في النهاية يقدم الدكتور مجموعة من الأبحاث للاستئناس تؤيد أن هناك ترابط بين سبق ماء الرجل اوالمرأة في تحديد جنس المولود ( صفحة 183 من الكتاب).

(2) المثال الثاني في حالة كون النص الديني ظنيًا ويقابله حقيقة علمية قطعية من العلم الطبيعي = فيقدم القطعي من العلم الطبيعي على الظني من النصوص الشرعية.

ومثال ذلك قوله تعالى: "والله جعل لكم الأرض بساطا" (نوح:19)، فهذه الآية تحمل دلالة ظنية بأن الأرض مسطحة وليست كروية الشكل وقد فهم بعض أهل التفسير هذا المعنى من الآيتين، والثابت قطعًا من العلم الطبيعي بدلالة الحس بتصوير الأقمار الصناعية لشكل الأرض من الفضاء أنها كروية، حينئذ يقدم القطعي على الظني .
وللمفارقة أن تمام التسطيح لا يمكن أن يكون إلا كرويا فلا يقف المرء منها على حد ولا يُعرف لها زاوية على عكس المربعة ففيها حواف ولا يكون لها تمام التسطيح. (صفحة 196_197 من الكتاب)

والمعيار الثالث: ضرورة تقديم رؤى نقدية هجومية وعدم الاكتفاء بالمدفعة
طبعًا عنوان الكتاب من أول منطقه هجومي فوصفه للإلحاد بالواثق المتوهم والخواء العدمي يستثير القارئ إلى أنه أمام وجبة هجومية دسمة لزلزلة هذه الثقة ووصف هذا الخواء المنغص لصفاء الروح.
ومن صور هذه الزلزلة ما وضحه من مثالب لنظرية التطور بعد أن بين معنى النظرية العلمية وحدود المقبول منها:


(1) فالنظرية العلمية لابد أن تراعي المشاهدات والحقائق حين وضعها، وكمثال لقصور نظرية التطور من عدم وضع المشاهدات والحقائق حين وضعها = موقفها من السجل الأحفوري ، فقد كان المفترض وفقًا لنظرية التطور أن يكون السجل الأحفوري شاهدًا على الحلقات الوسيطة المنقرضة، ولكنه لم يكن ولم يغير دارون نظريته وإنما اتهم السجل الأحفوري بالنقص في الفصل العاشر من كتابه أصل الأنواع وظل السجل الأحفوري ناقصًا حتى الآن لا يعطي أي دعم للتطور عن طريق الانتخاب الطبيعي والتغيرات التدريجية الطفيفة التي تعزولها الدارونية نشوء الأنواع، حتى تبنى جاولد وإلدردج حصول التطور في صورة قفزات وليس في صورة تدريجية اتخلص من هذا المأزق. (صفحة 135_136 من الكتاب)

(2) من شروط النظرية العلمية أنها لا تتسع لكل شيء وأنها غير مطاطة ومع هذا فالنظرية التي مبناها على الصراع بين الكائنات بناء على عدم كفاية الموارد تتسع بما يكفي لقبول ضد هده الفكرة وهوالإيثار، والنظرية القائمة على البقاء للأصلح تتسع بما يكفي لتحتوي عنصر غير صالح للبقاء وهو الشاذ جنسيًا !. إنها نظرية تتسع لكل شيء وأي شيء وتقبل الشيء ونقيضه وتتوقع الصفة وعكسها.! (صفحة 153 من الكتاب)



ومن صور وصفه للخواء ذكره لقصة إسماعيل أدهم وما تحمله من خواء روحي ومرض نفسي في مقالة الأغلال صفحة ( 259 _267 من الكتاب .(
والخلاصة في هذا المعيار أنه في غاية الوضوح وهومنطبق على الكتاب من بدايته لنهايته.

المعيار الرابع :تأصيل المنهج الشرعي في التعامل مع الشبهات والإشكالات

وهذا أراه واضحا في مقال "وأجمعوا"، حيث فعّل الدكتور مقالة الإجماع عند المسلمين مقارنة بالإجماع عند أهل العلم الطبيعي.
وفي مقاله التأصيلي التقاء وافتراق دائرة العلم الطبيعي من باب المحكم والظني.
فهذا المعيار أيضا منطبق على الكتاب وأعتبر الكتاب فاتحة خير لمزيد من البحث والتأصيل في هذا الباب الذي نحتاج فيه إلى تشمير السواعد وكدّ العقول.

ومن خلال هذه المعايير أستطيع القول بكل راحة أن الكتاب يسد الكثير من الفجوات بين الواقع الذي كنا نتخوفه والمأمول في باب الإلحاد، وظني أن الكتاب سيكون باكورة لأعمال تنطلق مما انتهى إليه صاحبه من البحث والتنقيب فجزاه الله خيرًا على هذه الدرر العلمية والتأصيلية ولا حرمه الأجر والثواب
ملامح نقدية سريعة أجد الكتاب يحتاجها تحت مبلغ علمي وقصور اجتهادي:


(1) جعل الشيخ العجيري المعيار الخامس من المعاير الذي يحتاجها النقاش الإلحادي ( كثافة حضور النص القرآني نصًا وجدلاً) وأظن الكتاب قصر قليلا في هذا الباب، فأداة كالمحكمات والفطرة وطريقة القرآن في الجدل كانت مناسبة جدًا لزيادة ثراء الكتاب الذي هوثري أصلا ولكن من باب التكميل وتزين الجميل.

(2) قلة الكلام والبحث في نظرية الكم وهي من الأبواب الكبيرة التي كثر اللغط فيها وتبرير الإلحاد من خلالها، وهنا أقصد القلة لا العدم لأن الدكتور أشار إليها ولكن بشكل ليس بالكثير.



هذا وأرجو أن أكون قدمت ما فدمت بقلب محب وحكم عادل ومجددًا جزى الله خيرًا الدكتور حسام على هذا الجمال الذي شع بين حروفه وهذه الحجج التي تقطع رأس الشبهات، والله أسأل له مزيد الخير والإنجاز.


-----------------------------------

[1] العقد الفريد، لمحمد بن محمد الأندلسي، المكتبة العصرية، الجزء الثاني، صفحة 109.

[2] العقد الفريد، لمحمد بن محمد الأندلسي، المكتبة العصرية، الجزء الثاني، صفحة117.

--------------------------