المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قرى السرطان: حقيقة أم خيال؟


Eng.Jordan
09-30-2015, 09:53 PM
قرى السرطان: حقيقة أم خيال؟







http://arabic.cnn.com/2013/scitech/6/4/chinese.cancer.villages/gal.pollution.water.waste.jpg_-1_-1.jpg

مئات القرى في الصين كانت تعيش حياةً بسيطةً وآمنة مطمئنة يأتيها رزقها من كل مكان من البر والبحر، وملايين الناس ولدوا في القرى وترعرعوا فيها، وعاشوا على ما تجود بها الأرض عليهم من ثمراتٍ طازجة ونظيفة خالية من الملوثات، أو ما تُقدمها لهم البحار والأنهار والبحيرات من خيراتٍ وفيرة وثرواتٍ هائلة لا تنقطع ولا تنحسر، فتمتعوا بها سنواتٍ طويلة، وصَحت بها أجسامهم ونفوسهم وقلوبهم، وابتعدت عنهم الأمراض والعلل كبعد المشرق عن المغرب.


ولكن خلال الثلاثين سنة الماضية جاءت المصانع بأشكالها وأحجامها المختلفة فغزت هذه القرى الآمنة، وبذرت في جسمها بذوراً خبيثة، فنمت هذه البذور حتى كبرت وأعطت شجرة غير طيبةٍ وزرعاً خبيثاً، فآتت أكلها أيضاً ثمراتٍ خبيثة فاسدة تدمر الجسم والعقل، وتهلك الحرث والنسل وتقضي على الأخضر واليابس.


فهذه الأعداد الهائلة من المصانع لم تتورع في السماح لانبعاث الآلاف من أقذر أنواع الملوثات وأشدها فتكاً بالإنسان وبيئته إلى الهواء الجوي حتى تحول الهواء من عنصرِ بناءٍ لجسم الإنسان يمده بالقوة والحياة إلى عامل هدمٍ وهلاك لصحته واستدامة حياته على الأرض، كما لم تستح هذه المصانع المتناثرة في شتى أرجاء هذه القرى من صرف ملايين الأمتار المكعبة من أخطر المركبات الكيميائية المسرطنة في الأنهار والبحار والبحيرات حتى أصبحت هذه المسطحات المائية مقبرة جماعية تدفن فيها وتصرف فيها كل أنواع المخلفات السامة والخطرة، فماتت كافة أنواع الأحياء الموجودة فيها، أو في الأقل أصبحت سامة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي، أما مياه هذه الأنهار والبحيرات فقد تلوثت إلى درجةٍ كبيرة لا تصلح للشرب أو الزراعة أو حتى الاستحمام.


ومع مرور الزمن، ومع استمرار إلقاء الملوثات إلى الهواء الجوي وصرف المخلفات إلى البيئات المائية، بدأت آثار الشيخوخة المبكرة تنكشف على كافة مكونات البيئة، وانعكست هذه الأعراض المرضية بشكلٍ مباشر على صحة الناس الساكنين في هذه القرى، وبخاصة من ناحية الارتفاع المشهود في الإصابة بجميع أنواع السرطان وازدياد معدل الوفيات مقارنة بالقرى التي لم تصلها الأيدي الآثمة لهذه المصانع، حتى أُطلق على هذه القرى المنكوبة بـ ”قرى السرطان“، ووصل عددها إلى قرابةِ 459 قرية.


وفي الحقيقة أنني في البداية عندما اطلعت على التقارير والدراسات حول هذه القرى لم أتصور حجم الضرر الذي لحق بها وبسكانها، ولم أصدق هذا الاسم الذي أطلق عليها، فقد اعتبرت ذلك من باب المغالاة في وصف الحالة والمبالغة في تحديد حجم الضرر، ولكنني اقتنعت عندما قرأتُ تصريحات واضحة، واعترافات لا ريب فيها من الجهات الحكومية الصينية ممثلة في وزارة البيئة والتي أكدت على وجود هذه ”القرى السرطانية“ وأنها حقائق مشهودة يعاني منها الشعب الصيني، فقد ورد في تقرير الخطة الخمسية للفترة 2011 إلى 2015 لوزارة البيئة أن الصين تنتج وتستخدم الكثير من المواد الكيميائية السامة ونتيجة لذلك توجد الآن ”الكثير من المناطق التي تواجه أزمة خانقة في مياه الشرب وتلوثاً شديداً مما أدى إلى نشؤ قضايا اجتماعية خطيرة مثل انكشاف القرى السرطانية“.


وعندما تعترف الحكومات بوقوع مثل هذه الحالات البيئية والصحية الشعبية العامة يعني أنها بالفعل كارثة عظيمة وطامة كبرى قد وقعت على نطاقٍ جغرافي واسع، وأصبحت واضحة للعنان ومشهودة للجميع، وبالتالي لا تستطيع إخفاؤها أو تجاهلها وغض الطرف عنها.


وهذه الحالة المأساوية التي أراها أمام عيني تُقدم لي نموذجاً مدمراً للتنمية والإنسان ليس له مقومات الاستدامة، فهذا النموذج المعوق والمشلول ركز على النمو الاقتصادي كلياً كما أهمل وتجاهل كلياً في الوقت نفسه التنمية البيئية وتنمية الموارد الطبيعية وحمايتها، فدفع ثمن هذه التنمية العرجاء الشعب الصين نفسه، وكانت صحتهم وسلامتهم هي الثمن، وكانت صحة البيئة وسلامتها من الجانب الآخر هي الثمن أيضاً لهذه التنمية، فجاءت النتيجة الحتمية وهي ”القرى السرطانية“.


وعندما أرى هذا النموذج الصيني للتنمية الماثل أمامي، لا بد لي من التنبيه والتذكير إلى تجنب هذا النمط وهذا الأسلوب في القيام بالبرامج التنموية، فالإنسان يتعظ بغيره، والمؤمن لا يلدغ من جحرٍ مرتين... فهل من مُدَّكر؟







Prof Ismail Al-Madany (https://www.blogger.com/profile/08361981209169599844)