المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي


عبدالناصر محمود
10-01-2015, 07:42 AM
أحكام جراحة التجميل في الفقه الإسلامي
ــــــــــــــــــــ

(د. محمد عثمان شبير)
ــــــــــــ

17 / 12 / 1436 هــ
1 / 10 / 2015 م
ــــــــــــ

http://www.almoslim.net/files/images/gf_0.jpg

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

أما بعد.. فإن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، فجعله في أفضل هيئة، وأكمل صورة، معتدل القامة، كامل الخلقة. وأودع فيه غريزة حب التزين والتجمل. ودعا إليها عن طريق رسله وأنبيائه فقال: ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون).

وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله جميل يحب الجمال ".

وإذا كان الإسلام قد شرع التزين والتجمل للرجال والنساء جميعا، فإنه قد رخص للنساء فيهما أكثر مما رخص للرجال. فأباح لهن لبس الحرير والتحلي بالذهب، قال صلى الله عليه وسلم: " حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي؛ وأحل لإناثهم ". وإذا كانت الزينة بالنسبة للرجل من التحسينات أو الكماليات، فإنها بالنسبة للمرأة من الحاجيات، إذ بفواتها تقع المرأة في الحرج والمشقة، فلابد من التوسعة عليها فيما تتزين به لزوجها، وذلك لتتمكن من إحصانه وإشباع رغباته.
ولكن الإسلام لم يطلق العنان لتلك الغرائز والرغبات، بل دعا الإنسان إلى ضبطها بمقتضى الهدى الرباني، فحدد له حدودا ينبغي عليه عدم تعديها، وحرم عليه أشياء يجب عليه عدم انتهاكها. ولم تكن تلك الحدود تحكما في حياة البشر ولا تسلطا عليهم، وإنما حددها سبحانه وتعالى حرصا على إنسانية الإنسان، وكرما منه في أن يرعى بنفسه مصلحة البشر، فشرع التشريعات، وأنزل الكتب وأرسل الرسل.
وقد حرم الإسلام بعض أشكال الزينة: كالوصل والوشم والوشر والنمص وغير ذلك، لما فيها من الخروج على الفطرة والتغير لخلق الله تعالى والتدليس والإيهام وغير ذلك.

ولم تكن تلك المحرمات هي كل ما حرم في مجال التزين والتجمل، وإنما نص الشارع عليها لينبه على نظائرها، وما يحدث من أشكال مشابهة لها في الشكل أو المضمون. وسوف أتخذ هذه النصوص الشرعية منطلقا للحكم على ما استحدث من عمليات جراحية في مجال التجميل والتحسين.
وقد قمت بهذا البحث تلبية لرغبة جراحي التجميل في معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بالعمليات التي يمارسونها، فبينت الأحكام الشرعية المتعلقة بجراحة التجميل في الفقه الإسلامي، وحررت العلل التي بنيت عليها تلك الأحكام، واعتمدت في ذلك على المصادر الفقهية الأصلية في المذاهب الفقهية الأربعة ومذهب الظاهرية وغيرها، بالإضافة إلى كتب تفسر القرآن الكريم، وكتب السنة النبوية وشروحها. ورتبته على ثلاثة مباحث وخاتمة.

المبحث الأول: تجميل الشعر بالوصل والإزالة والجراحة.
المبحث الثاني: تجميل الجسم بالألوان والعلامات الباقية.
المبحث الثالث: تجميل قوام الأعضاء بالجراحة.
وختمت البحث بالقواعد العامة التي ينبغي مراعاتها في جراحة التجميل.

والله أسأل أن يتقبل مني هذا الجهد المتواضع ويجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون.

المبحث الأول

تجميل الشعر بالوصل والإزالة والجراحة

الشعر زينة للرجل والمرأة كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: " زينة الرجل في لحيته وزينة المرأة في شعرها ". وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بترجيله وإكرامه، ولكن بدون مبالغة في ذلك، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الترجل إلا غبا. فلا تقضي المرأة في تصفيفه الساعات الطوال من اليوم وتترك الواجبات الدينية والاجتماعية. وسوف يشتمل هذا المبحث على الأحكام المتعلقة بتجميل شعر الرأس، وشعر الوجه.

المطلب الأول

تجميل شعر الرأس

عرف الناس عدة وصفات لتجميل شعر الرأس، وفي هذا المطلب سوق أتكلم عن أحكام تلك الوصفات وهي: الوصل، وحلق شعر الرأس، وحلقه على هيئة قزع، ونتف الشيب واستعجاله.
أولا: وصل الشعر:

اتفق الفقهاء على تحريم وصل الشعر في الجملة. واستدلوا لذلك بالأحاديث الآتية:
أ – ما روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت، فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة ".
وفي رواية لمسلم عن عائشة رضي الله عنها: أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمرط شعرها، فأرادوا أن يصلوه، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: " فلعن الواصلة والمستوصلة ".
وفي رواية أخرى لمسلم عنها أيضا: أن امرأة من الأنصار زوجت ابنة لها، فاشتكت فتساقط شعرها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن زوجها يريدها، أفأصل شعرها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ " لعن الواصلات ".

ب – وروى البخاري في صحيحه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أنكحت ابتني، ثم أصابها شكوى، فتمرق رأسها، وزوجها يستحثني بها، أفأصل شعرها ؟ فسب رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة.
وفي رواية أخرى للبخاري عن أسماء أيضا قالت: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة".
وفي رواية أخرى عنها أيضا قالت: سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابنتي أصابتها الحصبة، فامرق شعرها، وإني زوجتها، أفأصل فيه ؟ فقال: "لعن الله الواصلة والموصولة".
وفي رواية لمسلم عنها أيضا قالت: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق شعرها، أفأصله ؟ فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة".

ج – وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ".
وفي رواية لمسلم عنه أيضا: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ".

د – وروى البخاري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج، وهو على المنبر، وهو يقول وتناول قصة من شعر بيد حرسي: " أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه، ويقول: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم ".

هـ – وروى البخاري عن سعيد بن المسيب قال: قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها ، فخطبنا فأخرج كبة من شعر قال: " ما كنت أرى أحدا يفعل هذا غير نساء اليهود. إن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الزور. يعني الواصلة بالشعر ".
وفي لفظ مسلم: أن رسول الله بلغه فسماه الزور.
وفي رواية لمسلم عنه أيضا أن معاوية قال ذات يوم: " إنكم أحدثتم زي سوء، وإن نبي الله نهى عن الزور. قال وجاء رجل بعصا على رأسها خرقة. قال معاوية: ألا هذا الزور ".
قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء أشعارهن من الخرق.

و – وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ".

ز – وروى مسلم عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: " زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئا ".

وجه الاستدلال:

الواصلة في الأحاديث: هي التي تصل شعر امرأة بشعر أخرى لتكثر به شعر المرأة.
والمستوصلة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك.
ووجه الاستدلال: أن الوصل حرام، لأن اللعن لا يكون على أمر غير محرم، ودلالة اللعن على التحريم من أقوى الدلالات، بل تعتبر عند البعض علامة من العلامات الكبيرة. قال النووي: " وفي الحديث أن وصل الشعر من المعاصي الكبائر للعن فاعله ".

حكم الوصل بشعر الآدمي:

اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة والظاهرية والشافعية على تحريم وصل شعر المرأة بشعر آدمي، بقصد التجمل والتحسين، سواء أكان الشعر الذي تصل به شعرها أم شعر زوجها أم محرمها أم امرأة أخرى غيرها لعموم الأحاديث الواردة في النهي عن الوصل، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه.

حكم الوصل بغير شعر الآدمي:

اختلف الفقهاء في حكم وصل شعر المرأة بغير شعر الآدمي على النحو التالي:

1 – ذهب الحنفية إلى أن الوصل بغير شعر الآدمي: كالصوف والوبر وشعر الماعز والخرق مباح؛ لعدم التزوير،ولعدم استعمال جزء من الآدمي،وهما علة التحريم عندهم.
جاء في حاشية ابن عابدين: " إنما الرخصة في غير شعر بني آدم، تتخذه المرأة لتزيد في قرونها، وهو مروي عن أبي يوسف. وفي الخانية: لا بأس بأن تجعل في قرونها وذوائبها شيئا من الوبر ".
وإلى هذا ذهب أيضا الليث بن سعد، فأجاز وصل الشعر بالصوف والخرق وما ليس بشعر.

2 – وذهب المالكية والظاهرية ومحمد بن جرير الطبري إلى أن الوصل بشعر غير الآدمي من صوف وشعر حيوان ووبر حرام. قال الإمام مالك: " لا ينبغي ان تصل المرأة شعرها بشعر ولا غيره ".
واستدلوا لذلك بعموم الأحاديث السابقة وبخاصة حديث جابر: " زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئا " ولأن فيه تدليسا وإيهاما بكثرة الشعر وتغييرا لخلقة الله تعالى .
وقد استثنى المالكية من ذلك ربط الشعر بالخرق وخيوط الحرير الملونة مما لا يشبه الشعر، فليس بمنهى عنه؛ لأنه ليس بوصل، ولا في مقصود الوصل. قال الإمام مالك: " و لا بأس بالخرق تجعلها المرأة في قفاها وتربط للواقية وما من علاجهن أخف منه ".
ونقل القاضي عياض عن البعض بأن مفهوم الوصل يدل على أنها لو وضعت على رأسها شعرا دون وصل جاز، وهو لا يدخل في النهي، لأنه حينئذ بمنزلة الخيوط الملونة والحرير.
ولم يرتض القرطبي ذلك وقال: هذه ظاهرية محضة وإعراض عن المعنى.

3 – وذهب الشافعية إلى تفصيل القول في الوصل بغير شعر الآدمي، فقالوا: إن وصلت المرأة شعرها بشعر غير آدمي فإما ان يكون طاهرا أو نجسا.
فإن كان نجسا كشعر ميتة وشعر مالا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته فهو حرام؛ لحرمة استعمال النجس في الصلاة وخارجها.
وإن كان طاهرا فينظر:
إن كانت الموصولة ليست بذات زوج فهو حرام أيضا. وبه قطع الدارمي والطيب والبغوي واليعقوبي.
وإن كانت متزوجة ففيه ثلاثة أقوال:

الأول: يجوز الوصل بإذنه فقط.
والثاني: يحرم الوصل مطلقا: أي ولو أذن الزوج.
والثالث: يجوز الوصل مطلقا: أي ولو لم يأذن الزوج.
والقول الأول هو الصحيح لدى الشافعية وبه قطع جماعة منهم.
هذا بالنسبة لما يشبه شعر الآدمي من الوبر والصوف أما خيوط الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهي عنه لعدم وجود التدليس.

4 – وذهب الحنابلة إلى أن الوصل بغير شعر الآدمي إما أن يكون بشعر أو بغير شعر: فإن كان بشعر: كشعر الماعز فيحرم، كما يحرم الوصل بشعر الآدمي، لعموم الأحاديث السابقة، ولما فيه من التدليس. فإذا وصلت المرأة شعرها بشعر بهيمة لا يصح الوصل،ولا تصح صلاتها إن كان الشعر نجسا لحملها النجاسة مع قدرتها على اجتنابها، وتصح إن كان طاهرا.
وإن كان الوصل بغير شعر، فإن كان لحاجة شد الشعر وربطه فلا باس به، لأن الحاجة داعية إليه ولا يمكن التحرز منه.
روى أحمد بن محمد بن حازم أن إسحاق بن منصور حدثهم أنه قال لأبي عبد الله ـ يعني أحمد بن حنبل ـ تكره كل شيء تصله المرأة بشعرها ؟ قال: غير الشعر إذا كان قرامل قليلا بقدر ما تشد به شعرها فليس به بأس إذا لم يكن كثيرا ".
وإن كان لغير حاجة ففي ذلك روايتان:

الأولى: يكره

والثانية: يحرم فلا تصل المرأة برأسها شيئا من الشعر والقرامل ولا الصوف لحديث جابر السابق: " زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئا ".

ورجح ابن قدامة الرواية الأولى، فقال: " والظاهر أن المحرم إنما هو وصل الشعر بالشعر، لما فيه من التدليس، واستعمال الشعر المختلف في نجاسته، وغير ذلك لا يحرم لعدم هذه المعاني فيها، وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة. وأما أحاديث النهي فتحمل على الكراهة ".
الرأي المختار في الوصل بغير شعر الآدمي:
لاختيار مذهب من المذاهب السابقة لابد من معرفة الراجح في المعنى الذي لأجله حرم الوصل، وهذه المعرفة إنما تكون بعرض مذاهب الفقهاء في ذلك المعنى، والأدلة التي استند إليها كل فريق فيما ذهب إليه، والنظر في هذه الأدلة لمعرفة الرأي الراجح، وهذا ما سنتكلم عنه فيما يأتي:

المعنى الذي لأجله حرم الوصل:

اختلف العلماء في المعنى الذي لأجله حرم الوصل على عدة أقوال وهي:

1 – ذهب الحنفية إلى أنه التدليس باستعمال جزء من الآدمي، فلا يجوز الانتفاع بأجزاء الآدمي لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه المنفصلة ولا ينتفع بها.

2 – وذهب المالكية والظاهرية ومحمد بن جرير الطبري إلى أنه التدليس بتغيير خلق الله: كمن يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله أو تغزره بشعر غيرها فكل ذلك تغيير للخلقة.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا).
كما استدلوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث لعن الله الواشمة والمتفلجة: (المغيرات خلق الله).

3 – وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المعنى الذي لأجله حرم الوصل هو التدليس مطلقا: سواء استعمل شعر الآدمي أو غيره وسواء كان فيه للخلقة أو لم يكن. واستدلوا لذلك بما يلي:

أ – ما روي عن معاوية بن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الزور يعني الواصلة بالشعر وقال قتادة: يعني ما يكثر به النساء شعورهن من الخرق.

ب – حديث أسماء السابق: " وإني أنكحت ابنتي ثم أصابتها شكوى فتمرق رأسها وزوجها يستحثني بها، أفأصل رأسها فسب رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة ". فمنع النبي صلى الله عليه وسلم الوصل؛ لما فيه من التدليس والغش وإخفاء عيب حصل في الزوجة.
والراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة من أن المعنى المناسب لتحريم الوصل هو التدليس بالعيب والغش والخداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه زورا، لما فيه من تدليس وغش، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغش بقوله: "من غشنا فليس منا".

وأما ما ذهب إليه الحنفية من أن التدليس لا يكون إلا بشعر الآدمي، فغير صحيح؛ لأن التدليس كما يقع بشعر الآدمي يقع بشعر البهيمة الصناعي وغير ذلك مما يشبه الشعر الطبيعي. وأما استدلال المالكية بالآية فغير مسلم، لأن الآية جاءت بتغيير الخلقة بالجرح والتشريح كما في تبتيك آذان الأنعام، والوشم وغير ذلك.

وأما الحديث فقد جاء في سياق النهي عن الواشمة والمتفلجة لا الواصلة. فإذا كان يصلح كعلة للنهي عن الوشم والتفليج فلا يصلح كعلة لوصل الشعر، لأن أحاديث النهي عن الوصل نصت على العلة وهي كونه زورا وغشا وخداعا. قال الخطابي: "الواصلات هن اللواتي يصلن شعور غيرهن من النساء يردن بذلك طول الشعر يوهمن أن ذلك من أصل شعورهن، فقد تكون المرأة زعراء قليلة الشعر، أو يكون شعرها أصهب، فتصل شعرها بشعر أسود فيكون ذلك زورا وكذبا فنهى عنه، أما القرامل فقد رخص فيها أهل العلم، وذلك أن الغرور لا يقع بها، لأن من نظر إليها لم يشك في أن ذلك مستعار".
وإذا كانت علة النهي عن الوصل هي التدليس والتزوير فيكون الرأي المختار في وصل شعر المرأة بغير شعر الآدمي على النحو التالي:

1 – إذا كان الموصول بشعر المرأة يشبه الشعر الطبيعي، حتى يظن الناظر إليه أنه شعر طبيعي؛ يحرم الوصل سواء أكان شعرا أم صوفا أم وبرا أم خيوطا صناعية أم غير ذلك، لأن علة تحريم الوصل قد تحققت فيه.

2 – أما إذا كان الموصول به لا يشبه الشعر الطبيعي بحيث يدرك الناظر إليه لأول وهلة أنه غير طبيعي، فلا يحرم الوصل سواء أكان شعرا أم صوفا أو وبرا أم قرامل، وذلك لعدم تضمنه علة التحريم: وهي التدليس.

3 – ضفر شعر المرأة بالخرق الملونة وغيرها ما هو ظاهر في أنه ليس من شعرها لا يعتبر وصلا، ولا يدخل في النهي.

ثانيا: حلق المرأة شعر رأسها:

أجمع العلماء على أنه لا حلق على المرأة في الحج،ويتعين علبها التقصير وقد كره جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة الحلق لغير ضرورة كمرض، لأنه بدعة في حقها، وفيه تغيير جمال الخلقة فيؤدي إلى المثلة وتشويه المنظر. وحرموه إذا تشبهت المرأة بالرجال. واستدلوا لذلك بما يلي:

1 – روى الإمام مسلم عن أبي موسى أنه قال: "أنا بريء مما بريء منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة والحالقة والشاقة".
فالحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، فقد كان النساء يحلقن رؤوسهن عند حلول المصائب تعبيرا عن الحزن، فنهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

2 – وروى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة راسها ".
قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم لا يرون على المرأة حلقا ويرون عليها التقصير.

3 – وروى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس على النساء الحلق وإنما على النساء التقصير ".
وذهب المالكية والظاهرية إلى تحريم الحلق مطلقا، سواء أكان لتغيير جمال الخلقة أو للتشبه بالرجال، لعموم الأحاديث السابقة ".

والراجع ما ذهب إليه المالكية والظاهرية من تحريم الحلق للمرأة، لأن المثلة بتغيير جمال الخلقة منهي عنها، كما أن التشبه بالرجال منهي عنه، فيحرم على المرأة حلق شعر رأسها لغير ضرورة، سواء قصدت المثلة، أو التشبه بالرجال، أو التشبه بالكافرات عند نزول المصائب.

ثالثا: حلق شعر الرأس على هيئة قزع:

أجمع العلماء على كراهة القزع للرجل والمرأة إلا أن يكون لمداواة ونحوها لما روى الإمام مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع لنافع: وما القزع ؟ قال: يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه ".
ولما روى أبو داود عن ابن عمر أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيا قد حلق بعض شعره وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك وقال: " احلقوه كله أو اتركوه كله ".
المعنى الذي لأجله نهى عن القزع:

اختلف العلماء في المعنى الذي لأجله نهى عن القزع على عدة أقوال، ويرجع سبب الاختلاف إلى تعدد أشكال وأنواع القزع، وهذه الأنواع هي:

الأول: أن يحلق من رأسه مواضع من هنا وههنا مأخوذ من نقزع السحاب، وهو تقطيعه.
والثاني: أن يحلق وسطه ويترك جوانبه، كما يفعله شمامسة النصارى.
والثالث: أن يحلق جوانبه ويترك وسطه، كما يفعله كثير من الأوباش والسفلة.
والرابع: أن يحلق مقدمة ويترك مؤخره.

فالأول يكره لما فيه من الضرر وعدم عدل الإنسان مع نفسه.
قال ابن تيمية: " وهذا من كمال محبة الله ورسوله للعدل فإنه أمر به، حتى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه، لأنه ظلم للرأس حيث ترك بعضه كاسيا وبعضه عاريا. ونظير هذا أنه نهى عن الجلوس بين الشمس والظل، فإنه لبعض بدنه، ونظيره نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة، يل إما أن ينعلهما أو يحفيهما ".

وأما النوع الثاني فيكره لما فيه من التشبه بأهل الكتاب، فقد كان اليهود يفعلونه كما كان شمامسة النصارى يفعلونه، قال الحكيم الترمذي: " كان هذا فعل القسيسيين، وهم أضر من النصارى، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهؤلاء الذين وصفناهم ".

وأما النوع الثالث فيكره لما فيه من التشبه بالأوباش والسفلة وأهل الشر والفساد فهو زي أهل الشر والدعر.

وأما النوع الرابع فيكره لما فيه من المثلة التي تعافها الأنفس والقلوب، فهو يؤدي إلى تشويه جمال الخلقة.

رابعا: نتف الشيب واستعجاله:

اتفق الفقهاء على جواز خضاب الشيب بغير السواد من الحناء والكتم والصفرة للرجال والنساء. كما اتفقوا على كراهة نتف الشيب من المحل الذي لا يطلب منه إزالة شعره كالرأس واللحية. واستثنى الحنفية من ذلك جواز نتفه لإرهاب العدو.

وقال المالكية: يكره نتف الشيب، وإن قصد به التلبيس على النساء فهو أشد في المنع.
وقال الشربيني: " يكره نتف الشيب، وإن نقل ابن الرفعة تحريمه، نص عليه في الأم، وقال في المجموع: ولو قيل بتحريمه لم يبعد ".

واستدلوا لكراهة نتف الشيب بما يلي:

1 – روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا إذا كانت له نورا يوم القيامة ".
وفي لفظ أحمد: " إلا رفعه الله بها درجة، ومحيت عنه سيئة، وكتب الله له بها حسنة ".

2 – وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن نتف الشيب، وقال: إنه نور المسلم ".
المعنى الذي لأجله نهي عن النتف:
نهي عن نتف الشيب لأن فيه تغيير الخلقة من أصله بخلاف الخضب، فإنه لا يغير الخلقة على الناظر ولما فيه من التدليس والغش والخداع.
وأما استعجال الشيب بالمعالجة: بأن يضع كبريتا أو غير ذلك فقد كرهه الشافعية لما فيه من التدليس، ولما يترتب عليه من الضرر.

المطلب الثاني

تجميل شعر الوجه بالنماص

الوجه بالنسبة للمرأة أصل الزينة ـ فتتجمع فيه محاسن المرأة، ويبدوا فيه جمال الخلفة وهو محل استمتاع الزوج، ولهذا خلقه الله تعالى خاليا من الشعر إلا شعر الحاجبين والأهداب. ففي شعر الحاجبين زينة وجمال وواقية مما ينحدر من الرأس، وجعل على هذا المقدار لأنه لو نقص عنه لزالت منفعة الجمال والوقاية، ولو زاد عليه لغطى العين وأضر بها، وحال بينها وبين ما تدركه، وفي شعر الأهداب زينة وجمال ووقاية للحدقة. وسوف أتكلم في هذا المطلب عن حكم النماص.
اتفق الفقهاء على تحريم النماص في الجملة، للأحاديث الواردة في ذلك:

1 – روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: " لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب وكانت تقرأ القرآن، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأن ما بين لوحي المصحف فما وجدته. فقال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه: قال الله عز وجل: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ). فقالت المرأة: فإني أرى شيئا من هذه على امرأتك الآن. قال: فاذهبي فانظري. قال: فدخلت على امرأة عبد الله، فلم تر شيئا فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئا، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها.

2 – وروى أبو داود عن ابن عباس قال: " لعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء ".

فالنامصة: هي التي تفعل النماص، والمتنمصة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك.
ووجه الاستدلال بالحديثين أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعلة النماص، واللعن لا يكون على شيء غير محرم.

واختلف الفقهاء في المراد بالنماص المحرم:

1 – فذهب الحنفية إلى أن النماص المحرم هو ما تفعله المرأة للتبرج والتزين للأجانب، وكذا ما تفعله بلا حاجة ولا ضرورة، لما في نتفه بالمناص من الإيذاء. أما ما تفعله بقصد التزين لزوجها فلا يحرم، فإذا كان في وجهها شعر يؤدي إلى نفور زوجها عنها جاز لها إزالته، فيجوز لها إزالة ما نبت في وجهها من لحية أو شارب أو عنفقه بل يستحب ذلك. وهو غير داخل في النهـي عن النماص. وكذا يجوز لها الأخذ من شعر الحاجبين وشعر الوجه ما لم تتشبه في ذلك بالمخنثين

2 – وذهب المالكية إلى أن النماص المحرم هو نتف الشعر من الوجه، لما فيه من التلبيس بتغير خلق الله تعالى، فلا يجوز للمرأة أن تقلع الشعر من وجهها بالمنماص.

3 – وذهب الشافعية إلى أن النماص المحرم: هو الأخذ من شعر الحاجبين لترقيقهما، حتى يصيرا كالقوس أو الهلال بقصد الحسن والتجمل، إذا كان بدون إذن الزوج.
وبناء على هذا فإن الزوجة إذا فعلت بإذن الزوج جاز، لأن له غرضا في تزينها لها، وقد أذن لها فيه.
ويخرج من النماص المحرم إزالة اللحية والشارب والعنفقة للمرأة بالنتف أو الحلق، سواء أكانت المرأة متزوجة، أم غير متزوجة، ويستحب لها فعل ذلك، ولا يدخل هذا الفعل في النهي عن النماص، لأن النهي إنما هو في الحواجب وأطراف الوجه.

وأما تهذيب الحاجبين بالأخذ منهما إذا طالا فلم ير الشافعية فيه شيئا، وكره النووي ذلك فقال:وينبغي أن يكره لأنه تغيير لخلق الله لم يثبت فيه شيء.

4 – وللحنابلة في النماص المحرم ثلاثة أقوال:

الأول: ما نص عليه الإمام أحمد أن النماص المحرم هو نتف شعر الموجه، أما حلقه فلا بأس به، لأن الخبر إنما ورد في النتف.
اخبرنا الوراق قال: حدثنا مهنا أنه سأل أبا عبد الله ـ أي أحمد بن حنبل ـ عن الحف، فقال: ليس به بأس للنساء. قال: وسأله عن النتف، فقال: أكرهه للرجال والنساء. وقد كان أحمد يأخذ من حاجبه وعارضه.

والثاني: وهو وجه عند الحنابلة، قال الشيخ عبد الوهاب بن مبارك الأنماطي: إذا أخذت المرأة الشعر من وجهها لأجل زوجها بعد رؤيته إباها فلا بأس به، وإنما يذم إذا فعلته قبل أن يراها، لأن فيه تدليسا.

والثالث: ما ذهب إليه عبد الرحمن بن الجوزي من أن حديث النامصة محمول على التدليس أو على الفاجرات. فيكون النماص المحرم ما تفعله المرأة على وجه التدليس أو بقصد التشبه بالفاجرات.
وبناء على ما سبق فإنه يجوز للمرأة حلق لحيتها وشاربها.

5 – وذهب الطبري وابن حزم الظاهري إلى أن النماص المحرم هو نتف الشعر من الوجه، لما فيه من تغيير خلق الله، فلا يجوز للمرأة تغيير خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماسا للحسن لا للزوج ولا لغيره: كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه. وكذا لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها، لما فيه من تغير الخلقة.

المعنى المختار للنماص المحرم:

بعد عرض آراء الفقهاء في المراد بالنماص المحرم يتبين أنهم اختلفوا في الشعر الذي تقلعه المرأة بالمنماص هل هو شعر الوجه أو شعر الحاجبين ؟
إن الأحاديث لم تحدد المراد به، فلابد من الرجوع إلى اللغة لفهم المراد. فحديث ابن مسعود ورود بلفظ: " المتنمصات " وهو جمع متنمصة: وهي التي تطلب أن يفعل بها التنمص، وهو من باب تفعل، ومعناه التكلف والمبالغة في إزالة الشعر من الوجه إلا في الحاجبين، لأنهما المحل الطبيعي لظهور الشعر في وجه المرأة. فإذا بالغت المرأة في نتف شعر الحاجبين للتجمل والتحسن: كأن تزيلهما كليا، أو ترققهما حتى يصيرا كالقوس أو الهلال فهو النماص المنهي عنه. ويؤيد ذلك ما جاء في سنن أبي داود بعد أن روى حديث ابن عباس السابق حيث قال: " وتفسير النامصة: التي تنقش الحاجب حتى ترقه ".
وبناء على ذلك فإن إزالة اللحية والشارب والعنفقة للمرأة بالنتف أو الحلق جائز، لأنه لا يدخل في النماص المحرم كما ذهب إليه جمهور الفقهاء. لأن كثيرا من الفقهاء اعتبروا ظهور اللحية والشارب في المرأة نقصا وعيبا، فلا شيء من الدية على المعتدي عليها بالنتف والإزالة لأنه أزال عنها الشين.
ويخرج من النماص المحرم أيضا تهذيب الحاجبين بأخذ الشعر الزائد الخارج عن استقامة الحاجبين من غير مبالغة فيه، لأنه لا تدليس فيه ولا تغيير لخلق الله.

المعنى الذي لأجله حرم النماص:

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النماص، لأن فيه تغيير الخلقة الأصلية للحواجب بالإزالة أو الترقيق لحديث ابن مسعود: " المغيرات خلق الله " فلا يجوز للمرأة إزالة الحواجب كليا والاستعاضة عنها بحواجب اصطناعية؛ لما فيه من تغيير الخلقة الأصلية، ولما يترتب على وضع المادة الكيميائية من أضرار بالغة كما قال الدكتور وهبة أحمد حسن: " إن استخدام أقلام الحواجب وغيرها من ماكياجات الجلد لها تأثيرها الضار: فهي مصنوعة من مركبات معادن ثقيلة: مثل الرصاص والزئبق تذاب في مركبات دهنية مثل زيت الكاكاو، كما أن المواد الملونـة تدخـل فيها بعض المشتقات البترولية،وكلها أكسيدات مختلفة تضر بالجلد، وإن امتصاص المسام الجلدية لهذه المواد يحدث التهابات وحساسية، ولو استمرت هذه المواد لأصبح لها تأثير ضار على الأنسجة المكونة للدم والكبد والكلى ".

المطلب الثالث

تجميل الشعر بالجراحة

لقد ظهرت في هذا العصر عمليات جراحية تجميلية لمعالجة نمو الشعر بالزرع والإزالة، وهي مسائل لم يتعرض لحكمها الفقهاء السابقون، فما حكم تلك المسائل؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من استخلاص الحدود التي ينبغي مراعاتها في تجميل الشعر، لتكون علامات هادية إلى الحكم الشرعي في تلك المسائل المستجدة، ومن ثم الحكم عليها.

أولا: الحدود التي ينبغي مراعاتها في تجميل الشعر:

من خلال دراستنا للأحكام المتعلقة بتجميل شعر الرأس وشعر الوجه تبرز الحدود التالية:

1 – أن لا يكون فيه تدليس وغش وخداع.
2 – أن لا يكون فيه تغيير للخلقة الأصلية.
3 – أن لا تستعمل فيه مادة نجسة.
4 – أن لا يكون بقصد تشبه أحد الجنسين ( الذكر والأنثى ) بالآخر.
5 – أن لا يكون بقصد التشبه بالكافرين أو أهل الشر والفجور.
6 – أن لا يترتب عليه ضرر أكبر.

ثانيا: الأحكام الشرعية للعلميات الجراحية التجميلية المستجدة:

بناء على ما سبق بيانه من حدود فإن الحكم الإجمالي للعمليات الجراحية الخاصة بتجميل الشعر هو الجواز إذا روعيت الحدود والشروط السابقة.
وأما الأحكام التفصيلية الخاصة بكل عملية فتتوقف على تصوير تلك العملية الجراحية، والتكييف الشرعي لها: ومن هذه العمليات زرع الشعر في الرأس بحيث يكون ناميا، ومعالجة الشعر الأبيض في رأس الطفل أو الشاب، ومعالجة الشعر الكثيف النابت في جميع وجه الإنسان، ومعالجة اللحية والشارب في وجه المرأة، ومعالجة شعر اللحية والشارب في وجه الرجل.

1 – زرع الشعر في الرأس بحيث يكون ناميا:
علاج الشعر جراحيا بإجراء عملية زرع الشعر في الرأس بحيث يكون ناميا جائز إذ لا تدليس فيه، بل معالجة للرجوع إلى الخلقة القويمة التي جبل عليها الإنسان.

2 – معالجة الشعر الأبيض في رأس الطفل:

بياض الشعر يحصل في الإنسان بسببين: أحدهما: طبيعي بسبب كبر السن وهو الشيب. والثاني: خارج عن الطبيعة، وهو ما يوجد عقب الأمراض المجففة.
فالشيب لا يجوز نتفه ـ كما بينا ـ لما فيه من التدليس وتغيير الخلقة. أما الشعر الأبيض في الطفل أو الشاب فقد حدث بسبب مرض، فتجوز معالجته بإجراء عملية إذا لا تدليس فيه، ولا تغيير للخلقة الأصلية.

3 – إجراء عملية لإزالة الكثيف الذي يغطي الوجه عند الأطفال:

من الظواهر التي شهدها العالم وشغلت بال الأطباء أطفال في سن الطفولة تغطي أجسامهم ـ بما في ذلك الوجه ـ بشعر كثيف يبلغ طوله من 2 سم إلى 10 سم، ويكون وجه ذلك الطفل شبيها بوجه الذئب ـ كما هو مبين في الصورة ـ فهل يجوز معالجة الشعر الكثيف الذي يغطي الوجه عند ذلك الطفل ؟
إن وجود ذلك الشعر في جميع جسم الإنسان غير طبيعي، وهو يحصل بسبب اضطراب الهرمونات الخاصة بنمو الشعر وترتيب مراحله.
يقول الدكتور يوسف محمد البلبيسي: " أعتقد أن سبب هذه الظاهرة الناشئة عن النمو الغزير غير الطبيعي للشعر إنما يرجع إلى نقص الهرمونات المتعلقة بمراحل وكيفية وطبيعة نمو الشعر ".
ويقول الدكتور أمين الجوهري: " خروج الشعر وظهوره بشكل مبكر عند الأطفال الذكور والإناث يرجع إلى اضطراب الهرمونات التي تفرزها الغدة ما فوق الكلية وتسبب ظهور الشعر عند الرجال وتغييرات الصوت عند الأولاد، وتعمل على التعجيل بظهـور أعراض الذكورة عند الأطفال، وأولها بروز الشعر بشكل كثيف ".
ويقول الدكتور علي التكمجي ـ أخصائي أمراض جلدية وتناسلية: " إن العقاقير تؤدي إلى مثل هذه التشوهات في الأجنة، يضاف إلى ذلك " الكورتيزون " الذي يؤدي إلى ظهور الشعر بكثافة مع مضاعفات أخرى ".
وعملية التجميل في هذه الحالة تكون بانتزاع الشعر من جذوره بواسطة الكهرباء أو " الألكروليسيز " كما يقول الدكتور هاتشنجز ـ أخصائي جراحة التجميل ـ إن علاج الظاهرة غير ممكن في الوقت الحالي إلا عن طريق وسائل التجميل. وننصح باللجوء إلى انتزاع الشعر من جذوره بواسطة الكهرباء أو " الألكتروليسيز " ولأن إزالة البشرة مع الشعر مستحيل حاليا، كما أن إعادة زرع بشرة جديدة من باقي الجسم محال، لأن كل بشرة الجسم مغطاة بنفس الشعر الكثيف.
بناء على ما سبق فإن الحكم الشرعي لهذه العملية الجواز ما لم تؤد إلى ضرر أكبر بالطفل، لأنها إعادة إلى الخلقة الأصلية.

4 – معالجة شعر اللحية والشارب في وجه المرأة:

إن إجراء عملية جراحية لإزالة شعر اللحية والشارب في وجه المرأة جائز ما لم يترتب عليه ضرر أكبر إذ لا تدليس فيه، ولا تغيير للخلقة الأصلية.

5 – معالجة شعر اللحية والشارب في وجه الرجل:

إن إجراء عملية جراحية لإزالة شعر اللحية والشارب في وجه الرجل ليتشبه بالنساء لا يجوز؛ لما فيه من تغيير الخلقة الأصلية والتشبه بالنساء.

المبحث الثاني

تجميل الجسم بالألوان والعلامات الباقية

تستعمل في تجميل الجسم بالألوان والعلامات الباقية عدة عمليات جراحية: منها ما هو قديم، ومنها ما هو حديث. وفي هذا المبحث سوف أتكلم عن الأحكام التي تتعلق بتلك العمليات.

المطلب الأول

العمليات الجراحية القديمة

في هذا المطلب سوف أتكلم عن ثلاث عمليات قديمة وهي: الوشم والوسم والقشر.

أولا: الوشم:

الوشم في اللغة: من وشم بيدها ويشم ووشوم بمعنى العلاقات.
والوشم في الاصطلاح: أن يغرز العضو بإبرة حتى يسيل الدم، ثم يحشي موضع الغرز بالكحل أو النورة أو المداد فيخضر أو يزرق.
ويتفنن الناس في استعمالهم للوشم، فبعضهم ينقش على جسمه صورة حيوان: كأسد أو عصفور، ويعضهم ينقش على يده قلبا أو اسم المحبوب، وبعض النساء تصبغن الشفاه صبغا دائما بالخضرة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعدى ذلك إلى أن أصبح الوشم في هذا العصر وسيلة التزيين جميع الجسد ـ كما هو مبين في صورة الرجل الذي غطى جسده كله بالوشم ـ وتحمل في سبيل ذلك العذاب الشديد، حيث بقي يتعرض للوخز بالإبر لمدة ست ساعات على مدة أربع سنوات.
وفي أوروبا تقوم بعض الفتيات بعمل صور من الوشم على أماكن مختفية من الجسم ثم ترفع هذه اللوحة الجلدية وتدبغ وتباع بأسعار خيالية إذ أنها من جسم الإنسان ويحتفظ بها كلوحات فنية نادرة.
وقد أجمع العلماء على تحريم الوشم على الفاعلة والمفعول بها باختيارها ورضاها. ولذا لا تأثم البنت الصغيرة إذا فعل بها الوشم لعدم التكليف، وكذا لا يأثم من حصل فيه الوشم نتيجة حادث: كاحتكاك جسم الإنسان بالأسفلت، فدخل السواد تحت الجلد، أونتيجة انفجار قنبلة فدخل الدخان والبارود تحت الجلد. وكذا إذا حدث الوشم عن طريق العلاج، ومما يؤيد هذا الاستثناء ما روي عن ابن عباس: " والمستوشمة من غير داء ". قال ابن حجر: " يستفاد منه أن من صنعت الوشـم عـن غير قصد له، بل تداوت مثلا فنشأ عنه الوشم أن لا تدخل في الزجر ".
وقد استدل العلماء على تحريم الوشم بالأحاديث التالية:

1 – حديث ابن عمر السابق: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ".

وفي لفظ مسلم: " أن رسول الله لعن الواصلة والمستوصلة،والواشمة والمستوشمة ".

2 – حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ".
وفي لفظ آخر للبخاري عن أبي هريرة أيضا قال: أتي عمر بامرأة تشم، فقام فقال: أنشدكم بالله من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الوشم، فقال أبو هريرة: فقمت فقلت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تشمن ولا تستوشمن.

3 – حديث ابن عباس السابق: " لعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة والمتنمصة، والواشمة والمستوشمة من غير داء ". قال أبو داود: " وتفسير الواشمة: التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة المعمول بها".

4 – حديث ابن مسعود السابق قال: " لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ".
وفي لفظ البخاري: " الواشمات والمتوشمات ".
الواشمة في الأحاديث: فاعلة الوشم،والمستوشمة التي تطلب فعل الوشم.
ووجه الاستدلال أن اللعن لا يكون على أمر غير محرم، فدلت الأحاديث على أن الوشم حرام، كما يدل اللعن على أنه من الكبائر.

5 – واستدلوا بالمعقول على تحريم الوشم، وهو إيلام للحي بلا حاجة ولا ضرورة. قال ابن الجوزي: " لا يحل لأنه أذى لا فائدة فيه ".

المعنى الذي لأجله حرم الوشم:

اختلف العلماء في المعنى الذي لأجله حرم الوشم:

فنقل القرطبي عن بعض العلماء: أنه التدليس لحديث ابن مسعود السابق: " لعن الله الواشمات والمستوشمات.. والمتفلجات للحسن ".
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه التغيير لخلق الله تعالى بإضافة ما هو باق في الجسم عن طريق الوخز بالإبر، والتعذيب لجسم الإنسان بلا حاجة ولا ضرورة. واستدلوا لذلك بما يأتي:

1 – قوله تعالى: ( ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ).
فالمراد بقوله تعالى: ( فليغيرن خلق الله ) الواشم كما قاله ابن مسعود والحسن البصري، فيكون المعنى الذي لأجله حرم الوشم هو تغيير خلق الله.

2 – حديث ابن مسعود السابق: " لعن الله الواشمات والمستوشمات.. والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ".
وفي رواية الإمام أحمد عن ابن مسعود: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن المتنمصات،والمتفلجات، والمستوشمات المغيرات خلق الله ".
فقد أشار الحديث إلى علة النهي عن تلك الأشياء. والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء لنص الحديث على العلة.
وبناء على أن المعنى الذي لأجله حرم الوشم هو التغيير لخلق الله بما هو باق فلا يدخل في النهي عن الوشم تغيير الخلقة بما لا يكون باقيا: كتجميل العينين بالإثمد، وخضاب اليدين والقدمين بالحناء والكتم، وتحمير الوجنتين،وتطريف الأصابع والنقش والتكتيب بالأصباغ قال الشوكاني: " إنما النهي في التغيير الذي يكون باقيا، أما ما لا يكون باقيا: كالكحل ونحوه من الخضابات فقد أجازه مالك وغيره من العلماء ".

ثانيا: إزالة الوشم:

قال الشافعية: إن الموضع الموشوم يصير نجسا بانحباس الدم فيه، فتجب إزالته لأن الصلاة لا تصح من حامل النجاسة. ويلزم الموشوم بإزالته إن كان فعله باختياره ورضاه: أي بعد بلوغه ولو كان كافرا ثم أسلم. أما إذا فعل به بغير رضاه: كالمكره والصبي لم تلزمه إزالته، وحيث عذر في إزالة الوشم لا يضر في صحة صلاته.
وقد أشاروا إلى طريقة إزالته وما يترتب عليها، فقالوا: إن أمكن إزالته بالعلاج وجبت إزالته، وإن لم يمكن إلا بالجرح: فإن خاف منه التلف أو فوات عضو أو منفعة عضو أو حدوث شيء فاحش في عضو ظاهر لم تجب إزالته، وتكفي التوبة في هذه الحالة، وإن لم يخف شيئا من ذلك ونحوه لزمه إزالته ويعصي بتأخيره.
وسواء في هذا كله الرجل والمرأة.

وقد خالف بعض الفقهاء في نجاسة الموضع الموشوم، فقد بوب الهيثمي بابا في طهارة الوشم وأنه لا تجب إزالته واستدل بما روي عن قيس بن أبي حازم قال " دخلنا على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه فرأيت عنده امرأة بيضاء موشومة اليدين تذب عنه، وهي أسماء بنت عميس.

ثالثا وسم الوجه:

الوسم في اللغة: أثر الكية، يقال: وسمة يسمه وسما وسمة في العلامة. فيقال: فلان موسوم بالخير وعليه سمة الخير: أي علامته، وتوسمت فيه كذا أي رأيت فيه علامته .
والوسم في الاصطلاح: لا يخرج عن المعنى اللغوي، وهو الكي للعلامة. فيستعمله أصحاب الحيوانات لتمييز حيواناتهم عن غيرها. وتستعمله القبائل، فتسم كل قبيلة أفرادها بسمة معينة في الوجه.
فقد أجاز الإسلام وسم الحيوان في جميع الأعضاء غير الوجه لما روي الإمام مسلم عن جابر قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه ".
وأما وسم الآدمي فقد اتفق الفقهاء على تحريمه لكرامة الإنسان، ولأنه لا حاجة إليه، ولا يجوز تعذيبه بلا حاجة ولا ضرورة.
ولا يدخل في النهي عن الوسم الكي للعلاج عند جمهور الفقهاء فهو جائز، لأنه داخل في جملة العلاج والتداوي المأذون فيه. لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي ".
وأما ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن الكي كما في حديث عمران بن حصين قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا " فيحمل على عدة وجوه:
الأول: أن يكون من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره،ويقولون: آخر الدواء الكي، ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه، وإذا لم يفعل ذلك عطب صاحبه وهلك، فنهاهم عن ذلك إذا كان على هذا الوجه، وأباح لهم استعماله على معنى التوكل على الله سبحانه، وطلب الشفاء والترجي للبرء بما يحدث الله من صنعه فيه، وي***ه من الشفاء على أثره، فيكون الكي والدواء سببا لا علة.
وهذا أمر قد تكثر فيه شكوك الناس وتخطيء فيه ظنونهم وأوهامهم، فما أكثر ما تسمعهم يقولون: لو أقام فلان في بلده لم يهلك، ولو شرب الدواء لم يسقم، ونحو ذلك من تجريد إضافة الأمور إلى الأسباب، وتعليق الحوادث بها دون تسليط القضاء عليها وتغليب المقادير فيها، فتكون الأسباب أمارات لتلك الكوائن لا موجبات لها.

والوجه الثاني: أن يحمل النهي على الكي للصحيح احترازا عن الداء قبل وقوع الضرورة ونزول البلية وذلك مكروه، وإنما أبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة ودعاء الضرورة إليه.
والوجه الثالث: أن يحمل النهي في الحديث على علة خاصة لعلمه أن الكي لا يشفيها، ولذلك قال عمران بن حصن: " فلا أفلجنا ولا أنجحنا " فقد استعمل عمران الكي في الناسور وليس من أدويته ولا ذلك محله. وكذلك إذا كان الكي للتداوي: الذي يجوز أن ينجح ويجوز أن لا ينجح، ففي هذه الحالة يكون مكروها.
وخلاصة القول أن الكي لإحداث علامة في جسم الإنسان لا يجوز، وأما للتداوي فيجوز إذا تعين الشفاء به، ولا يجوز استعماله على سبيل التجربة.

رابعا: قشر الوجه:

القشر في اللغة: سحق الشيء عن أصله. والقشور: دواء يقشر به الوجه.
وقشر الوجه في الاصطلاح: أن تعالج المرأة وجهها بالغمرة، حتى ينسحق أعلى الجلد، ويصفوا اللون.
قال أبو عبيدة: نراه أراد هذه الغمرة التي يعالج بها النساء وجوههن حتى سنسحق أعلى الجلد ويبدوا ما تحته من البشرة وهو شبيه بما جاء في النامصة.

وقد حرم العلماء قشر الوجه لما فيه من تغيير خلق الله تعالى، ولما يترتب عليه من أضرار يتأذى بها الجلد فيما بعد. واستدلوا لذلك بما يلي:

1 – ما روي الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن القاشرة والمقشورة،والواشمة والمستوشمة، والواصلة والمتصلة ".

2 – وروى الإمام أحمد أيضا عن كريمة بنت همام قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: " يا معشر النساء إياكن وقشر الوجه، فسألتها عن الخضاب. فقالت: لا بأس بالخضاب، ولكني أكرهه لأن حبيبي صلى الله عليه وسلم كان يكره ريحه ".
فالمعنى الذي لأجله نهى عن القشر هو التغيير للخلقة والتعذيب والإيلام بقشر الوجه، ولا يدخل في هذا النهي ما تستعمله المرأة من أدوية ومراهم لإزالة الكلف وتحسين الوجه.

المطلب الثاني

العمليات الجراحية المستجدة
الخاصة بتغيير لون الجسم

حرم الإسلام الوشم والوسم والقشر لما فيها من تغيير الخلقة الأصلية بما هو باق، وتعذيب الإنسان بلا ضرورة. وأجاز استعمال ما لا يكون باقيا من الأصباغ: كالكحل والحناء والكتم والحمرة وغير ذلك.
كما أجاز العلاج والتداوي بالمراهم والكي بحيث لا يترتب عليها ضرر أكبر.
وبناء على ذلك فلا تجوز عملية " صنفرة الوجه " أو قشره للتحسين والتجمل. وتجوز معالجة ما يحدث في الجسم حدوثا غير طبيعي: كالوشم ودوالي الساقين، والأوردة الجلدية التي تظهر في الوجه، والتشوهات التي تحدث نتيجة الحروق أو الحوادث أو غير ذلك ما لم يترتب عليها ضرر أكبر، وهذه كلها داخلة في التداوي المأذون فيه.

" صنفرة الوجه " أو قشره:

تستعمل لإزالة النمش والبقع الجلدية في الوجه عدة عمليات جراحية منها: عملية " ديرما بريزر ": فيجف الجلد بالصنفرة ويوضع عليه شاش بنسلين بعد تخدير الجزؤ المراد علاجه، ثم يترك حوالي أسبوع حتى يكتسي الوجه بقشرة جديدة.
ومنها: طلاء الوجه بمحلول كبريتي يودي لمدة خمسة أيام، في كل يوم أربع مرات حتى تسقط القشرة ويكتسي الوجه بقشرة جديدة.

إذا علمنا أن هذه العمليات لا تقضي على النمش نهائيا، بل يعود بعد فترة كما يقول الدكتور صبري القباني: " ورغم تعدد الوصفات وثبوت فائدتها في إزالة النمش إلا أنه من الثابت أنها لا تفيد في القضاء عليه نهائيا ما دمت تملكين بشرة حساسة وأخلاطا تجول في دمك فتثير حجيراتك المولدة للصيغ كلما صافحتها أشعة الشمس ".
فإذا ثبت عدم جدوى هذه الطريقة في إزالة النمش والبقع الجلدية وربما أدت إلى ضرر في الجلد، فلا تجوز كما بينا في قشر الوجه، والله أعلم.

المبحث الثالث

تجميل قوام الأعضاء بالجراحة

اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون حياة الإنسان في الدنيا على مراحل تبدأ بالتكوين في الرحم وتنتهي بالموت. وهي مراحل طبيعية يمر بها كل إنسان. ولكل مرحلة منها علاماتها وخصائصها. فينفصل الجنين عن أمه بعد اكتمال نموه ليدخل مرحلة الطفولة، وفيها يكون الإنسان ضعيفا وتتدرج أعضاؤه في النمو والاشتداد فتظهر الأسنان، وتكون محددة فلجاء.
وفي مرحلة البلوغ تظهر علامات القوة والشباب، فينبت الشعر الخشن في لحية الذكر ويغلظ الصوت. وفي مرحلة الشيخوخة يدب الضعف في جسمه، فيشيب الشعر، ويتجعد الوجه وينحني الظهر.
من هنا كانت هيئة الأعضاء الأصلية دالة على المرحلة التي يكون فيها الإنسان. وفي هذا المبحث سوف أتكلم عن الأحكام التي تتعلق بتغيير هيئة الأعضاء سواء كانت منصوصا عليها أو مستجدة.
المطلب الأول
الأحكام الفقهية المتعلقة بتعديل قوام الأعضاء
يتعلق بتعديل قوام الأعضاء بعض الأحكام الفقهية التي تختص بالمسائل التالية:

1 – تجميل الأسنان بالتفليج.
2 – تجميل الأعضاء بتغيير هيئتها.
3 – تجميل الأعضاء المبتورة بالتركيب والتثبيت والزرع.
4 – تجميل الأعضاء بقطع الزوائد.
5 – تجميل الأذن بثقبها وتعليق الحلق فيها.

أولا: تجميل الأسنان بالتفليج:

التفليج في اللغة: من فلج الأسنان باعد بينها، والفلج في الأسنان تباعد ما بين الثنايا والرباعيات خلقة. فإن تكلف فهو التفليج.
فالتفليج في الاصطلاح: هو برد الأسنان بمبرد ونحوه لتحديدها وتحسينها. ويقال له الوشر: وهو يرد الثنايا والرباعيات لإحداث فرجة بينهم حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقه فلجاء صنعة.
والتفليج تفعله العجوز ومن قاربها في السن إظهارا للصغر وحسن الأسنان، لأن هذه الفرجة اللطيفة بين السنان تكون للبنات الصغار. فإذا عجزت المرأة كبرت سنها والتصقت بالأخرى، فتبردها بالمبرد أو نحوه لتصير لطيفة وتوهم كونها صغيرة.
وقد اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية على تحريم التفليج بقصد التحسن وإظهار صغر السن، لا بقصد المعالجة والتداوي واستدلوا لذلك بما يلي:

1 – حديث ابن مسعود السابق: " لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ".
2 – وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود أيضا قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النامصة، والواشرة، والواصلة، والواشمة إلا من داء ".

المعنى الذي لأجله نهي عن التفليج:

أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله: " المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله " فهو التدليس وإظهار صغر السن بتغيير الخلقة الأصلية تغييرا مبالغا فيه.
ثانيا: تجميل الأعضاء بتغيير هيئتها:
الأصل في ذلك عدم جواز تغيير هيئة الأعضاء بالتصغير أو التكبير أو الزيادة أو النقصان إذا كان العضو في حدود الخلقة المعهودة، لحديث اللعن على تغيير خلق الله: " لعن الله الواشمات.. والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ".
قال الطبري: " لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماسا للحسن لا للزوج ولا لغيره ".
وقال ابن العربي: " إن الله سبحانه خلق الصور فأحسنها في ترتيب الهيئة الأصلية، ثم فاوت في الجمال بينها. فجعلها مراتب فمن أراد أن يغير خلق الله فيها ويبطل حكمته، فهو ملعون لأنه أتى ممنوعا ".
ثالثا: تجميل الأعضاء المبتورة بالتركيب والتثبيت والزرع:
اتفق الفقهاء على جواز تركيب أعضاء معدنية بدلا من الأعضاء المبتورة. لما روى عن عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة بن سعد قطع أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي فاتخذ أنفا من ذهب. وفي رواية: " فأمره النبي أن يتخذه من ذهب ".
فقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الذهب للحاجة. أما في حالة وجود مادة أخرى كالبلاستيك تقوم بما يقوم به الذهب فلا يجوز استعمال الذهب.
وفي حالة تحرك السن أجاز الفقهاء شدها بالفضة، واختلفوا في جواز شدها بالذهب: فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة ومحمد بن الحسن الشيباني وأبي يوسف في رواية إلى جواز شد السن المتحركة بالذهب إذا خشي عليها أن تسقط لحديث عرفجة السابق.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية إلى عدم جواز شد السن المتحرك بالذهب لأنه محرم ولا يباح إلا للضرورة، وقد اندفعت في السن بالفضة، فلا حاجة للذهب.
والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من جواز ربط السن المتحرك بالذهب في حالة عدم وجود معدن آخر يقوم مقامه.
وقد أجاز جمهور الفقهاء وصل عظام الإنسان بعظم الحيوان الطاهر وخياطة الجرح بعصب الحيوان الطاهر.
قال النووي: " إذا انكسر عظمه فينبغي أن يجبره بعظم طاهر قال أصحابنا: ولا يجوز ان يجبره بنجس مع قدرته على طاهر يقوم مقامه ".
وقال أبو حنيفة فيمن سقطت سنه: " يأخذ سن شاة ذكية ويشدها مكانها ".
وقال محمد بن الحسن: " ولا بأس بالتداوي بالعظم إذا كان عظم شاة أو بقرة أو بعير أو فرس أو غيره من الدواب إلا عظم الخنزير والآدمي فإنه لا يمكن التداوي بهما، ولا فرق بين أن يكون ذكيا أو ميتا أو رطبا أو يابسا ".
هذه النصوص تدل على جواز وصل الأعضاء بأجزاء الطاهر ولا يجوز الوصل بأجزاء الحيوان النجس إلا للضرورة.

رابعا: تجميل الأعضاء بقطع الزوائد:

الزوائد إما يولد بها الإنسان، وإما أن تكون حادثة فتوجد نتيجة مرض.

1 – الزوائد التي يولد بها الإنسان:

إذا خلق الله للإنسان أصبعا زائدة أو سنا زائدة، فهل يجوز قطعها أم لا ؟
اختلف الفقهاء في ذلك. ويرجع سبب الاختلاف إلى أن هذه الزوائد هل هي جزء من الخلقة الأصلية التي لا يجوز تغييرها، أم أنها نقص وعيب في الحلقة المعهودة ؟
فنص الإمام أحمد على عدم جواز قطع هذه الزوائد وذهب الطبري إلى أنه لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماسا للحسن، لا للزوج ولا لغيره: كمن تكون لها سن زائدة فتقلعها أو طويلة فتقطع منها، وكل ذلك داخل في النهي، وهي من تغيير خلق الله تعالى.
واستثنى الطبري من ذلك ما يحصل به الشرر والأذية: كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيبها في الأكل، أو أصبع زائدة تؤذيها فيجوز ذلك. والرجل في هذا الأخير كالمرأة.
وذهب كثير من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن هذه الزوائد عيب ونقص في الخلقة المعهودة. وقطعها يزيل ذلك النقص والشين، ويزيد الجمال.
جاء في الجوهرة النيرة: " وفي الأصبع الزائدة حكومة عدل تشريفا للآدمي، لأنها جزء من يده، لكن لا منفعة فيها ولا زينة، وكذا السن الزائدة ".
وقال الشيخ عليش في تعقيبه على عبارة الشيخ خليل: " في السن الزائدة " لاجتهاد فيه نظر لأن أرش الحكومة والاجتهاد إنما يتصور في النقص، وربما كان قطع الزائد لا يوجبه ـ أي لا يوجب النقص ـ أو يوجب زيادة فيكون كخصاء العبد يزيد في قيمته، وقد يجري على الأصبع الزائدة وجميع ما في الفم من الأسنان.
وقال ابن قادمة: " لأن هذه الزوائد لا جمال فيها، إنما هي شين في الخلقة، وعيب يرد به المبيع وتنقص به القيمة، فكيف يصح قياسه على ما يحصل به الجمال ؟ ".
يلاحظ من النصوص السابقة أن الاعتداء على الزوائد لا يوجب دية على المعتدي، لأنه لم يذهب منفعة ولا جمالا، وإنما وجبت عليه الحكومة لقطعها من دون إذن صاحبها، ولو قطعها بإذنه أو إذن وليه لا شيء عليه.
جاء في فتاوي قاضيخان: " وفي الفتاوى إذا أراد أن يقطع أصبعا زائدة أو شيئا آخر قال أبو النصر رحمه الله: إن كان الغالب على من قطع مثل ذلك الهلاك فإنه لا يفعل، لأنه تعريض النفس للهلاك. وإن كان الغالب هو النجاة، فهو في سعة من ذلك. رجل أو امرأة قطع الأصبع الزائدة من ولده. قال بعضهم: لا يضمن، لأنه معالجة ولهما ولاية المعالجة،ولو فعل ذلك غير الأب والأم فهلك كان ضامنا لعدم الولاية. وقال بعضهم: ليس للأب والأم أن يقطع وإن قطع وأوجب وهنا في يده كان ضامنا. والمختار هو الأول: إلا أن يخاف التعدي أو وهنا في اليد ".
وخلاصة القول في ذلك أن الزوائد التي يولد بها الإنسان عيب ونقص في الخلقة المعهودة ويجوز قطعها بشروط وهي:

أ – أن تكون زائدة على الخلقة المعهودة كوجود إصبع سادس في اليد أو الرجل.
ب – أن تؤدي إلى ضرر مادي أو نفسي لصاحبها.
ج – أن يأذن صاحبها أو وليه في القطع.
د – أن لا يترتب على قطعها ضرر أكبر كتلف عضو أو ضعفه.

2 – الزوائد الحادثة:

أباح الفقهاءقطع السلعة والتالول والخراج، لأنها لم تكن موجودة في أصل الخلقة، وإنما حدثت نتيجة مرض. فيدخل قطعها في التداوي المأذون به . ويشترط لذلك عدم الخوف من السراية.
خامسا: تجميل الأذن بثقبها وتعليق الحلق فيها:
اختلف العلماء في ثقب أذن البنت لتعليق الحلق فيها فذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز ذلك.واستدلوا بما يلي:

1 – روى البخاري عن عبد الرحمن بن عابس قال: سئل ابن عباس أشهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر، فأتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى ثم خطب، ولم يذكر أذانا ولا إقامة، ثم أمر بالصدقة، فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن، فأمر بلالا فأتاهن، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي لفظ للبخاري عن ابن عباس أيضا قال: " أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن ".
وفي لفظ للبخاري أيضا: " فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها ".
فالخرص: هو الحلق الموضوعة في الأذن.
ووجه الاستدلال: أن الناس كانوا يفعلون ثقب الأذن، فلو كان مما ينهى عنه لنهي عنه القرآن، أو النبي صلى الله عليه وسلم، فعدم النهي يدل على الجواز. وظاهره أن المراد به الأنثى، فلا يحل للذكور.

2 – ما روى الشيخان في حديث أم زرع حيث قالت: زوجي أبو زرع. فما أبو زرع ؟ أناس من حلي أذني، وملأ من شحم عضدي.. ". قالت عائشة: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كنت لك كأبي زرع لأم زرع ".
فقولها: " أناس من حلي أذني " أي ملأ أذني بما جرت به عادة النساء من التحلي به في الآذان من القرط أو الحلق، فعبرت بأناس لتبين أن زوجها أثقل أذنها بالقرط، حتى تدلى وتحرك. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم ما فعله أبو زرع، كما أقر التحلي بالقرط في الأذن. وهذا لا يكون إلا بعد ثقبها.

3 – ما روى الطبراني في الأوسط في ترجمة أحمد بن القاسم من حديث عطاء عن عباس قال: " سبعة من السنة في الصبي يوم السابع: يسمى، ويختن، ويماط عنه الأذى، وتثقب أذنه، ويعق عنه، ويحلق رأسه، ويلطخ بدم عقيقته، ويتصدق بوزن شعره في رأسه ذهبا أو فضة ".
فقد نص الحديث على أن ثقب الأذن سنة.

4 – ولأن المرأة تحتاج إليه في التجميل والتزين، وهما حاجة من حاجاتها الأساسية، فيجوز لها ثقب الأذن للزينة.

وذهب الشافعية إلى عدم جواز ثقب الأذن، فقال الغزالي: "لا أرى رخصة في تثقيب آذان الصبية، لأجل تعليق حلق الذهب فيها، فإن هذا جرح مؤلم ومثله موجب للقصاص، فلا يجوز إلا لحاجة مهمة كالفصد والحجامة والختان، والتزين بالحلق غير مهم، بل تعليقه على الأذن تفريط، وفي المخانق والإسورة كفاية وهو حرام،والمنع منه واجب.
والاستئجار عليه غير صحيح.

والأجرة المأخوذة عليه حرام إلا أن يثبت من جهة النقل فيه رخصة، ولم يبلغنا إلى الآن فيه رخصة ".
وأيد هذا الرأي ابن الجوزي الحنبلي، وقاسه على الوشم، فقال: " النهي عن الوشم تنبيه على منع ثقب الأذن، وكثير من النساء يستجزن هذا في حق البنات، ويعللن بأنه يحسنهن ، وهذا لا يلتفت إليه؛ لأنه تعجل أذى لا فائدة منه فليعلم فاعل هذا أنه آثم معاقب ".
وقال ابن عقيل الحنبلي في الفصول: " ويفسق في الذكر وفي النساء يحتمل المنع. واستدل لذلك بقوله تعالى: (ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان النعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ). فقوله: (فليبتكن آذان الأنعام) أي يقطعونها، وهذا يدل على أن قطع الأذن وشقها وثقبها من أمر الشيطان، فإن البتك هو القطع، وثقب الأذن قطع لها، فهذا ملحق بقطع آذان الأنعام.
مناقشة واختيار:

أولا: مناقشة أدلة الحنفية والحنابلة:

1 – يجاب عن حديث ابن عباس بأنه لا يدل على جواز نقب أذن الأنثى من وجهين.
الأول: لا يلزم من لبس الحلق تعليقه في ثقب الأذن، بل يجوز أن يشبك في الرأس بسلسة لطيفة، حتى تحاذي الأذن وتنزل عنها.
والثاني: عدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على ثقب الأذن لا يدل على الجواز، بل يحتمل أنهن ثقبن آذانهن قبل الشرع، فيغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
ويجاب عن الأول بأن عادة النساء في الحلق تعليقه في ثقب الأذن لا شبكه في سلسلة.
ويجاب عن الثاني بأن عادة ثقب الأذن مستحكمة بين النساء في القديم والحديث، فلو كانت ممنوعة لنبه النبي صلى الله عليه وسلم على منعها، أو نزل فيها قرآن.

2 – وأجابوا عن حديث أم زرع بمثل ما أجابوا عن الحديث السابق.

3 – وأما حديث ابن عباس: " سبعة من السنة.. " فهو ضعيف، لأن فيه رواذ بن الجراح وهو ضعيف.

4 – وأما القول بأن المرأة تحتاج إليه في التزين فأجابوا عنه بأن ثقب الأذن جرح مؤلم لا يجوز إلا لحاجة مهمة كالختان.
فيجب عنه بأن ثقب أذن الصغيرة لا يحصل منه إلا ألم خفيف وهو يباح لحاجة التزين.

ثانيا: مناقشة أدلة الشافعية ومن معهم:

1 – القياس على بتك آذان الأنعام قياس فاسد: فإن الذي أمرهم الشيطان به أنهم كانوا إذا ولدت لهم الناقة خمسة أبطن فكان البطن السادس ذكرا شقوا أذن الناقة وحرموا ركوبها والانتفاع بها، ولم تطرد عن ماء ولا عن مرعى وقالوا هذه بحيرة فشرع لهم الشيطان في ذلك شريعة من عنده. وهذا يختلف عن ثقب أذن الأنثى للحلية.

2 – وأما القياس على الوشم فلا يصح، لأن الوشم تغيير لخلق الله بما هو ثابت، وهو إيلام للحي بلا فائدة.وثقب الأذن ليس فيه تغيير لخلق الله تعالى، وقد أجيز لحاجة التزين.
بهذا يتبين أن الراجح ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة من أن ثقب أذن الأنثى جائز؛ لسلامة أدلتهم، ولأن فيه سد حاجة فطرية عند المرأة: وهي التزين ولأن الألم الذي يحصل نتيجة الثقب خفيف جدا.

المطلب الثاني

العمليات التجميلية المستجدة المتعلقة

بتعديل قوام الأعضاء
العمليات التجميلية التي يمارسها جراحو التجميل اليوم قسمان: عمليات تعرض الفقهاء لها بالتكييف الشرعي والحكم: كالتفليج: " تباعد الأسنان " وبناء الأعضاء من المعادن: كبناء من ذهب أو فضة، وإزالة الزوائد والتشوهات الخلقية، وثقب الأذن.
والقسم الثاني من هذه العمليات: هي العمليات الجراحية المستجدة التي لم يتعرض لها الفقهاء بأحكام تفصيلية، وتحتاج هذه العمليات إلى حكم شرعي، ويكون ذلك بالتخريج وتطبيق القواعد العامة. ومن هذه العمليات:

1 – تغيير هيئة الأعضاء بالزيادة والنقصان.
2 – بناء الأعضاء بحيث يستقطع جزء من الآدمي ويزرع في محل العضو المبتور.
3 – شد التجاعيد.
4 – إزالة الشحوم بعملية جراحية.

أولا: تغيير هيئة الأعضاء بالزيادة والنقصان:

تلجأ بعض النساء وبخاصة القينات والممثلات إلى تغيير أشكال الأعضاء الظاهرة: كالأنف والأذن الفك والشفة والفك والذقن والثديين؛ رغبة في الحسن والجمال ولفت نظر المشاهدين إليهن.
تقول ( ياولا يندسكو) وهي ممثلة إيطالية: لقد أقدمت على عملية تجميل الأنف بوصفي ممثلة، وليس بوصفي امرأة، وقد انقضى الآن شهران على ذلك.. كان الجميع قبل ذلك يقولون: إن عيبي الوحيد هو ذلك التقوس البسيط الذي يظهر في أنفي، فما أن لاحت لي فرصة إجراء العملية حتى أقبلت عليا بنفس مطمئنة وخاصة أن الطبيب أكد لي أنه ليس هناك أي خطر منها على أن الشيء الذي أود أن أسر به إلى سائر النساء هو أنه لو لم تكن مهنتي هي التمثيل في السينما لما جرؤت على هذه العملية خاصة أن فيها بعض المتاعب.. ومن ذلك: أني أمضيت أسبوعين أتنفس ليلا ونهار من فمي، ولا أستطيع أن أنقلب على الوسادة عند النوم يمينا أو يسارا، وإلا ضاع أثر العملية.

وتقول (شبيلا جابل): كنت في بداية العمل في السينما، وكان ذلك حوالي عام 1960 م ولم أكن اسمع من المخرجين الذين قدموني إلا العبارة التالية: " لن مهري في السينما ولك هذا الأنف " فإذا كان أنفي يحد من انطلاقي ويمنعني من الظهور أمام الجمهور،وفكرت طويلا في الأمر، ثم عزمت على الإطاحة بهذا الأنف، وأسلمت نفسي لجراح مشهور وأجريت لي الجراحة.

وعن الدوافع التي تحمل النساء على طلب تدخل العلم الحديث لتغيير هيئة الأعضاء الظاهرة يقول ( البورفسور جان فرانكو كوريجا) وهو متخصص في جراحات التجميل: إنها اساسا رغبة المرأة في إشباع نزعة غرور تعتريها، أو تطلعها إلى فترة ثانية من الشباب بعد تقدمها في العمر.
وقبل أن أبين حكم الشرع في مثل هذه العمليات أذكر قصة الفتاة الأمريكية (كاثي ليوك) التي نشرتها جريدة الأخبار القاهرية. إن هذه الفتاة استبدلت بوجهها وجها آخر ياباني حتى تستطيع أن تتزوج من الشاب الياباني الذي أحبته.. وكانت (كاثي( قد تقابلت مع هذا الشاب في مدينة (يوكوهاما) حيث كانت ترافق والدها في رحلة عمل وأحبته إلى حد العبادة إلا أن أسرته كانت من الأسر اليابانية المحافظة فرفضت أن تزوجه إلا من إحدى الفتيات اليابانيات.. وإزاء ذلك: وحتى تستطيع أن تتزوجه ذهبت إلى أحد جراحي التجميل وطلبت منه أن يغير ملامح وجهها حتى تبدوا كاليابانيات، فقام الطبيب بتعريض أنفها وتغيير شكل حاجبيها حتى تصبح عيونها ضيقة وبعد كل هذا رفضت الأسرة الزواج.
أما عن حبيبها فلم يعجبه وجهها الجديد وتركها وتزوج من فتاة يابانية، وهكذا تلقت كاثي صفعة قوية في حبها، ولجأت مرة أخرى لجراحة التجميل لاستعادة وجهها الأمريكي.
يلاحظ مما سبق عرضه أن دوافع عمليات تغيير هيئة الأعضاء هي:

1 – إشباع نزعة غرور عند المرأة فتتطلع إلى تحسن مبالغ فيه بتغيير خلق الله تعالى.
2 – التدليس بأن تتطلع الكبيرة في السن إلى فترة ثانية من الشباب.

فإذا كانت هذه هي دوافع التعديل فلا يجوز إجراء تلك العملية، ويكون الطبيب الذي أجراها والمرأة التي فعل بها ذلك آثمين، لأنه تغيير لخلق الله تعالى وتدليس كما في تفليج الأسنان. والله أعلم.

ثانيا: بناء الأعضاء بحيث يستقطع جزء من الآدمي ويزرع في محل العضو المبتور:

إذا تعرض عضو من الأعضاء لبتر نتيجة حادث مروري، فهل يجوز بناؤه من جديد ؟ بحيث يستقطع جزء من الآدمي ويزرع في مكان العضو المبتور. ومن الأمثلة على ذلك بناء الأنف حيث يستخدم في بنائه شرائح جلدية تنقل إلى الأنف إما من الجبهة أو من جدار البطن، ثم تقوى بعظم يؤخذ إما من القفص الصدري أو الحوض.
لم يتعرض الفقهاء لمثل هذه العلميات وإنما عرضوا لحكم بناء الأعضاء من المعادن كالذهب والفضة، كما تعرضوا لحكم استقطاع قطعة من الفخذ ليأكلها المضطر، حيث قال النووي: " ولو أراد المضطر أن يقطع قطعة من فخذه أو غيرها ليأكلها، فإن كان الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو اشد حرم، وإلا جاز على الأصح بشرط ألا يجد غيره، فإن وجد حرم قطعا ".
فإذا جاز أخذ القطعة من الجسم للأكل،وهو إتلاف لها بالكلية جاز أخذ الجلدة لزرعها في موضع من جسمه لإزالة شين فاحش، لا سيما وأن الشين الفاحش في العضو الظاهر كخوف طول المرض كما قال الزركشي.

وينبغي أن يقيد جواز الاستقطاع بقصد الزرع بالقيود التالية:

1 – أن يتعين عليه استعمال ذلك الجزء من الآدمي، بحيث لا يوجد غيره يقوم مقامه.
2 – أن يكون الضرر المترتب على عدم الزرع بقصد التجميل أعظم من الضرر المترتب على عدم مراعاة المحظور.
3 – أن يغلب على ظنه نجاح العملية الجراحية.
4 – أن لا يترتب على الاستقطاع ضرر أكبر ككسر أية عضو أو تلفه.

ثالثا: شد التجاعيد:
------
التجاعيد تظهر في الجسم نتيجة فقدان مرونة الجلد، ووقف حيوية بعض خلاياه، فتبدوا ثنيات خفيقة على سطح البشرة، ثم تتضاعف هذه الثنيات، وتتعمق في داخل الجلد، فتظهر التجاعيد.
فالتجاعيد في الشيخوخة تكون طبيعية حيث نقل مرونة الجلد، وتقف حيوية بعض الخلايا وتظهر في الشباب نتيجة أسباب غير طبيعية منها: الإسراف في تعاطي الخمور والمنبهات والأمراض الباطنية التي تؤثر على الجهاز الهضمي والبولي وأعضائه المختلفة، والأمراض العصبية والأمراض النفسية الكثيرة كالحزن والكدر والتعب، والأمراض الجلدية المختلفة مثل حب الشباب، والأرق وعدم النوم الكافي للجسم، ومواد الزينة المصنوعة من المواد الكيماوية وغير ذلك.
وعملية شد تجاعيد الوجه تجري داخل شعر الرأي وخلف الأذن، ويستغرق إجراء العملية حوالي سبعة أيام. يكون الوجه فيها متورما بعض الشيء. ونتيجة هذه العلمية ليست نهائية، بل تعود التجاعيد بعد خمس سنوات.
والحكم في عملية شد التجاعيد يختلف تبعا لسن المرأة التي تفعل بها تلك العملية.
فإ كانت كبيرة في السن وحدثت فيها التجاعيد نتيجة الشيخوخة، فلا يجوز لها فعل تلك العملية لما فيها من التدليس وإظهار صغر السن وتغيير خلق الله.
وإن كانت صغيرة في السن وحدثت فيها التجاعيد نتيجة أسباب مرضية فيجوز لها معالجة المرض والآثار المترتبة على المرض كالتجاعيد. بشرط أن لا تؤدي تلك العملية إلى ضرر أكبر. والله أعلم.

رابعا: عملية سحب الدهون من الجسم:
-----------------
من العمليات الجراحية التجميلية عملية سحب الدهون المتراكمة نتيجة السمنة في مناطق معينة في الجسم، حيث يتم إدخال أنبوبة امتصاص تحت الجلد ويسحب بواسطتها كميات كبيرة من الدهن.
لم يتعرض الفقهاء لمثل هذه العملية وإنما ذكورا حكم الأكل بقصد السمن، والتداوي بقصد السمن، ومن هذه الأحكام:
جاء في فتاوى قاضيخان: " امرأة تأكل الفتيت وأشباه ذلك لأجل السمن قال أبو مطيع البلخي: لا باس به ما لم تأكل فوق الشبع ".
وجاء في فتاوي قاضيخان أيضا: " ويجوز الحقنة للتداوي للمرأة وغيرها كذا الحقنة لأجل الهزال؛ لأن الهزال إذا فحش يؤدي إلى السل ".
وجاء في الفتاوى الهندية: "سئل أبو مطيع عن امرأة تأكل القبقبة وأشباه ذلك تلتمس السمن. قال: لا بأس ما لم تأكل فوق الشبع وإذا أكلت فوق الشبع لا يحل لها ".
وفي الفتاوى الهندية أيضا: " والمرأة إذا كانت تسمن نفسها لزوجها فلا بأس به "
يلاحظ من نصوص الفقهاء السابقة أن تعديل قوام الجسم بتناول الأطعمة أو بالامتناع عنها أو بالتداوي جائز، ما لم يؤد إلى ضرر.

وبناء عليه فإن علمية سحب الدهون من الجسم بقصد التداوي والعلاج جائزة ما لم تؤد إلى ضرر أكبر.
أما سحب الدهون بقصد تخفيف الوزن وتعديل قوام الجسم فيجوز بشرطين:

1 – أن تتعين عملية سحب الدهون بحيث لا توجد وسيلة أخرى تقوم مقامها.

2 – أن لا يترتب عليها ضرر أكبر.

الخاتمة
----
هذه هي الأحكام المتعلقة بجراحة التجميل حاولت جهدي في استخراج مسائلها وتحرير عللها واستخلاص القواعد الكلية الضابطة لها. وهذه القواعد هي:

1 – الجراحة تعذيب وإيلام للإنسان الحي، فلا تجوز إلا لحاجة أو ضرورة.

2 – أن يتعين على الإنسان إجراء العملية الجراحية، بحيث لا توجد وسيلة أخرى تقوم مقام تلك العملية في سد الحاجة أو دفع الضرورة.

3 – أن يغلب على ظن الطبيب نجاح تلك العملية، فلا يجوز له اتخاذ جسم الإنسان محلا لتجاربه.

4 – أن لا يكون فيها تغيير للخلقة الأصلية المعهودة، فلا يجوز تغيير هيئة عضو من الأعضاء بالتصغير أو التكبير إذا كان ذلك العضو في حدود الخلقة المعهودة.

5 – أن لا يكون فيها مثلة وتشويه لجمال الخلقة الأصلية المعهودة.

6 – أن لا يكون فيها تدليس وغش وخداع، فلا يجوز للمرأة العجوز إجراء عملية جراحية بقصد إظهار صغر السن.

7 – أن لا يترتب عليها ضرر أكبر كإتلاف عضو.

8 – أن لا تكون بقصد تشبه أحد الجنسين ( الذكر والأنثى ) بالآخر.
فلا يجوز للرجال التشبه بالنساء في الزينة التي تختص بالنساء ولا العكس.

9 – أن لا تكون التشبه بالكافرين. فلا يجوز للمسلمين التشبه بالكافرين فيما يختص بهم من أمور الزينة.

10 – أن لا تكون بقصد التشبه بأهل الشر والفجور.

وفي الختام أسأل الله أن يجبر ضعفي، ويقيل عثرتي، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

-----------------------------------