المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إدمانُ الهاتف أم إدمانُ الندم!؟


صابرة
10-24-2015, 11:24 AM
إدمانُ الهاتف أم إدمانُ الندم!؟
الخيرُ في الوسطية، والسعادةُ في الاعتدال؛ فالإسرافُ في كل شيء مذموم، وعاقبتُه وخيمة.
الحياةُ يختل نظامُها، وينطفئ بريقُها إذا اختلت أولوياتُها، وتداخلت درجاتُها؛ فالأهمُ قبلَ المهم، والمهم قبل الثانوي، والأولوياتُ مقدمةٌ حسَبَ ترتيبها، لا يتقدم أحدُها على الآخر. وفي الطبع والعقل والشرع الضروريُّ ثم الحاجيُّ ثم التحسينيّ.
ما أقسى الندمَ حين نتسبب في هلاك بريء… حادث سير خطير تحدثه كتابة رسالة أوقراءة تدوينة… دهس صغير يسببه مشاهدة مقطع أو النظر إلى صورة…
وماأحرقَ الحسرةَ حينَ نوقن أنّ شيئًا تافهًا فوّت علينا أمرًا ثمينًا كإصغاءٍ للوالدين، ومحافظةٍ على صلاة الجماعة، واحترامٍ لصديق، واحتفاءٍ بابن، وتكريمٍ لزوجة، ووفاءٍ بوعد، وانصاتٍ لمهوم، وتسليةٍ لمكلوم، ومراعاةٍ لمحتاج…
نقودُ السيارة ونشتغل بتدوين تغريدة أو قراءة رسالة أو مشاهدة مقطع… نختلس نظرةً للأمام، ونظراتٍ أكبرَ وأطولَ للهاتف، تتحولُ إلى نظر مستمر… متعةٌ قصيرة قد يتلوها ندمٌ طويل، وألمٌ غائر، نفقد معه أرواحَنا وأبناءنا و آخرين كانوا في طريقنا.
نزورُ الوالدين للاطمئنان عليهما والتسرية عنهما، وإضفاء السرور عليهما؛ وإذا بنا نهملهما ونبتعد عنهما، ونحن أقرب إليهما جسدًا منغمسين في بركة الواتساب أو الفيس بوك أو تويتر أو الانستجرام، أو السناب شات أو اليوتيوب… فيسري ذلك وحشةً في أفئدتهم، وألمًا في قلوبهم، وحسرةً في وجوههم.
نأتي إلى بيتنا، إلى فِلذات أكبادنا، إلى شريك عمرنا؛ لنمنحهم الثقةَ والقربَ والسعادة، فإذا بنا نشيح بأرواحنا عنهم، بل بوجوهنا، وإذا التفتنا إليهم، فكثيرًا ما تكون التفاتة المتجهم المستعجل الشارد، فينطبع ذلك في قلوبهم أثرًا عميقًا من الإهمال والتجريح والنسيان وقلة التقدير، وضعف المشاعر.
نذهب إلى بيوت الله والقلوب معلقةٌ في غيرها، مشتغلة بالرد والتدوين والتصوير والتصميم؛ فيُرفَعُ الخشوع، وتضعفُ السكينة، ويذبلُ الخضوع، ويبهتُ الحضور… الجسدُ في المسجد، والروحُ والعقلُ بعيدان في مكان آخر، فنخرج من الصلاة لاندري كم صلينا، وكيف صلينا، وماذا قرأنا… إنها صلاةُ المظاهر لا المخابر، والأجساد لا الأرواح.
نتوجه إلى الخالق العظيم دعاءً ومناجاةً فإذا الهاتفُ يزاحهما مزاحمةَ الدخانِ القاتم للهواء النقي، حتى إنه ليخنقهما أو يكاد، فإذا بقيا بقيا صورةً جوفاء لا تضرع ولا إلحاح ولا خشوع، ولا حضور، ولاعبرات.
حتى فضيلة السلام على من نلاقي سلَبَنا إياها إيغالُ النظر في الهاتف، فنمر على القريب و****** والبعيد مرورَ الهائم على وجهه دون أن نعيَ ذلك المرور ونتفطن له؛ فنغرس في أذهان المارة الجفوةَ والإهمالَ وعدمَ الاكتراث.. ولا نشعر أننا نزرع في الوعي نسيانَ هذا الشعار العظيم، وإهمالَ شعيرة كبيرة من شعائر الإسلام.
الابتسامةُ في وجه الآخر باتت باهتةً أو منعدمة؛ فالقلبُ والوجهُ مسكونان بهم آخر، ومعجونان بشَجَنٍ جديد، هو ما نقرأ أو نشاهد أو ندوّن، فيتجلى ذلك على الوجوه شرودًا وذهولاً وكدرًا وإهمالاً وانزعاجًا.
كم من الأسر انصرم رباطُها المقدس لسبب تافه، وهو الاشتغال بالهاتف أوقاتًا طويلة؛ فيشعر الطرفُ الآخر بالإهمال وبرود المشاعر، وانعدام الإحساس، والتخلي عن المسؤولية، بل إن الأمر يتجاوزه أحيانًا إلى الشك والاتهام بعلاقات غير سوية غيّرت حالَ الشريك و******، وبدّلت طباعَه المعهودةَ الجميلة.
كم من الصداقات انحل وثاقها بهذا الإدمان العارم..
كم من الفرص الثمينة في الدراسة والقراءة واكتساب المعارف الثمينة والمتينة أضيعت حين صاحَبَها هذا الإدمانُ الهائجُ المستمر.
كم من المجالس النافعة المثمرة استلَّ الغرقُ في الهاتف روحَها، فأرداها خاوية إلا من الأجساد.
إنّ إدمانَ وسائل التواصل الاجتماعي جعل القريبَ بعيدًا والبعيدَ قريبًا… وفي الحقيقة كلاهما بعيد؛ فلا احتوينا القريبَ وأنِسنا به وأنِسَ بنا، ولا جالسنا البعيدَ وحظينا بلقياه… بل إنّ البعيد لو التقينا به، وجالسناه لن يكون حالُه أفضل من حال القريب السابق؛ إذ سيكون حظُه الإهمال، والانهماك في الهاتف، وعدم الاكتراث به، وبعدها يغدو مثلَ غيرِه بعيدًا مهملاً.
وحين نقارن لذَّة الانغماس حَدَّ الإدمان في الهاتف وبرامجه المتنوعة بلذَّة الحفاظ على أولوياتنا وتقديمها عليه عند التعارض والمزاحمة نجد لذَّتَه قصيرةً فانيةبل تافهة أحيانًا، وغالبًا يعقبها الندم، واللوم والحسرة… ونجد لذَّةَ مراعاة الأولويات لذَّةً باقيةً مستمرة تحفظ اتزاننا وهدوءنا وصحتنا وعلاقاتنا الأسرية والاجتماعية، وتحيط عباداتِنا وفضائلَنا بسياج الخشوع والإخلاص والقبول والراحة والأجر.
إنها اللذة الزائفة الخادعة المهلكة إن لم نتداركها بالتقنين والترشيد والتنظيم.
إنَّ الله زودنا بالقدرة على تغيير العادات، والتغلب على المشاعر الضارة، والتحكم بتصرفاتنا غير المتزنة، فبالإمكان ترشيد الهاتف وغيره من وسائل الاتصالات الحديثة، وتثميرها إيجابًا بوضع الأمور في نصابها، وإعطاءِ كل ذي حقٍّ حقَّه بالقدر المناسب، وفي الوقت المناسب، وفي المكان المناسب دون إفراط أوتفريط.
وكما يقال العادة تحصل بالمرة، فبقليل من التدبر في المآلات والعزيمة والصبر والتقنيين يمكننا تجاوزُ إدمانِ الهاتف، والانعتاقُ من أغلالِه، وتحطيمُ قضبانِه، والقفزُ عن أسواره... والارتقاءُ إلى فضاء الاعتدال الفسيح، ورحابةِ الاتزان المنضبط، وسماءِ العلاقات الوثيقة الجميلة.

راقت لي
:1: