المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عن العنف والديمقراطيّة


عبدالناصر محمود
11-01-2015, 08:14 AM
عن العنف والديمقراطيّة
ــــــــــــ

(كريم محمد)
ــــــ


19 / 1 / 1437 هــ
1 / 11 / 2015 م
ــــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/translate/22-10-2015B.jpg


عن العنف والديمقراطيّة
--------------

سلافوي جيجيك
-------------



ترجمة: كريم محمد
----------

المصدر: مجلّة جاكوبين

http://bit.ly/1M2mEm9



لا يزال اللحاظ الأساسيّ لماركس ساري المفعول، وربّما أكثر من أيّ وقت مضى: فبالنسبة إلى ماركس، يجب ألّا يُموقَع سؤال الحريّة أولًا في المجال السياسيّ سليمًا (هل للبلد انتخاباتٌ حرّة؟ هل قُضاتُها مستقلّون؟ هل صحافتها حرّة من الضغوطات المتخفّية؟ هل تحترم حقوق الإنسان؟). إنّما بالأحرى، يكمن مفتاح الحرّية الفعليّة في الشبكة "اللا سياسيّة" للعلاقات الاجتماعيّة، من السوق وحتّى الأسرة.

إنّ التغيير المطلوب ههنا ليس إصلاحًا سياسيًّا، وإنّما تحوّلٌ للعلاقات الاجتماعيّة للإنتاج - التي تحتوي، تحديدًا، على النضال الطبقيّ الثوريّ، بدلًا من الانتخابات الديمقراطيّة أو أيّ تدبيرٍ "سياسيّ" آخر بالمعنى الضيّق للمصطلح. فنحن لا نصوّت على مَن يملك ماذا، أو على العلاقات داخل المصنع، إلى آخره - فأمورٌ كهذه تبقى خارج مجال السياسيّ، وإنّه لمن المُوهم أنْ نتوقّع أنّ أحدهم سيغيّر الأشياء، بفعاليّةٍ، بواسطة "تمديد" الديمقراطيّة إلى المجال الاقتصاديّ (ومثلًا، بواسطة إعادة تنظيم البنوك لوضعها تحت الرقابة الشعبيّة).

فتغييراتٌ راديكاليّة في نطاقٍ كهذا بحاجةٍ إلى أن تُصنع خارج مجال "الحقوق" القانونيّة. ففي الإجراءات "الديمقراطيّة" (التي يُمكن أن يكون لها بالطبع دورٌ إيجابيّ تلعبه)، لا يهمّ مدى جذريّة مكافحتنا للرأسماليّة؛ فالحلول تُنظر فحسب عبر هذه التقنيات الديمقراطيّة التي هي نفسها جزءٌ من عدّة الدولة "البرجوازيّة" التي تكفلُ إعادة الإنتاج الصّافية لرأس المال.

وبهذا المعنى الدقيق، كان آلان باديو (Alain Badiou) على حقّ بادّعائه أنّه اليوم ليس اسم العدوّ المطلق هو الرأسماليّة والإمبراطوريّة والاستغلال، أو أيّ شيءٍ مماثِل، إنّما هو الديمقراطيّة نفسها. إنّها "الخدعة الديمقراطيّة"، وقبول الآليّات الديمقراطيّة بوصفها موفّرة الإطار الوحيد لكلّ التغيير المحتمل، والتي تَحول دون أيّ تحوّلٍ راديكاليّ للعلاقات الرأسماليّة.

وما يتّصل اتصالًا وثيقًا بهذه الحاجة لنزع تصنّم الديمقراطيّة هي الحاجة لنزع التصنّم عن نظير الديمقراطيّة السلبيّ، أي العنف. وقد اقترح باديو مؤخرًا صيغة "العنف الدفاعيّ" (defensive violence): نبذ العنف باعتباره أسلوب العمل الأساسيّ، والتركيز، بدلًا من ذلك، على خلْق فضاءاتٍ حرّة على مسافةٍ من سلطة الدولة (كالتضامن المبكّر في بولندا)؛ فاللجوء إلى العنف فقط عندما تستخدمُ الدولةُ ذاتُها العنفَ لسحْق وقمع هذه "المناطق الحرّة". المعضلة مع هذه الصياغة هي أنّها تعتمدُ على تفريقٍ إشكاليّ بعمقٍ بين الاشتغال "الاعتياديّ" لأجهزة الدّولة وبين الممارسة "المفرطة" لعنف الدّولة.

بالمقابل، فإنّ الفكرة الماركسيّة للصّراع الطبقيّ -وبمعنى أدقّ، الفكرة الماركسيّة لأولويّة الصراع الطبقيّ على الطبقات المصوّرة باعتبارها كياناتٍ اجتماعيّة إيجابيّة- تقدّم فرضيّة أنّ الحياة الاجتماعيّة "السّلميّة" مسنودةٌ هي نفسها بواسطة عنف (الدّولة)؛ أي إنّها تعبيرٌ أو أثرٌ لسيطرة طبقةٍ على أخرى. وبكلماتٍ أخرى، ليس بإمكان الشخص فصْل العنف من الدّولة المصوَّرة باعتبارها جهازًا لسيطرةٍ طبقيّة: فمن وجهةِ نظر المضطهدين، فإنّ مجرّد وجود دولة يعني واقعةً عنيفةً (بالمعنى نفسه الذي ادّعى روبسبير (Robespierre) به أنّه لا حاجة للبرهنة على أنّ الملك قد ارتكب أيّ جريمةٍ؛ إذ مجرّد وجود الملك كان جريمة بحدّ ذاته، وهجومًا ضدّ حرية الناس).

وبهذا المعنى، فإنّ كلّ صنيعِ عنفٍ ضدّ الدّولة من جانب المضطهدين هو في نهاية المطاف "دفاعيٌّ". إنّ عدم الاعتراف بهذه النقطة، رضيَ بذلك من رضي وأبى من أبى، هو "طبْعنة" للدولة وقبولٌ بأنّ أفعالها الخاصّة بالعنف هي مجرّد تجاوزاتٍ طارئةٍ يُتعامل معها عن طريق الإصلاحات الديمقراطيّة. ولهذا السبب، فإنّ الشعار الليبراليّ القاعديّ - بأنّ العنف ليس شرعيًّا البتّة، على الرّغم أنّه من الضروريّ اللجوء إليه في بعض الأحيان - هو شعار متناقض. فمن منظور تحرّري راديكاليّ، يجب على هذه الصياغة أن تُقلَب: فبالنسبة إلى المضطهدين، العنفُ دائمًا شرعيّ (إذ مجرّد حالتهم هي النتيجة للعنف الذي يتعرّضون له)، لكن ليس ضروريًا بتاتًا (سيكون دائمًا مسألة استراتيجيّة سواء استخدم العنف ضد العدو أم لا). (وأنا مدين بهذه النقطة لأودي ألوني (Udi Aloni)).

واختصارًا، فموضوع العنف يجب أن يُبسّط: المشكلة مع شيوعيّة القرن العشرين لم تكن لجوؤها للعنف في حدّ ذاته، إنّما نمط الاشتغال الذي جعلَ اللجوء للعنف أمرًا حتميًّا (الحزب باعتباره واسطة ضرورةٍ تاريخيّة، إلخ).

مقدّمًا مشورةً لوكالة الاستخبارات المركزيّة (CIA) بشأن كيفية تقويض الحكومة التشيليّة المنتخبة ديمقراطيًّا لسلفادور الليندي، اقترح هينري كيسنجر ذلك باختصارٍ مفيد: “اجعلوا الاقتصاد يصرخ". ويعترفُ كبار ممثلي الولايات المتحدة صراحةً بأنّه اليوم يجرى اتّباع الاستراتيحيّة نفسها أيضًا في فنزويلا. كما قال وزير الخارجيّة الأمريكيّ الأسبق لورانس إيغلبرغر على فوكس نيوز:

"[إغراء شافيز] وحده ينجحُ ما دام أنّ الشعب الفنزويلي يرى بعض القدرة لتحسين مستوى المعيشة. وإذا ساء الاقتصادُ في مرحلةٍ ما، فإن شعبيّة شافيز داخل البلد ستتراجع بالتأكيد، وهي السلاح الأوحد الذي نمتلكه ضدّه للبداية، وعلينا أن نستخدمه، أعني الأدوات الاقتصادية لمحاولة جعل الاقتصاد أكثر سوءًا بحيث تتراجع شعبيّته في الدولة والإقليم […] فأيّ شيء يمكننا أن نقوم به لجعل اقتصادهم أكثر صعوبة بالنسبة إليهم في هذه اللحظة هو شيء حسن، لكن دعونا نقوم بذلك بالطُّرق التي لا توصلنا إلى صراع مباشر مع فنزويلا إذا كنّا نستطيع أن نفلت من العقاب".

إن أقلّ ما يُمكن قوله هو أنّ مثل هذه التصريحات تعطي مصداقيّة للتشكّك بأنّ الصعوبات الاقتصاديّة التي واجهتها حكومة شافيز [رئيس فنزويلا] ليست مجرّد نتيجة لصنع سياساتها الحمقاء. وهذا يحملنا إلى النقطة السياسيّة المفتاحيّة، والتي لا يستسيغها بعضُ الليبراليّين: نحن لا نتعامل ههنا بشكل واضحٍ مع عمليّات وردود فعل سوق عمياء، بل مع استراتيجيّة مخطّطة جيدًا ومدروسة - وفي ظلّ ظروف كهذه، أليس هذا ممارسة نوع من أنواع "الإرهاب" (غارات الشرطة على المستودعات، اعتقال المضاربين، إلخ) له ما يسوغه تمامًا بوصفه إجراء مضادًّا دفاعيًّا؟ حتى إنّ صيغة باديو "الاقتطاع من الدولة" (subtraction from the state) إضافة إلى "عنف ارتكاسيّ فحسب" تبدو غير كافية في هذه الأوضاع الجديدة. المشكلة اليوم هي أنّ الدولة أصبحت فوضويّة أكثر فأكثر، وتفشلُ حتى في مهمّتها الخاصّة لـ"توفير البضائع". فهل ما زلنا بحاجةٍ لأن نبقى على مسافةٍ من سلطة الدولة في حين أنّ هذه السلطة نفسها تتفكّك، وفي النهج الذي تستعين بممارساتٍ قذرةٍ للعنف من أجل تغطية عجزها الخاصّ؟

وههنا يمكن إثارة سؤالٍ أكثر أساسويّةً: لماذا ينطوي حدثُ الحقيقةِ (truth-event) الثوريّ على العنف؟ لأنّه مشروع من نقطةٍ مَرضيّة (symptomal) (أو التواء) للجسد الاجتماعيّ، من نقطة استحالة الكليّة الاجتماعيّة -فذاته هو "جزء من لا جزء" المجتمع، أولئك الذين، على الرّغم من أنّهم شكليًّا جزءٌ من المجتمع، فهم محرمون من مُقامٍ مناسبٍ بداخله. هذه هي "نقطة حقيقة" المجتمع، ولتأكيدها، فإنّ البنية كلّها التي تمثل فيها هذه النقطة نقطة استحالة يجب أن تتلاشى، وأن تُعلَّق. وللسبب نفسه تمامًا، كما قد تصوّر لينين بشكلٍ صحيح، فإنّ الحقيقةُ ثوريّة -الطريق الوحيد لتأكيد ذلك هو إحداث انتفاضةٍ ثوريّةٍ في الترتيب الهرميّ القائم. ومن ثمّ، فعلى المرء أن يكافح الفكرة الميكافيلّيّة [نسبةً إلى ميكافيلّي، صاحب كتاب الأمير] (الزائفة) القديمة بأنّ الحقيقة عنينة وأنّ السلطة، إذا ما أُريدَ لها أن تكون فعّالةً، يجب أن تكذب وأن تغشّ: كما ادّعى لينين، فإنّ الماركسيّة قويّة بقدر ما هي حقيقيّةٌ. (وهذا يصحّ خاصةً ضدّ الإبعاد ما بعد الحداثيّ للحقيقةِ الكونيّة بوصفها طُغيانيّة، والتي تنصّ على، كما قال جياني فاتيمو ذلك، أنه إذا كانتِ الحقيقةُ تحدّد لنا مطلق الحريّة، فهي أيضًا تحدّد لنا مطلق الحريّة من نفسها).

في تاريخ السياسة الراديكاليّة، عادةً ما يُربط العنف بما يُدعى الإرث اليعقوبيّ (Jacobin legacy)، و، لهذا السبب، يُنبَذ بوصفه شيئًا ما يجب أن يُهجَر إذا أردنا حقًّا أن نستأنف ثانيةً. حتى إنّ كثيرًا من ما بعد الماركسيّين المعاصرين مستحون ممّا يُدعى الإرث اليعقوبيّ لعنف الدولة المركزيّة، حيث إنّهم يريدون أن يأخذوا مسافةً من ماركس نفسه، مقترحين ماركسًا "ليبراليًّا" أصيلًا ذا فكرٍ شُوّشَ لاحقًا من قبل لينين. كان لينين، هكذا تمضي القصّة، هو الذي أعاد تقديم الإرث اليعقوبيّ، ومن ثمّ مزّيفًا الروح التحرّريّة لماركس. لكن هل هذه هي الحال فعلًا؟ دعونا نُلقي نظرةً فاحصةً على كيف رفض اليعاقبةُ اللجوءَ إلى تصويت أغلبيّة، نيابةً عن هؤلاء الذين يتحدّثون عن حقيقةٍ أبديّة. كيف أمكن لليعاقبةِ، أنصار الوحدة والنّضال ضدّ الفئات، تبرير هذا الرّفض؟ "تكمن الصعوبة كلّها في كيفيّة التمييز بين صوت الحقيقة، حتى لو كانت أقلّويّةً، وبين الصوت المتعصّب الذي يسعى فحسب إلى تقسيم على نحوٍ مصطنعٍ لتورية الحقيقة".

كانت إجابة روبسبير أنّ الحقيقةَ لا يمكن اختزالها لأرقامٍ (لإحصاءٍ)؛ فيمكن أن تُمارس في عزلةٍ أيضًا: فأولئك الذين يعلنون حقيقةً ما مَن لهم ممارسة يجب ألّا يُعاملوا بوصفهم متحزّبين (factionists)، بل بوصفهم أناسًا شجعان وراشدين. متناولًا الجمعيّة الوطنيّة في ٢٨ ديسمبر ١٧٩٢، ادّعى روبسبير، تثبيتًا للحقيقة، بأنّ أيّ توسّلٍ لأغلبيّة أو أقليّة ما هو إلّا وسيلةٌ من وسائل التقليص "لإسكات هؤلاء الذين يُعيَّن الواحدُ منهم بواسطة هذا المصطلح [الأقلّيّة]”؛ فـ[للأقليّة] حقّ سرمديّ أينما كان: أن يقدّموا سماعيًّا صوتَ الحقيقة". إنّ ذلك ذو أهميّة على نحو عميق حيث أعلن روبسبير عن هذا البيان في الجمعيّة ذات الصّلة بمحاكمة الملك.

وقد اقترح الجيرونديون (Girondins) حلًّا "ديمقراطيًّا": في حالةٍ صعبةٍ كهذه، كان من الضروريّ لتوجيه "نداء إلى الشعب" أن ندعو لمجالس محليّة في أرجاء فرنسا وأن نطلب منهم التصويت حول كيفيّة التعامل مع الملك - خطوةٍ كهذه فحسب يمكن أن تعطي الشرعيّة للمحاكمة. وكان ردّ روبسبير أنّ نداءً كهذا إلى الشعب يمكن أن يلغي عمليًّا الإرادة السياديّة للشعب التي، عبر الثورة، قد جعلت نفسها بالفعل معروفةً وغيّرت طبيعة الدولة الفرنسيّة بحدّ ذاتها، جالبةً الجمهوريّة إلى فضاء الوجود. فما يلمح إليه الجيرونديون (Girondins) عمليًّا، كما يدّعي، هو أنّ التمرّد الثوريّ كان "مجرّد فعل قطاعٍ من الشعب، إن لم يكن فعل أقلّيةٍ، وأنّ على المرء أن يلتمسَ الخطاب من نوع أغلبيّة صامتة".

واختصارًا، كانت الثورةُ قد قرّرت بالفعل المسألة، فواقعةُ الثورة بحدّ ذاتها تعني أنّ الملك مجرم، ومن ثمّ فوضع إجرامه محلّ تصويت قد يعني إلقاء شكٍّ على الثورة نفسها. فحينما نتعاطى مع "الحقائق الصلبة" (les vérités fortes)، فإنّها تنطوي، ضرورةً، على عنف رمزيّ، مؤكّدًا لهم.

عندما تكون البلدُ في خطر (la patrie est en danger)، قال روبسبير، ينبغي على المرء قول الحقيقة بشجاعةٍ بأنّ "الأمّة تُخدَع. وهذه الحقيقة معروفة حاليًا لكلّ الفرنسيين"؛ و"للمشرّعين، الخطر وشيك الحدوث؛ لسلطان الحقيقة أن يُباشر عمله: فنحن شجعان بما يكفي لإخباركَ بذلك؛ كُن شجاعًا بما يكفي كي تسمعه". في مقامٍ كهذا، لا يمكن أن يكون ثمّة حيّز لأولئك الذين يتخذون موقفًا ثالثًا محايدًا.

وفي حديثه محتفلًا بقتلى العاشر من أغسطس ١٧٩٢، صرّح القسّ غريغوار (Grégoire) بأنّ: "هناك أناسًا جدّ صالحون هم عديمو القيمة؛ وفي ثورةٍ تشتبكُ في نضال الحريّة ضدّ الاستبداد، فإنّ رجلًا محايدًا لهو مارقٌ حيث، بدون أدنى شكٍّ، ينتظرُ كيف ستنتهي المعركة ليقرّر أيّ جانبٍ يتخذ". قبل أن نرفض هذه السطور بوصفها "شمولانيّةً" (totalitarian)، دعونا نستدعي زمنًا لاحقًا حينما كانت الدولة الفرنسيّة في خطر، بعام ١٩٤٠، عندما لم يكن سوى الجنرال ديجول، في خطابه الإذاعيّ المشهور من لندن، معلنًا للشعب الفرنسيّ "الحقيقةَ الصّلبة": إنّ فرنسا مهزومة، لكنّ الحربَ لم تنتهِ، ضد البيتانيين (Pétainist) المتعاونيين، والنّضال مستمرّ.

إنّ الشّروط الدقيقة لهذا البيان جديرةٌ بالنّظر: فحتى جاك دوكلو (Jacques Duclos)، الثاني في قيادة الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ، اعترف بمحادثةٍ خاصّة بأنّه لو أُجريت انتخاباتٍ حرّة في ذلك الوقت، لفاز المارشال بيتان بتسعين في المئة من الأصوات. وحينما رفض ديغول (de Gaulle)، في خطبةٍ تاريخيّة له، الإذعان وتعهّد بمقاومته التي لا تلين، فقد ادّعى أنّه وحده هو، لا نظام فيشي (Vichy)، يمكن أن يتحدّث نيابةً عن فرنسا الحقيقيّة (أي نيابة عن فرنسا بما هي فرنسا، وليس نيابة فحسب عن "أكثريّة فرنسا"!). ما أكّد عليه كان حقيقيًّا للغاية، حتى لو، "متحدّثًا على نحو ديمقراطيّ"، كان يعوزه ليس الشرعيّة فحسب، بل كان معارضًا بوضوح لرأي أغلبيّة الشعب الفرنسيّ.

(وينطبقُ الشيء نفسه على ألمانيا: فهؤلاء الذين وقفوا لأجل ألمانيا كانوا أقلّية صغرى كافحوا هتلر بفعاليّة، وليس النازيين أو الانتهازيين المتذبذبين).


-----------------------------