المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحديات الربيع العربي


Eng.Jordan
03-20-2012, 02:55 PM
إدريس جنداري
الربيع الديمقراطي العربي والمشروع النيوكولونيالي.. في إيضاح مظاهر التناقض بعد أن كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية تتسم بالجمود والتردي، في مجمل دول العالم العربي، جاء المد الثوري ليطلق حركية غير مسبوقة، حركت المياه الراكدة وأعادت، من جديد، طرح الأسئلة النهضوية، فيما يخص، الاستبداد والتخلف والفساد... ولذلك، فإن ما بعد أحداث الربيع العربي يشكل قطيعة مع ما قبلها. إذا كنا لا نختلف (طبعا) حول الرهان الديمقراطي الذي تؤسس له ثورات الربيع العربي اليوم، حتي ولو كان هذا الرهان في بداية طريق الألف ميل، فإنه من الضروري أن نكون علي تمام الوعي بما يشكله هذا الرهان المنشود، من تحديات حقيقية أمام المشروع الاستعماري الجديد، بوجهه الرأسمالي البشع، والذي لا ينظر إلي الشعوب والدول، إلا باعتبارها مناجم لا تنضب للمواد الخام، وأسواقا لاستهلاك المنتوجات الصناعية.
ولذلك، فإن التحدي الذي يفرضه الربيع الديمقراطي العربي اليوم، يتجلي بالأساس، في نشر قيم الحرية والاستقلالية والديمقراطية، أي الخروج من وصاية الدولة التسلطية، التي توجه المجتمع في اتجاه خدمة مصالحها الضيقة، إلي فضاء أفسح حيث يمارس الفرد مواطنته، باستقلالية وحرية تامة وبمسؤولية كذلك.
وهذا ما يمكنه، علي المدي المتوسط، أن ينجح في تشكيل جيل جديد، يتميز بالحرص علي المصالح العليا لوطنه وأمته، حيث يشعر بأن مسؤوليته لا تقل قيمة عن مسؤولية رجل الدولة، وهكذا يظهر رأي عام جديد، يؤثر في صناعة القرار السياسي، عبر آلية الانتخاب التي تمنحه فرصة اختيار نخبته السياسية، التي تجسد طموحاته في الإصلاح.
من هذا المنظور يمكن أن نؤكد، منذ البداية، أن الرهان الديمقراطي الذي يسعي الربيع العربي إلي ترسيخه، لا ينفصل عن رهان تحقيق استقلالية القرار السياسي الوطني، من خلال التمكن من حماية سيادة الوطن والأمة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار، الرهان الاستعماري المعارض فإننا يمكن أن نفهم جيدا، الصراع الذي يمكن أن يطبع العلاقة بين المشروعين المتناقضين.
لقد بدأت معالم هذا الصراع تبدو جلية الآن، رغم أننا في بداية المسار الطويل، سواء في علاقة مصر مع الولايات المتحدة، من خلال ما أثير مؤخرا حول المساعدات الأمريكية وعلاقتها بالقرار السيادي المصري، فقد خرجت أصوات تندد بهذه المعادلة التي كانت منطقية في عهد النظام السابق، لكن الواقع الجديد يفرض اليوم منطقا جديدا، يجب أن يتحكم في نسج خيوط علاقة جديدة، قائمة علي أساس التوازن والمصالح المشتركة، من دون الخضوع لسياسة الأمر الواقع، التي توجه السياسة الخارجية الأمريكية، في علاقتها بمصر ما قبل الثورة.
كما يبدو أن نفس هذا الصراع، هو الذي بدأ يطبع علاقة تونس بفرنسا، فبالإضافة إلي الجفاء الواضح الذي أصبح يطبع هذه العلاقة، نلاحظ نوعا من التمرد علي السياسة الخارجية الفرنسية التي تحكمت، لعقود في القرار السياسي التونسي ووجهته لخدمة مصالحها، وسواء مع الجناح اليساري/الوطني الذي يمثله السيد منصف المرزوقي، أو مع الجناح الإسلامي الذي يقوده المفكر والسياسي الوطني (رشيد الغنوشي)، فإن هناك توجها واضحا لفرض استقلالية القرار الوطني التونسي، حتي وإن تعارض مع مصالح فرنسا.
إذن، واعتمادا علي هذا المنطق، هل يمكن أن ننتظر من القوي الرأسمالية الكبري، أن تبارك ربيعنا الديمقراطي، وجميع خبرائها أصبحوا يدركون جيدا، أن الكلمة الفصل ستكون مستقبلا للشعوب، والتي ستسعي لبلورة الإرادة الشعبية انتخابيا، من خلال دعم نخبة سياسية وطنية مناضلة، تضع مصالح وطنها وأمتها علي قائمة اهتماماتها؟
إن منطق السياسة الذي يقوم علي أساس تبادل/صراع المصالح، يؤكد أن الدعم الذي تلقته الثورة العربية من طرف الغرب، يمكن أن يتراجع في أي حين، أو بالأحري يمكن أن ينقلب رأسا علي عقب، ليتحول إلي حاجز يعرقل بناء المشروع الديمقراطي العربي المنشود، وهذا ما سينعكس سلبا علي إيقاع التحول الذي يعيشه العالم العربي. لقد تميزت الرأسمالية الغربية، منذ ظهورها، بنزعة كولونيالية ترتبط جوهريا بالبحث عن المواد الخام وعن الأسواق الكبري، لترويج سلعها الصناعية، وهذه النزعة هي التي قادت الغرب الأمريكي ــ الأوربي في علاقته بالشعوب والأمم الأخري، منذ الحركة الاستعمارية التوسعية خلال القرن التاسع عشر، وبعد ذلك من خلال التوجه الكولونيالي الجديد للهيمنة علي العالم، ومحاولة توجيهه لخدمة الاحتياجات الرأسمالية المتزايدة، للمواد الخام وللأسواق.
قد نتساءل عن علاقة هذا التحليل بالراهن العربي، خصوصا وأن الكيان الرأسمالي الغربي (أمريكيا وأوربيا) أبدي رغبة جامحة في إنجاح المشروع الديمقراطي في العالم العربي، وقد يذهب البعض بعيدا، حينما يعتبر أن الأنظمة الديمقراطية هي الوحيدة القادرة علي تأمين مصالح الغرب، في إطار علاقة شراكة، تقوم علي أساس تبادل المصالح. لكن، يمكن أن نعقب بأن ترسيخ الديمقراطية، هو بالأساس، حضور متزايد للإرادة الشعبية في صناعة القرار السياسي والاقتصادي. وهذا ما يدفعنا إلي التساؤل مرة أخري، هل يمكن للشعوب العربية التي أبانت، كلما أتيحت لها فرصة التعبير عن رأيها، عن التزامها بخصوصيتها الحضارية، وبسيادة قرارها السياسي والاقتصادي، هل يمكن لهذه الشعوب أن تتماهي يوما مع إرادة الهيمنة التي تمثلها الرأسمالية الغربية؟
يمكن أن (نتسرع) ونجيب، بناء علي المؤشرات التي يمنحنا إياها الواقع العربي ماضيا وحاضرا، أن الثقافة العربية/الإسلامية في جوهرها ثقافة مقاومة، منذ القديم وحتي حدود الآن، وهذه الخاصية هي التي دفعت (هكتنكتون) في تنظيره لصراع الحضارات، أن يؤكد، بان النموذج الغربي يواجه تحديا ثقافيا كبيرا، يمثل فيه العدو الأخضر (الحضارة الإسلامية) تحديا كبيرا. ولذلك فإن نهاية التاريخ التي تحدث عنها (فوكوياما) ليست بالرهان سهل التحقق، كما قد يزعم البعض، من أولئك الذين يعيدون نسج خيوط الفكر الاستشراقي المتهافت، في تنظيره للشرق، ولكنها مهمة صعبة جدا، بالنظر لما تتميز به الحضارة العربية الإسلامية من عمق تاريخي مكنها دوما، في مواجهتها للتحديات التاريخية، من المحافظة علي تماسكها وقوتها في المواجهة.
ولعل، أكبر دليل هو النجاح في مواجهة الهجمة الاستعمارية الشرسة خلال مرحلة القرن التاسع، عندما تم طرد الاستعمار الرأسمالي الغربي، علي وقع ضربات المقاومة، التي نجحت بوسائلها البسيطة في تحطيم مشروعه علي صخرة الواقع. ولذلك فإني أزعم أن هذه الروح المقاومة، ما زالت سارية في شرايين الأمة العربية الإسلامية مشرقا ومغربا، وهي مستعدة للانتفاض في أي حين، حينما تستشعر خطورة الموقف.
إن ملامح اللا انسجام، التي بدأت تطفو علي السطح، في علاقة الربيع الديمقراطي العربي بالمصالح الرأسمالية، هذه الملامح تؤكد، أن الرهان الغربي علي استبدال الأنظمة التسلطية المتهالكة التي استنفذت مهمتها، في تامين المصالح الرأسمالية، بأنظمة ديمقراطية تابعة وخانعة، هذا الرهان يبدو خاسرا منذ البداية، لان الشعوب العربية حينما ثارت وضحت بدمائها، فهي لم تكن تسعي إلي استبدال (شن بطبقة)، لأنهما وجهان لعملة واحدة، ولكنها كانت تسعي إلي تأسيس ممارسة سياسية جديدة، حيث يستمد الحاكم شرعيته من الإرادة الشعبية، ولذلك فإنه مضطر للتعبير عن هذه الإرادة في صياغة قراراته، وإلا فإن مصير (ابن علي ومبارك والقذافي...) في انتظاره. إن الغربيين، بخبرائهم وسياسييهم واقتصادييهم، حينما يحذرون من التهديد الذي يمثله الإسلاميون، الذين قادتهم لأول مرة في التاريخ العربي الحديث، صناديق الاقتراع إلي الحكم، حينما يحذرون من التهديد القادم فإن تخوفهم، في الحقيقة، لا يرتبط بالتوجه الإيديولوجي، ولكنه تخوف من المشروع الوطني، الذي يمكن أن يمثله الإسلاميون، وهو مشروع سيهدد، بالضرورة، المصالح الغربية المتراكمة، لعقود، في علاقة بالأنظمة التسلطية، التي كانت تحصل علي الدعم الغربي كثمن لتامين المصالح الرأسمالية الغربية في بلدانها، ولو كان ذلك علي حساب مصالح أوطانها. وبما أن الرأسمالية الغربية لا تعترف بغير مصالحها فإنها رمت بشبكة وسائطها في مزبلة التاريخ، عند أول اختبار للقوة، ما دامت هذه الأنظمة غير قادرة علي تأمين مصالحها.

النيوكولونيالية والأجندة العرقية.. مصالح مشتركة
في ظل هذا الواقع الجديد، الذي يبدو أنه بدا يتشكل بإيقاع أسرع من المتوقع، يمكن أن نتساءل عن رد الفعل الغربي المنتظر، وهو قادم لا محالة، لأننا لا يمكن أن نتوهم أن الغرب سيفرط في مصالحه الإستراتيجية، وسيستسلم بسهولة لموازين القوي الجديدة التي فرضها الربيع الديمقراطي العربي. لكن ما هي طبيعة رد الفعل، هذا هو السؤال الجوهري؟
لا يمكن، طبعا، أن نتصور تدخلا كولونياليا مباشرا علي شاكلة مرحلة القرن التاسع عشر، أو علي شاكلة العراق حتي، لأن العالم بدأ يعرف تعددية قطبية، يبدو أنها ستعرقل لا محالة التوجه الأحادي الذي ساد منذ انهيار جدار برلين، حيث احتكرت الولايات المتحدة، في شراكة مع أوربا القرار السياسي العالمي، سواء من خلال العقوبات السياسية والاقتصادية، أو من خلال الضربات العسكرية الاستباقية لشل أي نوع من المقاومة المحتملة. لكن، رغم بروز معالم وضع عالمي جديد، يمكن أن يساعد دول الربيع العربي، فإن الغرب الرأسمالي يمتلك أوراق رابحة عديدة، يمكن أن يستخدمها، كلما أحس بأن خيوط اللعبة تنفرط من بين أصابعه، وهي أوراق كثيرة سنحاول التوقف عند ورقة منها، نعتبرها أخطر ورقة يمكن أن يلعبها الغرب الرأسمالي، لإفشال المشروع الديمقراطي العربي المنشود. منذ الهجمة الاستعمارية علي المشرق العربي ومغربه، عاشت الحضارة العربية الإسلامية علي وقع هزات عنيفة ومنظمة، استعملت فيها اعتي الأسلحة (المحرمة حضاريا)، وذلك لمحاولة طمس المعالم الحضارية التي أسس لها العرب/المسلمون، علي امتداد قرون متوالية، من آسيا إلي إفريقيا إلي أوربا، وهي معالم لم يستطع كل الغزاة والمتآمرين محوها، لأنها كانت متجذرة في نفوس الشعوب، التي شكلت الامتداد الحضاري العربي الإسلامي.
ولعل قوة العروبة الضاربة التي منحتها الانتشار والتجذر، لتتجلي في ارتباطها بالإسلام، منذ القرن السابع الميلادي، كبداية لتشكل تراث فكري وسياسي وديني مشترك بين الشعوب العربية، أنتجه وطوره العرب المسلمون، في المشرق العربي ومغربه. وهذا التراث هو الذي صاغ رؤية مشتركة للعالم، بين مختلف الشعوب التي انتمت إلي الحضارة العربية الإسلامية، وساهمت في بنائها.
لذلك، كانت الإستراتيجية الاستعمارية واضحة المعالم، منذ البداية، العمل علي تمزيق الوحدة الحضارية التي جمعت ووحدت شعوبا مختلفة. ولا يمكن أن تنجح هذه الإستراتيجية إلا عبر خطط مدروسة، تهدف إلي تشتيت التراث الحضاري المشترك، دينا ولغة وثقافة... وذلك، من خلال بعث الروح في النزعات العرقية والقبلية التي سعي الإسلام، منذ البداية، إلي محاصرتها لأنها تهدد الوحدة الحضارية المنشودة.
إن توجه نابليون بونابرت، من خلال حملته العسكرية علي مصر، إلي بعث الروح في النزعة العرقية الفرعونية، لم يكن مصادفة البتة بل كانت خطة مدروسة، سعي من خلالها المستعمر إلي فك ارتباط مصر بامتدادها الحضاري العربي الإسلامي، ليسهل الاستيلاء عليها وإعادة برمجتها حضاريا، من منظور يخدم المصالح الاستعمارية.
ونفس الخطة اعتمدها الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي(المغرب ــ تونس ــ الجزائر) من خلال بعث النزعة العرقية الأمازيغفونية، باعتماد سياسة مدروسة، هي التي أطلق عليها اسم السياسة البربرية la politique berbڈre، والتي كانت تهدف إلي محاولة فك الارتباط بين الغرب الإسلامي وشرقه، باعتبارهما امتدادين جغرافيين، نجحا لقرون في تشكيل امتداد حضاري موحد.
الآن، وما أشبه اليوم بالأمس، ينبعث المشروع الاستعماري من رماده، بعد أن احترقت جميع أوراقه، في صدامه مع المشروع الوطني ذي البعد العربي الإسلامي، والمناسبة طبعا ترتبط بالربيع الديمقراطي العربي الذي انطلق ليستكمل المشروع النهضوي، كمشروع أكمل حلقته الأولي (التحرر والاستقلال) وبقي ينتظر الحلقة الثانية (الحرية والديمقراطية).
لكن، ما يبدو هو أن لأذناب الاستعمار أجندتهم الخاصة، التي لا تنسجم مع الاتجاه العام الذي عبر عنه الرأي العام العربي، وهي أجندة لا تنفصل (طبعا) عن الرؤية الاستعمارية الفاشلة والتي حاولت، بكل ما أوتيت من قوة، زعزعة الوحدة الحضارية للشعوب العربية الإسلامية، كمدخل أساسي لفرض السيطرة والوصاية الاستعمارية.
إن عودة النزعات العرقية اليوم، لتطفو علي السطح من جديد، ليس مصادفة البتة، بل تعبر بالأساس عن مشهد قديم، حيث تداخلت الأجندة الاستعمارية مع النزعات العرقية لإنجاح وظيفة واحدة، تتجلي في تحطيم الأساس الحضاري الذي يشد البناء السياسي والاجتماعي... ويمنحه قوة مقاومة الرجات الاستعمارية، وذلك تمهيدا لتحطيم كل البناء من الأساس، باعتماد خطة (فرق تسد).
وتعلمنا دروس الماضي القريب، أن التدخل الكولونيالي في العالم العربي خلال مرحلة القرن التاسع عشر، كان يراهن، بالأساس، علي التنوع العرقي الذي يعيشه العالم العربي، وهذا التنوع بقدر ما يمثل عامل إثراء ثقافي واجتماعي، فإنه في نفس الآن، شكل ورقة رابحة للمشروع الكولونيالي، لأن المستعمر راهن منذ البداية علي توظيف هذا التنوع، لخلخلة الانسجام الاجتماعي أولا، وبعد ذلك توظيف التعدد العرقي والإثني والديني والمذهبي واللغوي... لتفجير المجتمع من الداخل، وبالتالي تيسير مهمة السيطرة بأقل مجهود ممكن.
إن الورقة الرابحة التي يمكن للغرب الرأسمالي أن يلعبها، لإفشال المشروع الديمقراطي العربي، هي ورقة التعدد العرقي، بحيث يمكن في أي وقت أن ينبعث المشروع الاستعماري القديم من رماده، بنفس الإستراتيجية وبنفس التخطيط كذلك. ولذلك يجب علي النخبة الوطنية أن تكون في منتهي اليقظة، في علاقة بالنزعات العرقية التي تخترق المجتمعات العربية مشرقا ومغربا. وهذه النزعات يمكنها في أي وقت أن تتحول إلي مشاريع انفصالية، ستلاقي (بالتأكيد) دعما كاملا من طرف القوي الرأسمالية الكبري لأنها تخدم مصالحها.
وفي هذا السياق العربي المضطرب، يجب أن نستحضر، بقوة، مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي قام (في الأساس) علي خطة تشتيت دول المنطقة العربية (مشرقا ومغربا) إلي قطع دومينو، يتلاعب بها المحافظون الجدد والصهاينة، لتشكيل بناء هرمي جديد، يستجيب لنزعاتهم الاستعمارية. ويمكن في هذا السياق أن نستحضر المخطط الذي صاغه (رالف بيترز) الضابط المتقاعد في الاستخبارات العسكرية الأمريكية، والذي نشر بمجلة القوات المسلحة الأمريكية في عدد حزيران 2006 تحت عنوان:
How a better Middle East would look : Blood borders
Ralf Peters ? Blood borders: how a better middle east would look ? AFJ (Armed Forces Journal.
في البداية، ينطلق بيتزر من مقدمة أساسية، سيبني عليها جميع النتائج التي سيخلص إليها في الأخير، وهي أن الحدود التي تفصل بين الدول في العالم ليست عادلة, لكن الحدود الأكثر اعتباطية في العالم (في نظر بيترز) هي تلك التي تشكل الدول الإفريقية ودول الشرق الأوسط (العالم العربي) تلك الحدود التي رسمها الأوربيون لحماية مصالحهم. ويستعير (بيترز) مصطلح الحدود غير العادلة من(تشرشل)، ليعبر عن الوضع القائم في الشرق الأوسط، وهذا الوضع في اعتباره، سيحضر كسبب رئيسي في اندلاع الكثير من المشاكل، بين الدول والشعوب في المنطقة.
ويتوقف (بيترز) عند مشكل الأقليات، في منطقة الشرق الأوسط وما لحقها من ظلم فادح (في نظره) وذلك حين تم تقسيم الشرق الأوسط، أوائل القرن العشرين (يقصد اتفاقية سايكس بيكو) مشيرا إلي هذه الأقليات "بأنها الجماعات أو الشعوب التي خدعت، حين تم التقسيم الأول" ويذكر أهمها: الأكراد، والشيعة العرب ومسيحيي الشرق الأوسط، والبهائيين والإسماعيليين والنقشبنديين... ويري بيترز أن ثمة كراهية شديدة، بين الجماعات الدينية والإثنية بالمنطقة تجاه بعضها البعض، وأنه لذلك يجب أن يعاد تقسيم الشرق الأوسط، انطلاقا من تركيبته السكانية غير المتجانسة، القائمة علي الأديان والمذاهب والقوميات والأقليات، حتي يعود السلام إليه.
وتفوح من هذا المخطط، منذ البداية، رائحة سايكس بيكو النتنة، حيث تمت شرذمة المنطقة العربية، علي المقاس الفرنسي البريطاني أوائل القرن العشرين، وذلك لفسح المجال أمام إنشاء كيان غريب، تحت الرعاية البريطانية التي جسدها وعد بلفور. إن هذا المخطط بالإضافة إلي مخطط مشابه وضعه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (هنري كسنجر) ليس سوي قطعة الثلج التي تغطي جبل الجليد، وذلك لان الغرب الرأسمالي تعامل، منذ القرن التاسع عشر، مع المنطقة العربية باعتبارها منطقة غير منسجمة حضاريا وجغرافيا، ولذلك يجب اللعب علي أوتار التعدد العرقي والديني، كلما دعت الضرورة إلي إعادة صياغة خرائط المنطقة، لخدمة المصالح الغربية.
إن هذه المخططات ليست تنظيرا يصوغه باحثون أكاديميون، بل هي بالأساس رؤية إستراتيجية، تتحكم في الفعل والممارسة علي أرض الواقع، وإذا كنا غير قادرين علي استيعاب خطورة هذه الرؤية، علي المستوي النظري، فإننا سنضطر مستقبلا إلي قبولها والتأقلم معها واقعيا، إذا فشلنا في مواجهتها.

الحلف الأمريكي ــ الأوربي
ولعل ما جري في السودان من تفكيك وتمزيق للدولة، بدعم مفضوح من طرف الحلف الأمريكي ــ الأوربي، وبتغطية من الأمم المتحدة، ليعتبر بداية فقط لشرعنة الانفصال، وصياغة نموذج مستقبلي يمكن أن يعمم علي كامل المنطقة العربية، كلما دعت الحاجة إلي ذلك.
وهذا النموذج هو الذي يتم تسويقة في العراق، حيث يعبر الأكراد عن نزوعات انفصالية في واضحة النهار، وفي تحد سافر للدستور العراقي، الذي شاركوا في وضعه، ومن المفروض أن يعملوا علي حمايته، عبر مؤسسة رئاسة الدولة التي يمثلونها في النظام السياسي الجديد، لكن الأكراد أنفسهم لا يمثلون قرارهم السياسي الخاص، بل ورطوا أنفسهم ضمن مخططات انفصالية موضوعة مسبقا من طرف صناع القرار الأمريكي، الذين دخلوا العراق من أجل تطبيق هذه المخططات الانفصالية، لتوسيعها فيما بعد علي المنطقة العربية ككل.
أما في مصر، فإن مشكلة الأقباط بدأت تطرح بقوة، لتبرير التدخل الدولي في البداية، تمهيدا لزرع بذور الانفصال لاحقا، وهذا ليس تخمينا وحسب، بل يدخل ضمن مخططات بأبعاد إستراتيجية بعيدة المدي، تنتظر الفرصة السانحة فقط، للخروج إلي حيز التطبيق.
وليس بعيدا عن المشرق العربي، فإن إيديولوجية الانفصال أصبحت تخترق بقوة دول المغرب العربي، سواء في المغرب أو في الجزائر، باعتبارهما دولتين قائمتين علي أساس تعدد عرقي ولغوي، أصبح يستثمر من طرف قوي خارجية، لزعزعة وحدة واستقرار البلدين. ولعل آخر ما كشف عنه الستار، هو الاختراق الصهيوني للأقلية الأمازيغية، بهدف خلق نموذج كردي في كل من المغرب والجزائر، قابل للانفصال في أية لحظة بدعم نيوكولونيالي، سياسيا وعسكريا.
وبالإضافة إلي الاختراق الصهيوني للأقلية ألأمازيغية في المغرب العربي، يحضر كذلك الاختراق الفرنكفوني، الذي يمتلك رصيدا تاريخيا محترما جدا، في دعم انفصال الأمازيغ عن العرب في المنطقة المغاربية، وهذا رهان كبير بدا في تحقيقه المقيم العام الفرنسي (ليوطي) لكن الوعي الوطني المرتبط بأبعاد عربية ــ إسلامية أفشل هذا الرهان قبل ولادته، لأن الظهير البربري الذي حاول تطبيق هذا المخطط الاستعماري في المغرب، هذا الظهير الذي كان يخطط لفصل الأمازيغ عن العرب في المنطقة المغاربية، كان المسمار الأخير الذي دقته الحركة الوطنية المغربية في نعش الاستعمار الفرنسي.
لكن ما أصبح يخيف الآن، هو أن المخططات الفرنكفونية، أصبحت تعود بقوة، مستغلة غياب الحس الوطني لدي الناشئة، التي لم تعش لحظات التحرر الوطني، وآخر بوادر هذا النجاح تم التعبير عنها علي أرض الدولة الاستعمارية السابقة، عبر تشكيل حكومة أمازيغية صورية، ستكون البداية الفعلية لتقسيم الجزائر إلي دويلتين متنازعتين، بدعم فرنكفوني، يمكنه أن يتحول في أي وقت إلي دعم دولي، يطالب بتقرير مصير (الشعب الأمازيغي) الذي لم يكن يوما إلا شعبا جزائريا، أو شعب المغرب الأوسط في التاريخ الوسيط، باعتباره شعبا موحدا يتشكل من عرب وأمازيغ وأندلسيين وأفارقة، حيث تعايشت جميع هذه الأعراق بسلام ووئام، إلي حدود دخول الجزائر ضمن الحسابات الإمبريالية، لما يزيد عن قرن من الزمان.
إن ما يبدو من انسجام، بين الرهان الديمقراطي الذي يفرضه الربيع العربي، وبين الرؤية الغربية، ليس في الحقيقة سوي وهم سينفضح عند أول اختبار، وذلك نظرا للتعارض الواضح بين الرهانين، خصوصا إذا نجح الربيع العربي في تتويج مشاريع سياسية وطنية، ستكون بالضرورة بمثابة حواجز حقيقية أمام المصالح الغربية في المنطقة العربية، ومن ثم يمكن أن نتصور مسبقا طبيعة الصراع القادم، وهو صراع نتوقع أنه سيعيد إنتاج استراتيجيات وخطط الماضي، التي تم اعتمادها لإعادة صياغة خرائط المنطقة العربية، بما يخدم المصالح الرأسمالية. ونحن إذ نحذر من النزعات العرقية، فإننا ننطلق من هذه التجارب السابقة، حيث عمد المستعمر في كل مرة إلي اللعب علي هذه الأوتار الحساسة بهدف حماية مصالحه، وهو مستعد لإفشال الرهان الديمقراطي اليوم باعتماد نفس الإستراتيجية والخطط.
كاتب وباحث أكاديمي مغربي

/3/2012 Issue 4152 - Date 20