المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آلية تفعيل المشاركة السياسية للمرأة اليمنية


Eng.Jordan
11-05-2015, 10:24 AM
الإقصاء والتهميش السياسي والاقتصادي :
كأشكال للعنف الموجه ضد المرأة :
د. عبد القادر البنا
لا تزال جهود أكثر من عقد من السنين تتواصل لربط مفهوم التنمية البشرية (أو الإنسانية كما يفضل العرب تسميتها ) بأبعاد ومعايير أكثر تجسيدا للحقوق والحريات السياسية والمدنية .وقد تم ابتداع وتطوير عدد من المقاييس والأدلة الهادفة لربط المنجز التنموي بمقدار الحريات التي ينالها الإنسان ،وبمدى أهليته وقدرته علي التحرر من الخوف ومن الفاقة ومن التمييز ،ومن القمع والتسلط السياسي والاقتصادي . . .
ولعل أهم ما استهدفته المحاولات المعاصرة لتحديث التنمية البشرية ،هو إكساب العملية التنموية مضامين أكثر شمولاً وعمقاً تؤهلها للتوجه نحو القضاء علي أنماط مموهة ومخفية من أنماط العنف والقهر التي تتعرض لها شرائح اجتماعية واسعة وهي الأنماط التي تترتب عليها معاناة إنسانية وأضرار تنموية كبيرة ،وتظل مع ذلك خارج دائرة الاهتمام والتغيير .
وليس بخافٍ أن حقوق وحريات المرأة العربية السياسية والاقتصادية الخاضعة للقمع والمصادرة هي بالتحديد أكثر صور العنف تمويها واستبعادا عن دائرة الضوء ،وهي محور التمييز القائم ضد المرأة لإبقائها مواطنا من الدرجة الادنى . وقد كان ذلك من أهم أسباب تركيز تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 م على البعد السياسي للتنمية البشرية ، ومطالبته فتح باب الاجتهاد لتدقيق وتحسين أدلة قياس التنمية الإنسانية على المستوى العربي ، وذلك بإدماج مقياس الحرية ومقياس تمكين النوع الاجتماعي ضمن المقاييس التي يجرى تطويرها واستحداثها لهذا الغرض .وقد أوضح ذلك التقرير ما أكدته أيضا التقارير الدولية للتنمية البشرية : ان عدم المساواة المرتبطة بنوع الجنس تصبح أمراً ممكن القياس كميا ،باستخدام أبعاد ثلاثة أساسية للتمكين ،وهي : المشاركة في صنع القرار السياسي ، والمشاركة في صنع القرار الاقتصادي ثم السيطرة علي الموارد ،كما أكد التقرير أن إدراج هذه الأبعاد
ضمن المؤشرات الأخرى المعتمدة لقياس التنمية سيجعلها أكثر مصداقية في التعبير عن خصوصيات الواقع العربي ، الذي يعاني من عجز صارخ في الحريات وفي المعرفة وفي تمكين المرأة .
ولعل هذا المدخل كفيل بأن يوضح بجلاء معنى الحرمان من حق المشاركة في الحياة العامة وبالتحديد في صناعة القرار السياسي- الاقتصادي ،فالمرأة العربية لا تزال اقل استمتاعاً بالحريات والحقوق المدنية والسياسية وبفرص التمكين التي أصبحت تحضى بها المجتمعات الأفريقية حتى في بلدان جنوب الصحراء . والتحقق من ذلك لا يحتاج في تقديرنا للعودة إلي ما أورده تقرير التنمية الإنسانية العربي لعام 2002م من أرقام ومؤشرات تؤكد هذه الحقيقة ،لأن استخلاصها من الواقع مباشرة لا يزال سهلا عبر نظرة سريعة لأشكال التمييز والإقصاء والتهميش المفروض علي المرأة العربية ،والتي لا تزال تبقيها هدفاً مستباحا لممارسات القمع والعنف الصادرة عن أفراد ومؤسسات لمجتمعات ودول تتقمص الحداثة وتستهلك مظاهر ها ، وهي في واقع الأمر محكومة بأعراف وقيم الثقافة التقليدية الأبوية وسلطتها المقننة لعبودية المرأة ودونيتها .
فمهما حاول النظام السياسي العربي إظهار مستوى متقدماً في تشبهه بالقدرة على مجاراة متطلبات العصر السياسية والاقتصادية ، ومهما تشبع دستوره وقوا نينه بنصوص تنصف المرأة وتقر بحريتها أو بمساواتها في الحقوق والوجبات ،يظل مقياس تمتع المرأة الحقيقي بتلك الحريات والحقوق ، مرهون إلى حد كبير بما يتبناه ذلك النظام من سياسات وبرامج عملية للتغيير الاجتماعي والثقافي وبمدى مصداقيته في فرض تنشئة اجتماعية بديلة عصرية، وعادلة هدفها إعادة صياغة العلاقات المهيمنة في إطار الأسرة الأبوية
والمجتمع الأبوي ، وهي علاقات تقوم علي أساس تسلط الرجال على النساء وإخضاعهن الكامل لتقاليد وقيم تقدس سلطة وعقلية الرجل . فإذا ما ظل النظام السياسي متمسكاً أو حتى متعاطفا مع النظم القيمية
– الثقافية للبنى التقليدية القبلية ، فذلك يعني تلقائيا –تمسكه ورضاه عن هيمنة العقلية الأبوية ،الذكورية المكرسة لعلاقات التسلط والخضوع ،وعلى الأخص منها ،تسلط الرجال على النساء .إي إن التنشئة الاجتماعية التي سيمارسها نظام كهذا ستظل حريصة على الدفاع ،وبأشكال وطرق مموهة أو صريحة ،عن الوضع والمكانة الدونية للمرأة وتكريس أدوارها النمطية لإقصائها عن أي مشاركة فعلية وواسعة في الحياة
العامة وفي مقدمتها الحياة السياسية ،فالسلطة الأبوية (كما رآها ماكس فيبر ) هي احد الأشكال الأساسية للسلطة السياسية وبالتالي فان ثقافة التسلط الأبوي هذه(طالما بقيت محمية بفعل وإرادة التسلط السياسي ) ستظل سائدة وقادرة على إعادة إنتاج أنماط الوعي التقليدية وعلي غرس القيم التي تقد س تسلط الرجل ودونية المرأة في عقل المرأة كما في عقل الرجل ،فتتحول السياسة _حتى من وجهة نظر النساء أنفسهن – إلى مجال غريب وغير لائق لاشتراك النساء فيه ،باعتبارهن جاهلات وعديمات الخبرة بهذا الشأن الذي لم يخلقن أصلا من اجله ،ويبقى الرجل (– صاحب الأهلية والعقلانية والتجربة و...وكل الفضائل ) هو المعني والمخلوق بطبيعته لممارسة السياسة وصياغة كل قرار يتعلق بالهيمنة على الموارد وبالقدرة علي التحكم بها .
فكيف يمكن الحديث إذاً عن ممارسة طبيعية للمرأة للولاية السياسية في ظروف استمرار الحصار المضروب علي أهليتها النفسية – الثقافية، بإبقائها مقموعة ومكبلة بقيود السلطة الأبوية التي لا تحصى : فخلافاً لما يقره الشرع والقانون من حقوق لها يبدأ إعدادها منذ ولادتها مباشرة لأداء أدوارها التقليدية المحددة سلفاً فتلحق بأمها وتلقن فضائل الخضوع والانقياد والعمل المنزلي وكل ما ييسر زواجها وتحولها في اقرب وقت إلي زوجة نموذجية ، أما قيم العلم والعمل والحرية أو الطموح والإبداع وتطوير روح المبادرة والعمل والمنتج خارج حدود البيت والأسرة ،كل هذه تبقى أموراً ثانوية أو مكملة لإشباع القيمة
الأخلاقية التقليدية للمرأة، باعتبارها رمزا لشرف الأسرة والجماعة وعورة لابد من أن تصان بمختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وبإحكام وصاية المجتمع الأبوي عليها وتحويل عقلها ووعيها وحتى
علمها إلى رقيب ووحي عليها لحماية تلك القيمة .. بهذا يصبح كل انتهاك لحقوقها أمر مباح :حتى زواجها وهي قاصرة ودون أن تستشار ،أو تزويجها بمتزوج لاثنتين وثلاث،والمغالاة بمهرها وحرمانها من اختيار موعد وحجم الإنجاب، ثم حرمانها من التعليم ومن العمل وحتى من الإرث أحيانا ،وحتى حركاتها وسكناتها تصبح عرضة للوصاية ولاجتهاد المتشددين والمغالين في تطرفهم . فحجابها وملبسها موضوع
اجتهاد وفتاوى متعارضة ، وصوتها أيضا وخروجها ودخولها وسفرها موضوع اجتهاد .
إن حقوق المرأة وأهليتها للولاية السياسية والمشاركة الاقتصادية ،مهما بدت مقبولة ومتبناة من أطراف ومؤسسات اجتماعية وسياسية بل وحتى دينية متزايدة ، غالباً ما تبقى خاضعة في تطبيقها لازدواجية المراهنات السياسية ،لتتحول إلى مجرد وعود خادعة مؤجلة عند أدنى غلبة للقوى التقليدية في مواقع صنع القرار لمختلف الهيئات الحكومية والحزبية .
لذلك فالحق الشرعي والدستوري المكفول للمرأة لا يمكن أن يتحقق بصورة تلقائية، في ظل كل هذا الركام من القيود والحصار .ومن يطلب من المرأة اختراق كل تلك المعوقات لتنتزع حقها في المشاركة السياسية والاقتصادية ،وبقدرات ذاتية مسلوبة أصلا ،أو بالانتظار لعقود أخرى حتى تتكامل أهليتها لخوض المنافسة المتكافئة (كما يحلو للبعض القول لتلطيف مواقفهم المتعصبة ضد المرأة )... من يطلب ذلك إنما يمارس في الأصل توظيفاً سياسياً مفضوحاً للثقافة السائدة ، على نحو يلبي مصالح القوى الاجتماعية التقليدية والمتطرفة ،ويضر بشكل عملي ومباشر بمصالح المرأة..التي هي في غنى كامل عن تكريس دعوات كهذه تبقيها خاضعة لنمط التفكير الذكوري التسلطي عقوداً طويلة قادمة .
وكان الواقع اليمني هو الأكثر غنى في التعامل مع مثل تلك الدعوات والكشف عن مضامينها ومغازيها المبطنة .
فمن خلال محاولات المرأة طوال العقد المنصرم ممارسة حقها الديمقراطي ،عبر ما كفله لها الشرع والقانون من حقوق سياسية ومدنية ، تعرت بما يكفي الازدواجية الصارخة التي لا تزال تعيشها القوى السياسية _الاجتماعية اليمنية ،عند تعاطيها مع قضايا المرأة وحقوقها . فتجربة العمل البرلماني شهدت استثماراً انتهازياً لحق المرأة في التصويت وتراجعاً مروعاً لحقها في الترشيح .
أما مستوى إشراكها في صناعة القرار السياسي والاقتصادي فهو خير مؤشر علي رسوخ قنا عات ضعيفة ومزدوجة بأحقية المرأة في الاشتراك الفاعل في صنع القرار ،لان الإشراك ألديكوري والاستعراضي لها بأرقام رمزية في المواقع الهامة ، كان ولا يزال هو السمة المميزة لسلوك صناع القرار . ولا يختلف الحال كثيراً عند الحديث عن مستوى تمكين المرأة من المشاركة السياسية في إطار الأحزاب بهيئاتها المختلفة فهو لم يتجاوز بعد حالة الإشراك الديكوري فقط .
والحجج التي تساق باستمرار لتبرير كل ذلك ،لا تتعدى الحديث عن الواقع الرافض ،و عن قدرات المرأة المتواضعة التي لم تؤهلها بعد لفرض نفسها كمنافسة ذات أهلية متكافئة .. ! ! إنها الاسطوانة المشروخة ذاتها التي ما انفكت تكرر إمكانية وضع العربة أمام الحصان ومطالبة الحصان بجرها قدماً ؟؟ فهذه القضية هي ذاتها التي حتمت وفرضت اعتماد أشكال شتى من سبل التمكين من قبل حكومات وأحزاب كثيرة في العالم اجمع ، لتعزيز قدرات المرأة على تحقيق اختراقات أسرع على طريق توسيع مشاركتها السياسية والاقتصادية ،فلا يمكن أن تتحقق نجاحات ملموسة في هذا المجال على المدى المنظور ،دون اللجوء إلى بعض الأنماط المناسبة من التمييز الايجابي للمرأة لاختراق حاجز الحصار المفروض عليها .
أنها الحقيقة التي دفعت المجتمع الدولي عبر اتفاقيات وإعلانات وقرارات كثيرة إلى حث وإلزام الحكومات باتخاذ التدابير التفضيلية الضرورية لتمكين المرأة من توسيع مشاركتها السياسية والاقتصادية ، وعدم اعتبار التمييز الايجابي لصالح المرأة نوعاً من الخرق او التحايل على القانون .
وبرغم تحول مثل هذه الإجراءات التفضيلية إلى مسلمات واستحقاقات ، تحضى بقبول ودعم واسعين على المستويات الدولية والمحلية ،وتلتف حولها قطاعات أكثر اتساعاً من قو ى التحديث داخل المنظمات الحكومية وغير الحكومية ...، فلا تزال أيضا الأصوات تنبري هنا وهناك للتشكيك في مدى صواب وواقعية أنظمة الحصص ، او التمييز الايجابي لصالح المرأة ... !! وهناك من يسعى لتصويرها كإجراءات متسرعة وقفز فوق واقع المجتمعات التقليدية بثقافتها وتقاليدها التي لن تتقبل مثل ذلك التمييز .!!..
وهنا يكون السكوت والرضوخ لأصوات كهذه قبول بالعودة للدوران في الحلقة المفرغة، التي يجيز فيها أنصار الثقافة الذكورية تمييزاً لصالح الرجل يتواًصل قرونا طويلة ،ويرفضون تماما ً تمييزاً مؤقتاً سيعيد بالكاد وبالتدريج حق المرأة في العدل والمساواة إلى نصابه !
من هذا المنطلق سيتم الخوض من خلال الأوراق البحثية التالية في طبيعة أزمة المشاركة السياسية للمرأة اليمنية ، وفى مدى واقعية وإمكانية معالجتها بالاعتماد على نظام الحصص النسبية ، وسيتم التعرض لنماذج كثيرة من التجارب الناجحة لبلدان أخرى .














أهداف الدراسة
تهدف هذه الدراسة إلى إيجاد الحلول الممكنة لإشكالية ولوج المرأة إلى الحياة السياسية، وعملية تمثيلها في المجالس المنتخبة، وهي الإشكالية التي ارتبطت في أحد أبعادها برغبة الكثير من النساء في تطبيق نظام الحصص (الكوتا)، وارتبطت في بعدها الثاني بالحديث عن دستورية/عدم دستورية نظام الحصص، بينما ارتبطت في بعدها الأخير بما اقترحته المنظمات والمؤتمرات الدولية من اعتبار نظام الحصص حلاً فاعلاً لعدالة تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة.
وسوف تنقسم الدراسة إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أزمة المشاركة السياسية
الفصل الثاني: تخصيص مقاعد للمرأة في المجالس المنتخبة: تجارب دولية.
الفصل الثالث: الحلول القانونية لإشكالية المشاركة السياسية للمرأة، رؤية قانونية لتطبيق كوتا النوع الاجتماعي.
وذلك بهدف تقديم إجابة عملية عن التساؤل المطروح حول مدى الاستفادة من تطبيق هذا النظام في اليمن، وعلى أي مستوى يمكن تطبيقه( مجلس النواب، المجالس المحلية، الأحزاب، النقابات...الخ) وما هي آليات هذا التطبيق.

منهاجية الدراسة
قامت الدراسة باستخدام المنهج الوصفي التحليلي في تحليل أزمة المشاركة السياسية، والمنهج المقارن في دراسة تجارب الدول التي طبقت نظام الكوتا ثم المنهج القانوني في محاولة تطبيق نظام الكوتا على النظام السياسي اليمني.






حمل المرجع من المرفقات