المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرأة والحراك الاجتماعى بالقطاع غير الرسمى


Eng.Jordan
11-05-2015, 10:29 AM
المرأة والحراك الاجتماعى بالقطاع غير الرسمى
دراسة ميدانية
تحليل اجتماعى- اقتصادى

د. ملك محمد الطحاوى
أستاذ علم الاجتماع المساعد
كلية الآداب ـ جامعة المنيا












حمل المرجع كاملاً من المرفقات




محتويات الدراسة
· الإطار النظرى للدراسة
- أولاً : مقدمة الدراسة.
- ثانياً : المقاهيم الرئيسية للدراسة : عرض وتحليل.
- ثالثاً : التراث البحثى السابق : عرض تلخيصى نقدى.
- رابعاً : الحراك الاجتماعى للمرأة : قراءة للتوجهات النظرية.
- خامساً : المرأة وسوق العمل بالقطاع غير الرسمى : مقارنة نظرية.
- سادساً : مشاركة المرأة المصرية فى سوق العمل : مؤشرات إحصائية.
- سابعاً : الخصخصة والنشاط الاقتصادى للمرأة المصرية.
- ثامناً : العولمة ووضع المرأة المصرية فى سوق العمل غير الرسمى.
- تاسعاً : الآثار السلبية لعمل المرأة المصرية بالقطاع غير الرسمى.
· الإطار التطبيقى للدراسة :
- أولاً : عرض البيانات الميدانية.
- ثانياً : النتائج النهائية للدراسة وتوصياتها.
- مراجع الدراسة وهوامشها.
- ملاحق الدراسة.
1- الاستبيان بالمقابلة.
2- دليل دراسة الحالة.


مقدمة الدراسة :-
منذ ثورة 1952 اهتمت الدولة بوضع استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية تدرج المرأة ضمن عملية التنمية، باعتبار أن مشاركتها فى العمل المنتج إلى جانب الرجل يشكل دفعة إيجابية لحركة المجتمع المصرى. ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 1995 وقعت مصر على اتفاقيات دولية، وشاركت فى مؤتمرات تحث على القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة داخل الأسرة، وفى العمل وفى جميع الخدمات التى يوفرها المجتمع للمرأة والرجل على حد سواء(1).
ويثار فى الأدبيات المعاصرة قضية هامة فى تناول وضع المرأة فى سوق العمل، وهى أن الحكم على مشاركة العمالة النسائية فى سوق العمل لا يتم جزافاً عن طريق حساب نسبة المشاركة مرتفعة أو منخفضة، بل من المهم تبنى منظور يمكن من فهم طبيعة هذه المشاركة. وإذا كان المنظور الأنثوى القديم يركز على سيطرة الذكور على بعض الأعمال، وإعادة ترتيب النوع، وتنظيم سوق العمل، فإن المنظور الحديث يركز على كثير من القضايا المتصلة بالعمل وفهم المواقع التى تشغلها المرأة فى سوق العمل، وهل تعمل كل الوقت أم جزء من الوقت؟ وهى تعمل بشكل مؤقت أم بشكل دائم(2).
وبذلك تمتعت المرأة المصرية بمزايا اقتصادية واجتماعية أدت إلى تزايد أعداد النساء فى مختلف مجالات العمل، إلى جانب المشاركة النسبية فى العمل السياسى ومنظمات المجتمع المدنى. ولكن سياسة إعادة الهيكلة الرأسمالية Capitalist Restructuring Policy والتى بدأتها مصر منذ الثمانينيات واتخذت إجراءاتها الرسمية فى عام 1991 كانت لها تأثيراتها المتفاوتة على الرجال والنساء على حد سواء، خاصة بعد تراجع الدولة عن سياسة الخريجين، واتجاهها نحو سياسة الإصلاح الاقتصادى والخصخصة(3).
وتشكل المرأة فى الغالب الأعم نصف السكان فى كل المجتمعات وتقوم بدور مؤثر فى كافة نواحى الحياة الاقتصادية والسياسية والإنسانية ويتأثر دور المرأة فى العمل بنوعيه المجتمع الذى تعيش فيه من حيث الثقافات والمعتقدات والعادات والتقاليد التى تحكمه والأخطار والقيم التى تتحكم فيه. ومع هذا فإن المرأة يجب أن تحاط بسياج من التشريعات القانونية التى تمكنها من أداء دورها فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية. فلقد أكدت كل الديانات والأعراف والمواثيق الدولية أن التنمية الرشيدة لأى دولة فى العالم تتطلب المشاركة الفعالة للمرأة على قدم المساواة مع الرجل فى كافة الميادين(4).
ولم يكن عمل المرأة فى السابق يأخذ تلك الأبعاد التى هى فى واقعنا اليوم، حيث نجد أن المرأة كانت تقع على عاتقها مسئوليات جمة، وكلها محاطة بمسئوليات فى البيت وتربية الأبناء ورعاية الأسرة، وإن ارتبطت معها مسئوليات أخرى حسب طبيعة كل مجتمع، لكن كل المجتمعات تكاد تتفق على أن المرأة وحدها هى القادرة على القيام بكل هذه المسئوليات. ولقد كانت بداية التحول الحقيقى فى حياة المرأة فى مجال العمل بعد الثورة الصناعية بأوروبا التى أدت لهجرة الرجال للمدن، فحلت المرأة محلهم فى الريف فزاد بذلك العبء عليها. وبعد ظهور النقابات العمالية قام أصحاب الأعمال باستخدام المرأة لمواجهة هذه النقابات، وكان هذا الأمر بتخطيط من عناصر يهودية لتحطيم الأسرة ومن ثم السيطرة عليها. وهنا نجد أن المرأة وسيلة لغاية أرادها أعداء البشرية لتدمير الأسرة، وهنا كانت المرأة أيضاً ليست صانعة للقرار بل منفذة أراده الآخرين(5).
ولقد عرفت المرأة بطبيعتها الإنسانية وبتجاربها أن العمل هو الوسط الحقيقى الذى تتبلور فيه شخصيتها واستقلاليتها وما تحرزه المرأة من أجور نتيجة الجهود المبذولة من جانبها فى العمل الإنتاجى كان طريقاً إلى اكتشافها أهمية العامل الاقتصادى فى تأكيد إنسانيتها إلا أن اختيار المرأة لنوع العمل الذى تمارسه كان خاضعاً لإرادة الرجل، كما أن الأعمال النسوية المعروفة كانت قريبة من طابع الأعمال المنزلية والأسرية التى تتم داخل المنزل، بينما نجد الأعمال النسوية حالياً فى ظل التطورات الحديثة وارتفاع معدلات تعليم المرأة دخلت فى ميادين اقتصادية عديدة وغير تقليدية(6).
ومن خلال الدراسة التى أجرتها منظمة العمل الدولية لنحو (13) مدينة افريقية تبين أن الأنشطة الاقتصادية غير المسجلة فى الإحصاءات الرسمية، والتى تعبر عن القطاع غير الرسمى تتراوح من 40- 60% من قوى العمل الحضرى. ومن هنا جاء اهتمام الباحثين فى العلوم الاجتماعية عامة وعلم الاجتماع خاصة بدراسة القطاع غير الرسمى على مستوى دول العالم المتقدم خلال عقد السبعينيات ثم على مستوى العالم الثالث فى عقد الثمانينيات. وبالنظر إلى القطاع غير الرسمى بالمجتمع المصرى نجد أنه عبر تاريخه الطويل يؤدى دوراً فى دعم سياسات التنمية من خلال قدرته على *** العمالة وتوليد دخل وإتاحة فرص لتوفير السلع والخدمات التى تلبى حاجات المواطنين(7).
ومن ثم يمكن القول أن مشكلة الدراسة الراهنة تتبلور فى سؤال محورى "إلى أى مدى تساهم المرأة المصرية فى العمل بالقطاع غير الرسمى؟ وما هى أنماط الحراك الاجتماعى المتاحة أمامها من خلال عملها بهذا القطاع ؟
أهداف الدراسة وتساؤلاتها :
فى ضوء التحديد السابق لمشكلة الدراسة الراهنة تتحدد أهدافها كما يلى:
1- ما هى الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للنساء العاملات بالقطاع غير الرسمى بالمدن المصرية ؟
2- ما هى فرص الحراك الاجتماعى المتاحة أمام المرأة المصرية العاملة بالقطاع غير الرسمى الحضرى ؟
3- ما طبيعة الأعمال والأنشطة التى تؤديها المرأة المصرية فى القطاع غير الرسمى ؟
4- هل تؤثر الخصائص الاجتماعية الاقتصادية للمرأة المصرية العاملة فى القطاع غير الرسمى على فرص الحراك الاجتماعى المتاحة أمامها بهذا القطاع ؟
5- ما هى نوعية المشكلات التى تواجه المرأة العاملة فى القطاع غير الرسمى ؟


مبررات اختيار موضوع الدراسة الراهنة :-
1- الاهتمام بطرح قضية القطاع غير الرسمى بالمجتمع المصرى فى ضوء استعراض تاريخى واف.
2- أنه رغم كثرة الدراسات التى تمت على هذا القطاع، إلا أن الدراسات التى تناولت دور المرأة فيه لم تنل الخط الوافر.
3- الدور المتعاظم لهذا القطاع بالمجتمع المصرى والذى يزداد عاماً تلو الآخر، ومشاركته القوية فى تلبية احتياجات الأفراد والمساهمة فى تحقيق التنمية.
4- أن الدراسات التى تمت على هذا القطاع كان أغلبها من خلال المسوح الشاملة أو بالعينة، أو من خلال تحليل البيانات الجاهزة، وتفتقر هذه الدراسات إلى البيانات التفصيلية المتعمقة للعاملات بالقطاع غير الرسمى فى مصر.
منهاجية الدراسة :-
تعتمد الدراسة الراهنة على مبدأ التكامل المنهجى حيث تستخدم منهج ذو طبيعة كمية وهو المسح الاجتماعى بالعينة، ومنهج آخر ذو طبيعة كيفية وهو منهج دراسة الحالة الذى يمدنا ببيانات تفصيلية ومتعمقة عن حالات الدراسة، وذلك من خلال أدواته المعروفة كالملاحظة والمقابلات ودليل دراسة الحالة.
أدوات جمع البيانات الميدانية :
اعتمد الدراسة الراهنة على أداتى صحيفة الاستبيان بالمقابلة، ودليل دراسة الحالة، والذى يتم تطبيقهما على عينة الدراسة التى تنقسم إلى فئتين :-
أ- الفئة الأولى وعددها (300) من النساء العاملات بالقطاع غير الرسمى الحضرى بمدينة وطبق معهن استبيان.
ب- الفئة الثانية وعددها (10) حالة من اللاتى تم تطبيق دليل دراسة الحالة معهن، ويعملن بنفس المدينة سالفة الذكر.
ومن الأهمية بمكان الإشارة فى نهاية هذه المقدمة إلى عرض موجز للبناء الهيكلى للدراسة الراهنة، حيث بدأت بمقدمة منهجية للدراسة وإجراءاتها الميدانية، تناولت فيه الباحثة بأن العلاقة بين المرأة والعمل علاقة جدلية، حيث انتهت بتحديد مشكلة الدراسة الراهنة وعرض أهدافها وتساؤلاتها، وتوضيح مبررات اختيار موضوعها وبيان منهاجيتها وأدوات جمع البيانات الميدانية.
ثم تناول المبحث الثانى من الدراسة الراهنة، المفاهيم الرئيسية للدراسة من خلال عرض وتحليل لمفاهيم : الحراك الاجتماعى، القطاع غير الرسمى، عمل المرأة، ومفهوم النوع. وفى المبحث الثالث عرضت الباحثة بشكل تلخيصى نقدى للتراث البحثى السابق الذى يتناول دراستها من قريب أو بعيد مع التركيز على الدراسات التى لها صلة مباشرة بعمل المرأة بالقطاع غير الرسمى.
وبعد ذلك جاء المبحث الرابع لينقسم إلى جزئين، بدأ الأول منهما بعرض التوجهات النظرية للحراك الاجتماعى للمرأة، بينما عرَّج الثانى على تناول النماذج النظرية التى فسرت محددات دخول المرأة لسوق العمل بالقطاع غير الرسمى. بينما أشارت الدراسة الراهنة فى مبحثها الخامس لبعض المؤشرات الإحصائية لمشاركة المرأة المصرية فى سوق العمل مع الإشارة إلى عمل المرأة ببعض الدول العربية الأخرى.
وجاءت الخصخصة وعلاقتها بالنشاط الاقتصادى كمحور أساسى للمبحث الخامس اللدراسة، أعقبتها الباحثة بالمحور السادس الذى اتخذ من قضية العولمة مدخلاً له وكيف كانت لها تداعيات على النساء العاملات فى سوق العمل غير الرسمى. واختتم الإطار النظرى للدراسة الراهنة بعرض الآثار المترتبة على عمل المرأة بالقطاع غير الرسمى سواء كانت هذه الآثار مرتبطة بالمرأة ذاتها أو زوجها أو أولادها أو تؤثر على المجتمع ككل.
وأخيراً جاء الإطار التطبيقى ليشمل فى مبحثه الأول عرض تفصيلى للبيانات الميدانية سواء التى تم جمعها من خلال صحيفة الاستبيان أو التى جاءت من خلال دليل دراسة الحالة. بينما ركز المبحث الأخير على عرض النتائج النهائية للدراسة وإبراز توصياتها العامة.
المفاهيم الرئيسية للدراسة : عرض وتحليل(9)
1- مفهوم الحراك الاجتماعى : Social Mobility
إن الحراك الاجتماعى للمرأة يمكن أن يكون بمثابة المعيار أو المقياس عن حالة المجتمع، لأنه بمقدار ما تكون النظرة المجتمعية للمرأة حضارية ومتطورة، كلما كان المجتمع حضاريا ومتطوراً، والعكس صحيح تماماً مع ملاحظة أن التطور الاجتماعى لا يرتبط بالثراء والرفاه الاقتصادى فقط بل بالغنى الفكرى والإبداع الفنى والثقافى، إضافة إلى التطور فى التقاليد والموروثات مع مسيرة الزمن وتطور الحياة(8).
وهناك من يرى أن الحراك الاجتماعى هو انتقال الفرد إلى أعلى فى البناء الطبقى للمجتمع بما يتاح له من تنمية لقدراته واستعداداته وجهده الذاتى للحصول على مكانة وظيفية واجتماعية راقية داخل المجتمع، ومن ثم يصبح المجتمع مجالاً خصباً لحركة أعضائه(9).
كما يعرف الحراك الاجتماعى للمرأة بأنه عبارة عن التغيرات التى تطرأ على المركز الاجتماعى للمرأة ودورها الوظيفى، ومفاهيمها وحريتها الشخصية وصعودها أو نزولها على المستوى الأفقى أو الرأسى فى البناء الاجتماعى(10).
وتعرف الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) الحراك الاجتماعى Social Mobility بأنه عبارة عن الانتقال الأفقى ما بين أجزاء المجتمع الجغرافية، والانتقال العمودى على السلم الاجتماعى ما بين الوظائف والشرائح الاجتماعية دون وجود حواجز مانعة(11).
وكذلك يشار للحراك الاجتماعى بشكل عام بوصفه التحرك من فئة أو شريحة اجتماعية إلى فئة أو شريحة أخرى، ويكون هذا التحرك- عادة- من جماعة مهنية إلى جماعة مهنية أخرى. والحراك الاجتماعى يعبر عن ديناميكية المجتمع وتغيره واستجابته لكل التغيرات التى تحدث نتيجة تغير نوع العلاقات الاجتماعية وتقريب الفوارق الطبقية. وبناءً عليه فإن الحراك الاجتماعى يعبر عن عملية اجتماعية ينتقل من خلالها الفرد أو الجماعة من وضع اجتماعى معين إلى وضع آخر(12).
ويرى آخرون أن الحراك الاجتماعى عبارة عن نوع من التغير الاجتماعى الذى يصيب الأفراد فى وضعهم الاجتماعى، ويكون هذا التغير إلى أعلى أو أسفل، وهو نوع من الانقلاب فى الطبقات الاجتماعية والسلم الاجتماعى(13) وقد تمت صياغة مفهوم الحراك الاجتماعى فى إطار حركة الفكر الغربى الوظيفى، من خلال الثلث الأول من القرن العشرين، على يد العالم الشهير "سوروكين". حيث يرى أن الحراك الاجتماعى هو تحول يصيب فرداً أو موضوعاً اجتماعياً أو قيمة. وبعبارة أعم أى شئ أوجده أو شكله نشاط الإنسان من وضع اجتماعى إلى وضع اجتماعى آخر(14).
ويقصد "شبرد" بالحراك الاجتماعى انتقال بعض الأفراد أو الجماعات من طبقة اجتماعية إلى أخرى، أو انتقالهم داخل الطبقة الاجتماعية نفسها إلى شرائح مختلفة. وكذلك انتقال معظم أفراد الطبقة إلى وضع اجتماعى انتاجى آخر سواء كان ذلك صعوداً أو هبوطاً فى التركيب الطبقى للمجتمع(15).
بينما يعرف "هورتون" الحراك الاجتماعى بأنه عملية الحركة من وضع اجتماعى إلى آخر داخل البناء الاجتماعى، بمعنى تغير الوضع فى البناء الطبقى. وقد تكون الحركة فى مكانة الفرد أو الجماعة أو الفئة الاجتماعية ككل. ومن ثم فإن الحراك ما هو إلا عملية اجتماعية تشير إلى الحركة داخل البناء الاجتماعى(16).
2- مفهوم القطاع غير الرسمى : Informal Sector
من الملاحظ أن مصطلح القطاع غير الرسمى نادراً ما يتردد فى الخطاب السياسى، فى الوقت الذى يشيع تداوله فى بحوث الأكاديميين ودراساتهم. أما رجال السياسة فهم يستعملون مصطلحات أخرى مرادفة لهذا المصطلح مثل: "العمل الخاص، العمل الحر، الصناعات الصغيرة"، وكلها لا تخرج عن كونها أعمالاً يباشرها الأفراد فى إطار الاقتصاد غير الرسمى لملاءمته لقدراتهم المادية وإمكاناتهم التنظيمية(17).
ولقد ارتبط هذا المفهوم منذ ظهوره بالحضر، واعتبر ظاهرة مقرونة بارتفاع معدلات التحضر، والهجرة من الريف، ويعتمد هذا المفهوم على ازدواجية النشاط الاقتصادى فى دول العالم الثالث، وانقسام الاقتصاديات فى هذه الدول إلى قطاعين أحدهما نظامى والآخر غير نظامى. ومنهج الإزدواجية فى تحليل النشاط الاقتصادى كان سائداً فى نظريات التنمية الاقتصادية قبل استخدام مفهوم القطاع النظامى وغير النظامى بزمن طويل. فالنموذج الذى انتشر بعد الحرب العالمية، ذلك الذى قدمه Arthur Lewis” 1954" كان يقوم على التمييز بين قطاعين للنشاط الاقتصادى فى الدول النامية قطاع حديث وقطاع تقليدى(18).
ويعرف "جندلج" القطاع غير الرسمى بأنه الذى يضم منشآت تزاول أعمالاً خدمية، ولا يتوافر فيها تكنولوجيا. كما يضم الباعة الجائلين والخدم فى المنازل(19).
ويشير إليه "عبد الباسط عبد المعطى" على أنه عبارة عن مجموعة من النشاطات التشكيلية الاجتماعية والاقتصادية التى تهدف إلى تلبية حاجات هذه التشكيلة، وتنجز نشاطاتها من خلال منشآت تعمل على تخفيض تكلفة ومدخلات النشاط، والتحرر من القيود الرسمية، ويقوم بها أفراد يعملون لحسابهم أو من خلال أسرهم أو من خلال تلك المنشآت، وقد فرضت ظروف المجتمع على هؤلاء الأفراد الدخول فى هذا القطاع أو اختياره لاتساقه النسبى من ظروفهم(20).
ولقد وسعت بعض الدراسات من حدود القطاع غير الرسمى ليشمل أيضاً القطاع غير النقدى Non Monetary حيث يتم انتاج سلع وخدمات حيوية تستهلك مباشرة من خلال وحدة الإنتاج، أو يتم تبادلها بطريقة غير رسمية دون مقابل نقدى. بينما بذلت محاولات أخرى لتضييق حدود القطاع غير الرسمى، وإن كان ذلك يتم –أحياناً- بطريقة تعسفية، كأن تستبعد الأنشطة الزراعية من السياق الحضرى، أو تستبعد قطاعات الكهرباء والغاز والمياه والتأمينات وما يرتبط بها من خدمات، حيث تعد أنشطة تقع ضمن القطاع الرسمى بشكل عام(21).
3- مفهوم عمل المرأة :
يرجع الاهتمام بمفهوم عمل المرأة إلى بداية الثورة الصناعية، وذلك عندما بدأ عمال المصانع يضربون عن العمل نتيجة لإرهاقهم لساعات عمل طويلة وذات أجر محدود. وبسبب ذلك دخلت المرأة ميدان العمل لتغطى نقص الأيدى العاملة فى المصانع خوفاً من توقف العمل والخسارة المالية المترتبة على ذلك.
ولم يكن دخول المرأة لسوق العمل بقرار اتخذته بنفسها بل لواقع مجتمعى دفعها لاتخاذ مثل هذا القرار لإنقاذ تلك المصانع من الخسارة دون النظر لطبيعة المرأة وقدراتها والعبء الذى تتحمله من جراء ذلك(22).
4- مفهوم النوع Gender
إن مفهوم المرأة ذاته فى إطار النظريات الاجتماعية والسياسية الغربية قد تبلور فى صورة ما يمكن أن نطلق عليه الخطاب النسوى أو الاتجاه النسوى Feminism واتجاه النوع Gender ولقد تطور مفهوم النوع كأحد المفاهيم المحورية التى يمكن من خلالها فهم وتفسير دور ومكانة المرأة فى المجتمعات المختلفة لرصد مدى مشاركتها فى العملية الإنتاجية(23).
وقد ظهر مفهوم النوع فى الثمانينات كنموذج نظرى مسيطر، حيث يلقى هذا المنظور الضوء على عملية التكوين الاجتماعى للذكورة والأنوثة كفئتين متناقضتين مع وجود قيم غير متساوية. ويركز نموذج النوع على الكيفية التى تضفى بها أنماط معينة من السلوك والأدوار معانى نوعية معينة، وكيف يقسم العمل بشكل رمزى يعبر عن اختلاف النوع، وكيف تتنوع الأبنية الاجتماعية والقيم الخاصة بالنوع(24).
ولقد عرف "جون سكوت 1986 Joan Scott" النوع على أنه متغير بنائى فى العلاقات الاجتماعية يستند على الاختلافات القائمة بين الجنسين، وهو يمثل النواة الأولى فى تشكيل علاقات قوة محدد. وفى مقابل مفهوم النوع الذى يركز على الاختلافات بين الجنسين والتى تتشكل اجتماعياً، نجد مفهوم الجنس الذى يشير إلى الفروق الطبيعية، أى المرتبطة بالجوانب البيولوجية(25).
التراب البحثى السابق : عرض تلخيصى نقدى
ويأتى فى صدارة الدراسات السابقة المرتبطة بهذا الموضوع تلك الدراسة الميدانية التى أجريت عن طريق المسح الاجتماعى بالعينة بمدينة نيودلهى والتى هدفت إلى التعرف على الخصائص البنائية والسلوكية للعمالة فى قطاع الخدمات غير الرسمى، وجمعت بياناتها عن طريق صحيفة الاستبيان من عينة قوامها (289) مفردة سواء من خلال مقابلاتهم فى شوارع هذه المدينة أو من خلال التردد على منازلهم. وخرجت هذه الدراسة ببعض النتائج منها(26) :
- يهيمن المهاجرون من الريف إلى الحضر على القطاع غير الرسمى بهذه المدينة.
- أكثر من نصف المبحوثين يرغبون فى الالتحاق بعمل رسمى، ولكن لا يستطيعون الحصول عليه بسبب ضيق الوقت ولعدم وجود الروابط الاجتماعية والعلاقات الإنسانية التى تمكنهم من ذلك.
- يعتمد دخل المبحوثين بالقطاع غير الرسمى على عدد ساعات العمل الفعلية، وتنخفض دخولهم فى حالة المرض وقلة عدد هذه الساعات، وبالتالى لا يتمتعون بشبكة الضمان الاجتماعى مثل غيرهم الذين يعملون بالقطاع الرسمى.
واهتمت الدراسات التى ركزت على القطاع غير الرسمى على دراسة الباعة الجائلين والمرأة، وذلك باعتبار هؤلاء الباعة فئة مهمشة. أما دراسات المرأة فقد سعت إلى الكشف عن أنشطة المرأة فى القطاع غير الرسمى، وتأثير ذلك على دورها فى الأسرة، ومدى مساهمتها الاقتصادية بالنسبة لأسرتها. ومن أمثلة تلك الدراسات دراسة "إيفون جونز" عن : "الباعة الجائلون عام 1988"(27)، والتى انطلقت من نظرية الهامشية الحضرية حيث اعتبرت الباعة فئة مهمشة تعمل بذات القطاع، واعتمدت على المنهج الأنثروبولوجى وذلك من خلال دراسة الباعة الزنوج المقيمين فى إحدى المدن الأمريكية ويزاولون أنشطة تجارية ونقل وخدمات. وخرجت هذه الدراسة بنتائج هامة منها : أن الباعة فئة مهمشة تلتحق بالعمل طباعة جائلة أو ثابتة من أجل القوت اليومى، ولا يتطلب نشاطهم رأسمالاً كبيراً أو الاستعانة بآلات ميكانيكية ويخلق هؤلاء تنظيماً غير رسمى يتعاملون فيه مع سوق التجزئة، ولا يحصل أغلبهم على رخص لمزاولة عملية البيع، وبالتالى فهم يتهربون من الضوابط الرسمية ويساعدهم على ذلك ضعف سيطرة الحكومة على الأسواق.
أما الدراسات التى أجريت على المرأة فمنها دراسة "كارين هانسن Karen Hansen"(28) عن قضية "تطور القطاع غير الرسمى الحضرى عام 1980، ولقد اتبعت أيضاً المنهج الأنثروبولوجى لدراسة النساء العاملات بالقطاع غير الرسمى دراسة متعمقة فى إحدى ضواحى لوساكا بزامبيا. وتوصلت إلى ثمة عوامل اجتماعية واقتصادية تدفع بالنساء إلى العمل بالقطاع غير الرسمى، كما أن عملها داخل الوحدة المعيشية يمكنها من أداء أدوارها داخل الأسرة.
وتأتى ضمن هذه الدراسات أيضاً دراسة "عمر حلبلب" والتى أجراها بلبنان عن "دور المرأة فى القطاع الهامشى"(29) واستخدم فيها منهج المسح الاجتماعى من خلال تطبيق استمارة على (200) امرأة يعملن فى أنشطة هامشية فى لبنان مع اختيار الأسرة كوحدة إحصائية. ولقد طبق الباحث (100) استمارة على المدن الرئيسية، (100) استمارة أخرى على المناطق الريفية، وذلك بهدف التعرف على : الوضع الأسرى بشكل عام، وطبيعة عمل المرأة فى هذا القطاع والمشكلات التى تواجهها. ولقد أسفرت هذه الدراسة عن أن نسبة كبيرة من النساء يمارسن أعمالهن داخل المنزل بنسبة 54.5% وأن 37.5% يعملن خارج المنزل، وغالبيتهم من العاملات الزراعيات والخادمات اللائى يعملن فى المنازل والبائعات الجائلات. كما أن الدافع الأساسى لعمل المرأة فى هذا القطاع هو الحاجة للمال لسد أعباء الأسرة المادية نتيجة الإحساس بالمسئولية الأسرية.
أما دراسة "ت.س. بابولا فى الهند"(30) عن التمييز بين الذكور والإناث فى سوق العمل الحضرى. فلقد تمت فى أسواق العمل فى بومباى وأحمد آباد بالهند. وتلقى هذه الدراسة الضوء على قضية المرأة العاملة فى سوق العمل الحضرى فى البلدان النامية من خلال تلك الدراسة التى أجريت على اثنين من أكبر المراكز الحضرية فى الهند، معتمدة على المسوح بالعينة بـ(400) امرأة عاملة. وتشير الدراسة إلى أن نسبة النساء العاملات فى القطاع غير الرسمى فى الهند يصل إلى (94%) منهم (80%) يعملن فى الزراعة وتبلغ نسبة العاملات فى هذا القطاع بأحمد آباد (72%) من مجموع النساء العاملات، (28%) فقط فى القطاع الرسمى. كما أوضحت هذه الدراسة انخفاض مشاركة المرأة فى النشاط الاقتصادى، حيث يتميز سوق العمل الحضرى ضد الإناث أكثر من نظيره فى الريف، وأن الفرص المتاحة أمام المرأة تتركز فى القطاع غير الرسمى، وفى الأعمال منخفضة الأجر، وهى أعمال لا تتيح فرص لاكتساب المهارة اللازمة التى تمكنهم من الالتحاق بالقطاع الرسمى فى مرحلة لاحقة.
ومن الدراسات ذات الصلة المباشرة بالدراسة الراهنة تلك الدراسة التى أجراها "محمد إبراهيم منصور" عن "عمل المرأة فى مجتمع الإمارات التقليديى(31) والتى عرض فيها لقضية عمل المرأة باعتبارها من القضايا المجتمعية الهامة، وطبقت هذه الدراسة على عينة قوامها (139) من كبار السن عاصر مجتمع الإمارات التقليدى. واستعان الباحث بالمنهج التاريخى والوصفى وجمع بياناته الميدانية عن طريق المقابلة الموجهة. وتوصلت هذه الدراسة إلى أن عمل المرأة فى المجتمع التقليدى يدخل فى الأعمال الإنتاجية والخدمية فى آن واحد، وتعمل المرأة بمتوسط (8) ساعات يومياً. ومن الأعمال التى تقوم بها داخل المنزل تسويق المنتجات أو تسويق منتجات الفائض المنزلى، كما تمارس الحياكة وصناعة البراقع والقيام بتجفيف وتمليح الأسماك وصناعة الألبان ومشتقاته وتربية المواشى وصناعة التمور .. إلخ وكل ذلك بغرض تحقيق عائد اقتصادى للأسرة.
وتعتبر الدراسة الميدانية التى أجريت عام 1984 على أربعة أسواق بمحافظة القاهرة(32) وهى أسواق : عابدين- السيدة زينب- محمد قدرى- السيد عائشة، من الدراسات الهامة أيضاً والتى هدفت إلى التعرف على شكل الحياة فى أسواق الباعة الجائلين بمدينة القاهرة، وتقييم دورها فى تلبية احتياجات سكانها. ولقد طبقت هذه الدراسة على عينة قوامها (192) بائع متجول. وأظهرت هذه الدراسة أن معظم الباعة الجائلين من أهل الحضر وليس قرويين. كما أنهم راضون عن عملهم، حيث أن أموالهم المادية جيدة فى معظمها. كما توجد درجة عالية من التكامل بين هؤلاء الباعة والمجتمع المحيط بهم. كما أنهم يميلون إلى تكثيف العمل فى الأوقات التى يزيد فيها إقبال المشترين على الشراء من هذه الأسواق مثل يوم الخميس والأيام السابقة للأعياد والمواسم الدينية.
وتأتى دراسة "ليلى كامل البهنساوى"(33) عن "الأنشطة غير المنظورة للمرأة بالقطاع غير الرسمى الحضرى بمدينة القاهرة". وذلك بهدف مناقشة وتحليل أوضاع المرأة فى سوق العمل الحضرى غير الرسمى مع التركيز على الأنشطة غير المنظورة لإلقاء نظرة شاملة على أوضاع المرأة ومشكلاتها بهذا القطاع فى ضوء خصوصية المجتمع المصرى. ولقد استعانت الباحثة بمنهج دراسة الحالة بأدواته المختلفة كالمقابلة والملاحظة ودليل دراسة الحالة. وأجريت على عشرين حالة من السيدات اللائى يمارسن أنشطة غير منظورة بالقطاع غير الرسمى من أقسام متباينة بمدينة القاهرة، وهى : المعادى- البساتين- مصر القديمة- السيدة زينب- باب الشعرية- شبرا- حدائق القبة- الموسكى- حلوان- الخليفة. وخرجت هذه الدراسة بنتائج هامة من أهمها : أن 35% من الحالات كانت تمارس العمل بالقطاع غير الرسمى فى سن صغيرة (دون الخامسة عشرة)، وأن 7% من حالات الدراسة يلجأن لممارسة النشاط التجارى والخدمى باعتبارهمـا أسهل من الأنشطة الإنتاجية، كمـا أن غالبية الحالات ينتمين إلى الشـرائح الطبقية الدنيـا فى سلـم الترتيب الطبقى لشرائح السكان بمدينة القاهرة.
الحراك الاجتماعى للمرأة : قراءة للتوجهات النظرية
من الجدير بالذكر أن دراسة الحراك الاجتماعى تعد قضية ذات جذور سوسيولوجية وطيدة ترجع إلى كتابات كارل ماركس، وجون ستيورات ميل فى منتصف القرن التاسع عشر، وإلى الإسهامات الأساسية لكل من فلفريد وباريتو وبيترم سوروكين فى بدايات القرن العشرين(34).
ويمكن تحديد التوجهات النظرية لدراسة الحراك الاجتماعى للمرأة فى التوجهين التاليين :-
أ- اتجاه إحراز المكانة :
ويرى أنصاره أن مجال الاهتمام الأساسى لدراسة الحراك يكمن فى محاولة تحديد تلك الخصائص التى يتسم بها الأفراد الذين ينتهون فى المواقع الوظيفية المرغوبة، بقدر أكبر من المواقع ذات الجاذبية الأدنى. وتبحث هذه الدراسات تقليديا فى مدى اقتران المكانة المهنية الراهنة للأفراد بمكانة أسرهم الأصلية، عوضاً عن اقترانه بمتغيرات الإنجاز الفردى مثل الإنجاز التعليمى(35).
وينهض هذا الاتجاه على فرض مؤداه أن الأفراد يتوزعون على الأوضاع الاجتماعية وفقاً لبعد يتعلق بمكانة كل وضع منها، ويتأسس هذا البعد فى إجماع المجتمع ما يعد شرفاً اجتماعياً، وعن المهن التى تعد شريفة خاصة(36).
ومن أهم مزايا هذا الاتجاه الفكرى أنه فض الاشتباك بين بعض العمليات التى كانت تربط بين الأجيال. فعلى سبيل المثال درس الباحثون العلاقة بين تأثيرات تعليم الأب على الإنجاز المهنى للأبناء، وأوضحوا أن هذه التأثيرات متمايزة عن تأثيرات مهنة الأب على ذات المتغير. ولقد هوجم هذا الاتجاه النظرى بسبب أنه يرتكز على أن النظام الاجتماعى ينهض على قيم يجمع الناس عليها، وأن تدرج الهيبة هو دالة للإتفاق العام على صور التقويم الأخلاقية، ومن ثم فهو يعتبر امتداداً للنظرية الوظيفية فى تفسيرها للتدرج الطبقى(37).
ب- اتجاه التحليل الطبقى :
ويذهب أنصاره إلى القول بأن مقاييس المكانة الاجتماعية والاقتصادية التى تحتل مكانة القلب فى اتجاه إحراز المكانة تعانى من العديد من نقاط الضعف المنهجية التى لم يتم حلها. وأكثر نقاط الضعف أهمية هى أنه نظراً لأن هذه المقاييس تتكون من مؤشر مركب من الأحكام الشائعة حول الهيبة النسبية أو الوضع الاجتماعى للمهن المختلفة، فإنها ترتب مهناً ذات مواضع بنائية متباينة غاية التباين إلى جانب بعضها البعض، كما لو كانت ذات مستويات متماثلة فى مكانتها الاجتماعية والاقتصادية. فعلى سبيل المثال من الممكن أن يحصل العامل اليدوى الماهر على نفس درجة الهيبة التى يتمتع بها القائمون بالأعمال الكتابية أو أصحاب المحال الذين يعملون لحسابهم، أو أن يتم وضع الإشراف الإدارى كله فى مستوى واحد على المزارعين والمدرسين(38).
ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن هذا الاتجاه الفكرى ساهم فى طرح منهجيات جديدة، حيث ذهب المحللون الطبقيون إلى القول بأن الأساليب المنهجية للتحليل اللوغاريتمى الخطى تناسب بشكل أفضل بيانات الحراك الاجتماعى؛ نظراً لأنها تتطلب بيانات تراتبية حول التدرج الهرمى للمكانة من ناحية، ولأنها لا تسمح للباحثين بتحليل مصفوفة مقننة للحراك الاجتماعى. وبالرغم من أن المستويات المطلقة للحراك الاجتماعى قد ازدادت بالفعل بشكل كبير خلال نهاية القرن العشرين إلا أن فرص الحراك النسبى ظلت دون تغير يذكر خلال نفس الفترة، حيث أن اتساع الفرص عند القمة لم يفض إلى مزيد من المساواة فى الفرص المتاحة للوصول إليها، وذلك أن الزيادة النسبية فى الوظائف المتاحة للطبقة الوسطى الجديدة قد تم شغلها بواسطة أبناء الطبقات ذات المواقع المتميزة فى المجتمع(39).
المرأة وسوق العمل بالقطاع غير الرسمى : مقارنة نظرية
يمكن القول بأن المداخل الحديثة فى دراسة المرأة العاملة من حيث علاقتها بكل من سوق العمل والأسرة تأتى محصلة للعوامل الأساسية الآتية(40):
أ- تنامى النشاط العالمى للحركة النسائية فى ظل التبنى العالمى لقضية حقوق الإنسان فى الحياة والعمل والسياسة دون تمييز من أى نوع.
ب- النقد البناء للمداخل والنظريات التى حاولت الاهتمام بالمرأة فى الفكر السوسيولوجى ابتداءً بالاتجاه الوظيفى والاتجاه الماركسى الراديكالى حتى نموذج بنستون لقيمة استخدام المرأة فى سوق العمل.
جـ- ظهور مفهوم حديث للعمل وتغير دوره فى تحقيق التكامل الاجتماعى من خلال تعديل مواد قانون العمل للتغلب على التمييز فى فرص العمل.
ومما لاشك فيه أن الرؤية الدونية على التمييز والتفوق الذكورى على الإناث فإنها مبنية على ارتباط البشر المحتوم بطبيعتهم البيولوجية، تلك التى دعمت مقومات الثقافة الغربية خلال فترات نشأة وتطور النظام الرأسمالى، مؤكدة على تفوق الرجل ودونية المرأة، وهذه الثقافة فى الواقع اكتسبت دعائمها من موجة المد الحداثى فى هذه الفترات. ولقد أصاب هذه الرؤية فى الوقت الراهن العديد من ملامح التغيير، حيث تم رفض المنطلقات والمسلمات النظرية التى تؤكدها الرؤية الحداثية، وبدأت تظهر الرؤى النقدية التفكيكية الرافضة للمسلمات المميزة للرجل فى مواجهة المرأة وكذلك كل أشكال التمييز(41).
ولقد أشارت دراسات المرأة فى سوق العمل الرسمى إلى أن هناك اتجاهين نظريين مترابطين ومتداخلين، حيث يضم الاتجاه الأول الإسهامات النظرية التى تناقش أوجه العلاقة بين الأسرة والعمل، وينقسم هذا الاتجاه إلى ثلاثة مداخل أساسية فيدرس المدخل الأول تأثير الأسرة على أدوار المرأة فى سوق العمل، كمدخل التنشئة الاجتماعية ومدخل التحليل النفسى والمدخل البيولوجى ومدخل العمل ومدخل النوع والمدخل الوظيفى. ويحتوى المدخل الثانى على دراسات تهتم بتأثير الأوضاع المهنية والاقتصادية للمرأة فى سوق العمل على مكانتها وأدوارها داخل الأسرة مثل مداخل الانتماء والرضا عن العمل وتأثيره على الحصول على حقوقها المهنية. ويهتم المدخل الثالث بدراسة المجتمع كوحدة للتحليل فى تفسير الظواهر المرتبطة بعمالة المرأة، ومن أمثلة هذا المدخل، مداخل: التدرج، وتحقيق المكانة، ومدخل رأس المال الفردى. أما الاتجاه الثانى فيركز على أدوار العمل والتباين النوعى فى المهن بين الرجال والنساء، وكذلك على تركز النساء فى وظائف ومهن ذات مكانة مهنية متدنية وأجور منخفضة(42).
أما فيما يتعلق بالنماذج النظرية التى تلقى الضوء على وضع المرأة فى سوق العمل، وبخاصة فى القطاع غير الرسمى، فيعد الاتجاه النسوى من أبرز هذه الاتجاهات حيث انتقلت قضاياه للخطاب الدولى من خلال المؤتمرات الدولية التى اهتمت بقضايا المرأة. ومن هذه النماذج النظرية ما يلى :-
أولاً : النموذج التقليدى :
وهو يركز على التفرقة بين الذكر والأنثى فى سوق العمل غير الرسمى، حيث ينظر للمرأة على أنها عنصر وغير فعال اقتصادياً، ومن ثم تفضيل عمالة الذكور على الإناث. كما يشير إلى أهمية دور التنشئة الاجتماعية فى دعم التمييز بين النوعين فى سوق العمل.
ولقد تعرض هذا النموذج لكثير من الانتقادات، منها على سبيل المثال أن التمييز النوعى لا ينطبق على كافة الأنشطة فى القطاع غير الرسمى، وأن المرأة وإن مارست أنشطة لحسابها الخاص تتساوى مع الرجل، وأن هذا التميز يتوقف على نوع وطبيعة النشاط ومستوى المهارة والأداء والإنجاز الذى يحققه كل منهما(43).
ثانياً : النموذج الحديث :
ويرى أصحابه أن التمييز النوعى فى سوق العمل بالقطاع غير الرسمى هو نتيجة لعوامل العرض والطلب : وقد حاول ريتشارد أنكر وكاترين هين Richard Anker- Catherine Hen الكشف عن العوامل التى تؤدى إلى تفضيل عمالة الذكور على عمالة الإناث من خلال بحث أجرته منظمة العمل الدولية فى بعض دول العالم الثالث. وقد أرجعا سبب ذلك إلى عدة أبعاد لها دور هام فى التمييز بين النوعين منها : البعد الثقافى، والبعد القانونى، والبعد التنظيمى(44).
وعلى الرغم من الاختلافات فى الاتجاهات والمداخل النظرية التى تناولت قضايا المرأة فى سوق العمل الرسمى وغير الرسمى، إلا أن هذا الاختلافات قد تولد نتيجة للحركات النسائية التى ظهرت فى بداية القرن التاسع عشر والتطورات التى لحقت بها حتى القرن العشرين، وخاصة الستينيات منه. ففى أواخر الستينيات ظهرت حركة التحرير النسائى والتى يطلق عليها حركة التمركز حول الأنثى. ومن أمريكا انتشرت إلى أنحاء العالم الغربى ووصلت آثارها إلى عالمنا العربى. وقد ساعدت هذه الحركة على إبراز بعض قضايا المرأة المعاصرة والتعبير عنها بقدر من الصراحة والعمق، حيث أرجعت الفوارق الملحوظة بين مكانة الرجل والمرأة إلى عملية التنشئة الاجتماعية. فالخصائص البيولوجية من وجهة نظرهم تلعب دوراً محدوداً فى هذا الشأن. ومن ثم فإن مناقشاتهم لقضية المساواة تستند على اعتقاد بأن الاختلافات البيولوجية تنشأ عن الاختلاف فى الجنس بينما الثقافة من خلال عملية التنشئة الاجتماعية هى التى تخلق الاختلاف فى النوع، ومن ثم فهى تصنع النساء فى وضع ممارسة الأدوار والوظائف التى يضطلع بها الرجال(45).
كما نلاحظ أن النظرية النسوية Feminist Theory تنظر إلى المساواة بين الجنسين ليس لمجرد اسم شخص أو مكان أو شئ. فالجنس هو فعل لتحديد النوع. واختلاف نوع الجنس هو بسبب مجموعة الصفات التى تكونت اجتماعياً وحضارياً على أساس تحديد المولود ذكراً كان أم أنثى. فالبحث فى الوجود من وجهة نظرية المساواة بين الجنسين أو دراسة الوضع الذى نحن عليه يفترض أن عملية تحديد نوع الجنس لها جذور ترجع إلى حركة التنوير، وهى حركة فلسفية أوربية تزامنت فى القرن الثامن عشر الميلادى، وانتظم الفكر فى إطارها إلى ثنائيات مثل : (العقل، الجسد) (العام، والخاص)، (الطبقية، الحضارة)، (الفكر، العاطفة)(46).



مشاركة المرأة المصرية فى سوق العمل : مؤشرات إحصائية :
بالرغم من أن الاتفاقية رقم (5) لعام 1978م والصادرة بشأن عمل المرأة عن منظمة العمل العربية تشير فى موادها الأربع الأولى إلى ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة فى قضية العمل، إلا أن هناك فروقاً كبيرة بين التشريعات فى الدول العربية وبين الواقع المعاش بالنسبة للمرأة. حيث أن هذه المواد تقر بأنه(47) :
1- "يجب العمل على مساواة الرجل والمرأة فى كافة تشريعات العمل، كما يجب أن تشتمل هذه التشريعات على الأحكام المنظمة لعمل المرأة وذلك فى كافة القطاعات بصفة عامة، وعلى الأخص فى قطاع الزراعة".
2- "يجب العمل على ضمان تكافؤ الفرص فى الاستخدام بين الرجل والمرأة فى كافة مجالات العمل، عند تساوى المؤهلات، كما يجب مراعاة عدم التفرقة بينهما فى الترقى الوظيفى".
3- "يجب العمل على ضمان مساواة الرجل والمرأة فى كافة شروط وظروف العمل، وضمان منح المرأة العاملة الأجر المماثل لأجر الرجل وذلك عن العمل المماثل".
4- "يجب العمل على ضمان إتاحة الفرص للمرأة العاملة على قدم المساواة مع الرجل فى كافة مراحل التعليم، وكذلك فى التوجيه والتدريب المهنى قبل وبعد الالتحاق بالعمل".
وتشير تقديرات وزارة القوى العاملة والتدريب فى الدراسة التى أعدتها عام 1984 حول "عمل المرأة فى المستقبل أن نسبة الإناث من قوة العمل الإجمالية سوف تصل إلى 16.7% فى عام 2001م(48).
وبما أن الانخفاض النسبى للقوة الاقتصادية للنساء يعتبر من أكثر العوامل تأثيراً على عدم المساواة بين الجنسين، كما يعتبر عدم الاستقلال الاقتصادى عن الرجل السبب الرئيسى لتدنى وضع المرأة، فإن تغيير نسبة مشاركتها فى القوة العاملة يصبح المفتاح الرئيسى لتحسين مكانة المرأة وتمكينها من المشاركة فى التنمية الوطنية(49). ويوضح الجدول التالى نسب توزيع السكان ذوى النشاط الاقتصادى حسب أقسام النشاط الاقتصادى والجنس لعام 2005م بجمهورية مصر العربية(50).









جدول (1)
يوضح نسب توزيع السكان ذوى النشاط الاقتصادى حسب أقسام
هذا النشاط والجنس لسنة 2005م




حمل المرجع كاملاً من المرفقات