المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يمكن شراء السعادة بالمال؟ .. علاء البشبيشي


Eng.Jordan
03-20-2012, 03:11 PM
http://i3.makcdn.com/wp-content/blogs.dir//40897/files//2010/10/_1_1-300x294.jpg (http://i3.makcdn.com/wp-content/blogs.dir//40897/files//2010/10/_1_1.jpg)

عامل ***** فقير، اسمه "ماك ميتكالف"، ربح 65 مليون دولار في إحدى مسابقات اليانصيب، فانتقل فجأةً من فقرٍ مدقع، إلى ثراءٍ فاحش، بعد هذا التحوُّل المفاجئ، تَرَكَ ميتكالف عمله للأبد، وقضى وقتَه في شراء السيارات باهظة الثمن، والحيوانات الغريبة كالعناكب الأمريكيَّة والثعابين، لكن المتاعب لم تمهلْه كثيرًا، فقد وجـد نفسه مضطرًّا لسداد نصف مليون دولار لتسوية نزاع يتعلَّق بزواجٍ قديـم، كما سُرِقَ منه نصف مليون دولار آخر بينما كان مخمورًا، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تطور ليجد ميتكالف نفسه غارقًا في الإدمان، وتجتاحه الشكوك في أن كل من حوله يريدون قتله، وقد أتى تَليُّف كبده والتهابه ليقضي على بقايا حلمٍ لم يبدأ بعد، وهكذا توفي ميتكالف، عن عمرٍ يناهز 45 عامًا، بعد 3 سنوات فقط من تحقُّق حلمه بالفوز في مسابقة اليانصيب في 23 من يوليو عام 2000.
ذهب ميتكالف ولم يتبقّ سوى شاهد قبره، فهل استطاعت ملايين الدولارات أن تحقق السعادة المنشودة لماك ميتكالف؟ بالتأكيد لم تستطع، بل على النقيض من ذلك، ألقى كل من حوله باللائمة على المال في التسبب بقطف زهرة عمره.
صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت عن زوجته السابقة قولها: لو لم يربحْ ميتكالف في هذه المسابقة، كان سيستمر في عمله كالمعتاد، وربما كان سيتمكن من العيش 20 سنة أخرى، لكن حينما تُعطى هذه الأموال لشخص مثقل بالمشكلات، فإنها فقط تساعده على قتل نفسه".
سمعنا هذه الحقيقة آلاف المرات، "السعادة لا تُشتَرى بالمال"، لكن البشر على مرّ التاريخ لا يفتأون يناضلون من أجل تحصيله، وها هي أمريكا قد كافحت لتتربع على قمة الهرم الاقتصادي العالمي، وازداد ثراء الأمريكيين خلال العقود القليلة الماضية بصورة لم تشهدْها الأجيال السابقة، لكن الحقيقة المرَّة تقول: إنه بالرغم من ارتفاع مستوى معيشتهم، ما زال مستوى سعادتهم كما هو، لم يرتفعْ بعد، وربما انخفض!
فهل نعاني إذن من وهم جماعي؟
اللذة المفاجئة
ربما توقُّع اللذات يفسد طعمها، والتعب في تحصيلها يضاعف الاستمتاع بها، فبمجرد أن تتاحَ لك الفرصة لشرب أجود أنواع النبيذ الفرنسي، والسفر على متن طائرة خاصة، وتناول الـ فوا جرا (Foie Gras )، ومشاهدة لعبتك المفضلة من مقعدك بالمقصورة الرئيسيَّة، ورشف فنجان القهوة مع صديقٍ في ذاك المقهى الشهير، والسباحة في شمس يومٍ دافئ بعد أسبوعٍ مطير، وتناثر حلوى الشيكولاتة المليئة بزبدة الفول السوداني على منضدتك، بمجرد أن تتاح لك فرصة الحصول على ذلك كله ربما تخفت لذة الاستمتاع به، وقد أظهرت دراسة أُجريت على الفائزين بجائزة اليانصيب أن الأشخاص الذين ربحوا ما بين 50 ألفًا ومليون دولار (بالقيمة الدولاريَّة لسبعينيات القرن الفائت) كانوا أقل تأثرًا بملذات الحياة الصغيرة من هؤلاء الذين خبروها دون توقع منهم، بالطبع قد يكون لهذه النتائج تفسيرات بديلة: ربما تكون رؤية العملات الورقيَّة تثير اشمئزازنا (لارتباطها بالجشع أو ربما الجراثيم)، أو تُحَفِّز مخاوفنا الماليَّة، ولربما كان هذا الخليط من الشعور بالغثيان والقلق وعدم الارتياح كافيًا لإفساد شهيتنا والحد من قدرتنا على الاستمتاع بما توفره لنا الثروة، لكن برغم تلك الاحتمالات، أجد الفرضية التي طرحها الباحثون تفرض نفسها بقوة.
سحر الثروة
بالطبع يوجد محسنون من أمثال "وارين بافيت" و "بيل جيتس"، اللذَين تبرعا بمليارات الدولارات من صافي ثرواتهم، وجعلا العالم مكانًا أفضل وأكثر صحة وأمانًا، لكن، للأسف، هذان مجرد استثناء، فالعائلات الأمريكيَّة التي تجني 300 ألف دولار سنويًّا، يتبرعون فقط بـ 4% من دخلهم، لذلك لا تستغرب إذا عرفتَ نتائج تلك الدراسة التي أعدتها العالمة النفسيَّة "كاثلين فوهس" من جامعة منينيسوتا، وآخرون، وأظهرت أن الأموال لا تزيد البشر إلا حرصًا وعداءً وأنانية، ولا ترفع حاجبيكَ دهشة إذا قرأتَ التقرير الذي نشره فريق من الباحثين الدوليين في مجلة "سيكولوجيكال ساينس" العلميَّة، أغسطس 2010، وأكَّد أن الثروة ربما تمنحنا القدرة على شراء العديد من الأشياء، لكنها في نفس الوقت تعوق قدرتنا على التلذُّذ بها، ولا تعجبْ إذا صفعت قناعاتك نتائج تلك الدراسة التي أعدها باحثون كبار في جامعة لييج ببلجيكا، وأظهرت أنه كلما ازداد العمال ثراءً، كلما خفَّ استعدادهم لتذوق التجارب الإيجابيَّة في حياتهم، وحاول ألا يتدلى فكُّك السفلي إذا أُخبِرت بأن مجرد النظر لكومة من اليورو، توهن الرغبة في الاستمتاع!
إذا أردتَ نتائج أكثر وضوحًا، فعليك بالدراسة الثانية التي أعدها نفس فريق جامعة لييج؛ وشملت مشاركين تتراوح أعمارهم بين 16و 59 عامًا، حيث طُلِبَ من الجميع الإجابة على استبيان، أُدرِج لنصفهم وسطه صورة لعملة كنديَّة، وللنصف الآخر صورة لمشهد طبيعي، ثم قُدِّم للجميع بعدها ألواح من الشيكولاتة، ورغم أن الصورة المدرَجة لم تقتنصْ من المشاركين أكثر من لمحة خاطفة، فقد تركت تأثيرًا قويًّا على سلوكهم؛ حيث قضى من رأوا صورة الأموال وقتًا أقل في تناول قطعة الشيكولاتة، وصنفهم المراقبون بأنهم الأقلّ استمتاعا بها.
كيف يمكن تفسير هذه النتائج؟ يقول الباحثون: ربما تسمح الثروة للبشر بخوض أفضل ما تقدمه الحياة من تجارب، إلا أنها في نهاية المطاف تُقَوِّض قدرتهم على التلذذ بمتع الحياة الصغيرة.
السعادة خيار
إذا كان إحراز الثراء وجني الأموال يرفع سقف طموحاتنا، فهل يعني ذلك أن التلذذ بما نجنيه ضربٌ من المستحيل؟ ليس حتمًا، ففي رأيي أحد أكبر المفاهيم الخاطئة حول المال، أنه (ليس بإمكانه جعلنا سعداء)، فالمشكلة تكمن في كيفيَّة إنفاقه، لا مجرد جمعه، وها هي النصائح وبعض الطرق المجرَّبة:
* أنفق أموالك في نشاطات تساعد الإنسان داخلك على النمو (مثل تعلُّم مهارات جديدة)، وتُقوي تواصلك مع الآخرين (مثل تناول الطعام أو الخروج في رحلات مع زملاء العمل)، وتسهم في دفع مجتمعك للأمام (مثل جمع التبرعات وإطعام الجوعى والتصدق على الفقراء).
* أنفق أموالك لاكتساب الخبرات (مثل الخروج في رحلة تسلُّق، أو جمع شمل العائلة) لا لشراء الممتلكات الماديَّة.
* أنفق مالك لشراء الكثير من المتع الصغيرة (مثل تلقّي الزهور أسبوعيًّا، أو إجراء مكالمات هاتفيَّة لأصدقائنا المفضَّلين في الخارج) بدلًا من إنفاق الكثير لشراء متعة واحدة (مثل سيارة جديدة، أو شاشة مسطَّحة ضخمة).
* يمكن للمال أن يكون أكثر جدوى إذا أعطيتَ لنفسك الوقت الكافي للاستمتاع بما منحك إياه، (عطلة).
* استخدم المال لإسعاد الآخرين، تسعَد، يقول مارك توين: إذا أردتَ إدخال السرور على قلبك، فأدخله على قلب شخص آخر (حينها ستعرف كم تساوي بسمة شخص قدمتَ له يد العون).
* وفِّق بين إجمالي عاداتك وصافي دخلك؛ فثم المشكلة.
* السعادة خيار، فاتخذ خيارك تسعد، يقول عملاق الرواية الروسي "ليو تولستوي": إذا أردتَ أن تكون سعيدًا، فكن.
* أولئك الذين يعتقدون أن المال بإمكانه شراء كل شيء، مستعدون لبيع أي شيء في سبيل الحصول عليه، فاحذر أن تكون منهم.
* ضع المال في جيبك لا قلبك، وإلا فإهلاكه خير من إمساكه، يقول جون ويسلي: حينما أحصل على المال، سرعان ما أتخلص منه؛ خشية أن يجد سبيلًا إلى قلبي.
إذا كان ما سبق (من آراء ودراسات وأبحاث وتجارب) يعدُّ دليلا على أن المال –في ذاته- ليس جالبًا للسعادة، يتضح أننا لا ننظر للمشكلة من زاوية صحيحة، فالمال وسيلة وليس غاية، ولا يلزم أن يكون موجودًا لتحصل السعادة، يقول ليو بورمانس، صاحب كتاب السعادة: "لقد اعتقدنا أنه لو كنا أكثر ثراءً، سنكون أكثر سعادة، ولكن هذا ليس صحيحًا" في المقابل يحقُّ لنا جميعًا أن نحزن ونتألم، لكن الأمر يدور حول ما إذا كان بالمستطاع أن نقتنع بالحياة التي نعيشها وما تقدمه لنا، إنه الرضا: إكسير السعادة *****ي.