المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لورانس العرب.. سلالة الـ «فيلوسيميتزم» وخديعة «سايكس- بيكو» المزدوجة


Eng.Jordan
03-20-2012, 03:23 PM
فتى بريطانيا «الأسطوري» نجا ميتاً من مغبة الاختيار بين «العرب واليهود»

http://www.annaharkw.com/annahar/Resources/ArticlesPictures/2011/05/13/3f5251da-4003-478b-af8e-716bb617d544_mainNew.jpg لورانس العرب مع ممثلي عشائر عربية قبيل تحرير «العقبة» ترجمة شاهر عبيد
حين تسير الحقيقة على قدمين فلابد للتاريخ ان يشرع أبوابه لها، لاسيما عندما تكون هذه الحقيقة متعلقة بحياة مجتمع أو شعب بأكمله، ولكن هذا القول الذي نسجله هنا يصعب تحقيقه في الواقع حين يتعلق الأمر بشخصية قلما عرف التاريخ مثل دهائها ومراوغتها، وهو تي إي لورانس المعروف بلقب «لورانس العرب».

وقد كان لورانس أحد أفضل من أنجبتهم بريطانيا وأسوأهم في الوقت عينه، فقد يصدق وصفه بالشريد والمنتصر معا، البطل والمهرج، الباحث والجندي، الفيلسوف والساذج، الطفل والرجل الكبير، وفي مختلف هذه الأدوار لعب دورالمراهق الشغوف، وربما نتجرأ ونقول انه أهم عقلية مراهقة في العصرالحديث، من بين الأفذاذ المعروفين لنا على الأقل.

اسم هذا الرجل كان الكولونيل توماس لورانس وهو الاسم الذي كان يوقع كتبه به، كما عرف باسم جون هيوم روس وكذلك تي. إي. شو، وهما اسمان عسكريان استعارهما للتستر تحتهما خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وهذا بحد ذاته يؤكد ما قلناه عنه من دهاء غير معهود في شخص واحد، ومن واجبنا ملاحظة انه حتى عندما يستخدم هذه الاسماء فانه كان ينتقيها لابعاد شبهة التبجح عنه والظهور بمظهر طالب الشهرة. ومما لاشك فيه ان لورانس لم يعرف عنه انه محب للوهم في سلوكه الجامح، فقد كان ذلك من قبيل التصرف الواقعي، لانه تمكن من التحول الى نموذج فريد، الى طائر مغرد وغريب الأطوار فحقق كل ما أراد ان يحققه، ولهذا السبب وصفه ميشيل كوردا في السيرة الذاتية التي كتبها له مؤخرا بانه «لورانس العربي» قاصدا انه ذلك الرجل الغريب ذو القامة القصيرة التي حجبت جميع معاصريه او ذلك «القزم العجيب والأقرب الى عالم الأوغاد، لكن مع مسحة من العبقرية» بتعبير أحد رفاقه العسكريين، فماذا عسانا نحن في نهاية المطاف ان نقول عن جندي محترف الى درجة الكمال، جندي معوّق نفسيا الى حد انه كان يستأجر رجالا ليقوموا بضربه بقسوة وذلك بعد عودته الى بريطانيا، وحتى خلال كتابته لرائعته النثرية، كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» الذي يعدّ أطروحة متكاملة حول الثورة العربية، فانه كان عبقريا بحق، في وصف حقبة الحرب العالمية الأولى.

بعد فشل الهجوم المباشرعلى الامبراطورية العثمانية خلال حملة «غاليبولي» سنة 1915 اعتبرت القيادة البريطانية العليا ان الشرق الاوسط يمثل عملية إلهاء لابعاد النظرعن الحرب الدائرة في فرنسا وان الانتفاضة العربية ضد العثمانيين هي إلهاء اضافي «عمل جانبي على هامش عمل جانبي آخر» كما قال أحد المسؤولين يومها، لكن بمساعدة الصحافي الأميركي الساخر لويل توماس استطاع لورانس تحويل الثورة العربية الى محطة رئيسة جذبت أنظارالعالم للتفرج على العرب الثائرين على الأتراك عبر الصحراء.

وفي تلك الأيام لم يكتب لورانس كتابه ذاك بشكل متعمد «لانه لورانس «وفضل تحمل المعاناة لاستخلاص الدروس والتلهي به وحتى استبعاده من رأسه ليعود الى التركيز الكامل عليه، وقد كتب مسودة الكتاب مرات عدة احداها بعد ان فقده في محطة القطار وهو حادث يؤكد على الازدواجية النفسية التي كان يعاني منها قبل ان يتم طبع الكتاب أخيرا سنة 1922، بطبعة من ثماني نسخ، وقد اقتنع لورانس فيما بعد، بتأثير واضح من بعض أصدقائه، وفي مقدمتهم صديقه الشاعر روبرت غريفز بان من واجبه نشر كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» على نطاق واسع ولذلك عمد الى اختزاله الى حدود معقولة واعادة طبعه في العام 1926 بطبعة خاصة لبعض الذين يطلبونه.

على ان فكرة نشر الكتاب على نطاق واسع كانت تعني طباعة مئتي نسخة منه، حيث باع مئة نسخة منها بمبلغ 30 جنيها للنسخة الواحدة مع العلم ان الصوروالتعليقات الضرورية على الكتاب وتجليد نسخة كلفته ضعف هذه المبالغ تقريبا. وكاد يؤدي هذا العمل الى افلاسه ماديا بشكل فعلي، وبالتالي فقد اضطر لورانس الى القيام بما كان يتوجب عليه ان يفعله منذ البداية أي انجاز طبعة مختصرة منه لبيعها للقراء، حيث ظهرت هذه الطبعة في العام 1927 تحت عنوان «ثورة في الصحراء» وهي ايجاز لعمل كتابي موجز من قبل، كما أشار الكاتب الساخر جورج برناردشو قائلا بتهكم عنه انه «ايجاز الايجاز» وقد لاقى هذا الكتاب رواجا هائلا واستثنائيا، مكن مؤلفه (لورانس) من تسديد كل ديونه السابقة بل وأدى به الى التخفي عن الأنظار مرة ثانية داخل القوات الجوية الملكية والعمل ميكانيكيا تحت اسم مستعار.

من الواضح ان هذا السلوك أشبه بألعاب السيرك، التي تعكس صبيانية لورانس الابن غير الشرعي لاحد الارستقراطيين وبذلك فقد تفوق على شهرة والده، لكنه لم يستطع التغلب على مشكلة نسبه وكان لورانس قائدا بالفطرة ومحبا للعزلة، والده أراد له ان يكون نبيلا ومثقفا تبعا لميوله لكنه كشف عن نوازع عداونية وكما فعل اللورد بايرون (الشاعر المعروف) خلال ثورة اليونانيين ضد الأتراك في القرن التاسع عشركذلك أظهر لورانس توجها حقيقيا للثورة التي تراود عقول الحالمين أحيانا، وتفهما أكثرمن معاصريه لما يمكن تحقيقه بالمال والسلاح، وكذلك أظهر بعض الوحشية التي يبتلى بها هؤلاء الحالمون، حين سمح للقوات العربية قتل السجناء الأتراك.

وفي كثيرمن الأحيان بدا انه يعيش خارج عصره وتشير تقاريرمن الجبهة الغربية (معارك يبريس، فردون، باشنرايلي) الى سقوط الآلاف المؤلفة من القتلى والمصابين والمفقودين من أجل الاستيلاء على قطعة أرض، وخلال الشهور الأربعة من عام 1916 الحملة «سوم» لم تتقدم قوات الحلفاء سوى سبعة أميال لكنها تكبدت 420 ألف ضحية من البريطانيين ومئتي ألف فرنسي ونصف مليون ألماني، ومع ذلك كان لورانس يملأ ملفاته بالتقارير الواردة عن المعارك التي جعلها تبدو معارك انتصار، كأن يقول: مقتل 300 تركي وسقوط مدينة، بينما يكون الثمن هو خسارة رجلين من البدو، وفي احدى رسائله الى صديق له كتب عن معركة جرت سنة 1917 للاستيلاء على سكة حديدية ما يلي: «استغرق الهجوم عشر دقائق، فتكبدوا سبعين قتيلا وأصيب ثلاثون اضافة الى أسر ثمانين جنديا» بينما تكبدت قواته العربية اصابة واحدة، علما انها هربت بعد وصول قوات نجدة تركية ويضيف هو» فقدت بعض المتاع وكدت أموت أنا شخصيا، وقد أصبحت لا أطيق هذه اللعبة التي تفقدني صبري وتنغص عليّ حياتي.. لعبة القتل ثم القتل المروع للأتراك». وكان هو كقائد قادرا على تخطيط استراتيجية شاملة، وقد أصيب بمرض الزحار في العام 1917 لكنه بقي قادرا على التخطيط الكامل مع الملك فيصل للمعارك وتقضي خطته بالبدء في التخلي عن الخطة العربية السابقة لاخراج الأتراك من المدينة وسواها من المدن هناك، ورأى لورانس ان النجاح الفعلي للثورة العربية يعود الى اجبار الأتراك على الجلاء عن المدن الشمالية مثل القدس ودمشق، ولهذا بدأ سلسلة معاركة بهجمات خفيفة على محطات السكك الحديدية والتلغراف والمخافر الصغيرة لاجبار القوات التركية على الانتشارعلى مساحة كبيرة في المنطقة وتنبيه القبائل العربية الى شخصية الملك فيصل المداعية للتوحيد بينهم وبعد ذلك خطط للاستيلاء على ميناء العقبة لاستقبال القوات البريطانية وصولا الى بناء جيش قوي وطرد القوات التركية الى بلادها.

لكن هذا الرجل كان قادرا على عمل المزيد ففي شهر فبراير 1918 استطاع توريط القوات العربية في معركة عادية جرت عند قرية الطفيلة ووصف المؤرخ باسيل ليديل هارت تلك المعركة بانها «رائعة»» لانه جرى خداع القوات التركية لحفر خنادق هناك بينما هوجمت من الجانبين بقوات عربية، ذلك أدى الى مصرع 400 جندي تركي وأسر أكثر من ستمئة مقابل نحو أربعين جنديا من القوات العربية.

ولاشك في ان لورانس كان شجاعا وقويا ما مكنه من حسن قيادة القوات الصغيرة لديه، وقد ضايقه سماع أنباء عن اتفاق «سايكس- بيكو» القاضي بتقاسم المنطقة العربية بين فرنسا وبريطانيا ونظرا لطبيعته الحساسة فهم انه يجري تلويث سمعته بهذا الكذب البريطاني على العرب فيما وعدوهم به من الاستقلال، وكتب» لم أعد أتحمل البقاء ليوم واحد هنا، وسأتوجه شمالا» وفي رسالة بعثها لصديق قال «قررت الذهاب بمفردي الى دمشق علني أقتل في بعض الطريق» في محاولة لوقف هذا التردي، مضيفا «اننا ندعو العرب للقتال الى جانبنا كذبا، وهو ما لا أتحمله».

لهذا ترك قواته وراءه وقطع مسافة 300 كيلومترا خلف الخطوط التركية، وقام بتجنيد قوات صغيرة من أبناء القبائل المحلية في لبنان وسورية للاغارة على الجسور والسكك الحديدية وللتحريض على الثورة ضد زعماء العشائرالموالين للدولة العثمانية، وكان عمله أهم محاولة فردية خلال الحرب، رغم خطورتها التي لا يتقبلها سوى شاب متحمس، وقال في كتابه «في تلك الأثناء كانت الاصابة بجروح بالنسبة لي تمثل مخرجاً لي للتنفيس عن مشكلاتي الداخلية».ثم حدث احتلال العقبة وتوسيع الثورة ووقوعه في الأسر وتعرضه للضرب في درعا في حين كان مع قواته يستكشف مواقع السكك الحديدية. وربما تعرض للاغتصاب ايضاً وسماع ألفاظ نابية كما روى بعد سنوات.وكانت مدينة القدس سقطت قبيل عيد الميلاد سنة 1917 فدخلها لورانس دخول المنتصرعن طريق الجنرال ألنبي. وبعد تأخير دام أشهراً عدة (حيث تم ارسال مابين 60 - 90 عسكرياً بريطانياً إلى فرنسا بعد تسريحهم) قام الجنرال ألنبي بهجوم في غزة.

وبدأ العمل مع لورانس، حيث قاد قواته يوم 17 سبتمبر وهي عبارة عن وحدتي هجّانة وعدد من الرماة مع وحدة مدفعية وهاجم محطة السكك الحديدية التركية في درعا.وقد استخدم الجنرال ألنبي القوات الجوية لتدمير الخطوط العسكرية التركية المؤلفة من الجيش السابع خلال ساعة.وتتالت الانتصارات على الأتراك حتى سقوط دمشق في مطلع أكتوبر واستسلام الحكومة العثمانية أمام القوات البريطانية في 31 أكتوبر.ولكن لورانس لم يحضرتلك النهاية ذلك أن بريطانيا أرسلت خلفه بعد يومين فقط من سقوط دمشق، فلم يتمكن من مشاهدة الذي حدث للقوات التركية وللأمبراطورية. ومع ذلك فإن أقل ما يمكن قوله عن تلك المرحلة هوأنها لاتزال أحداثها محاطة بالضبابية لتأتي كل الأدبيات والوثائق لاحقاً ومنها فيلم ديفيد لين (1992) الملحمي وليصبح لورانس بطلاً لرواية ميشيل كورد الجديد بعنوان «البطل: حياة لورانس العرب وأسطورته» وفي السنوات الأخيرة راجت بين المؤرخين نزعة لاستعادة هذه الشخصية، ولا أحد يدري بدقة ما هي دوافع ذلك. صحيح أن الرجل كان بطلاً في البداية لكن من الصعب التسامح مع فكرة البطولة هكذا ولكن البعض يريد تذكيرنا ببطولات لورانس وإنجازاته، ومنهم كودرا.

وقد عمل كودرا لفترة طويلة رئيس تحرير في مطبعة «سيمون آند شوستر» وهو ابن شقيق المهاجر الهنغاري ألكسندر كودرا الذي أسس صناعة السينما البريطانية، واحتكر انتاج الفيلم «لورانس العرب» وكما في كتبه عن غوليس غرانت ودوايت إيزنهاور أظهر كودرا إعجابه بالنجاح العسكري.ومع أنه ليس مؤرخاً محترفاً لكن سيرته عن «وعد بلفور» والتحركات التي أدت الى قيام الدولة اليهودية في فلسطين لايخلو من الشكوك.ولابد من الإشارة الى أن الجزء الأخيرمن كتابه يضع لورانس في مصاف القديسين لدوره في منطقة الشرق الأوسط.

الحقيقة ان هذا التصريح غريب لأن مؤلفه كودرا يدرك جيداً ان ذلك الجزء من مشكلة المستقبل الخاصة بهذا الرسم المتجني لتركة الدولة العثمانية جعلت الثروة تتركز أماكن الاحتياطيات النفطية. في حين بقيت المجتمعات المتطورة والمتعلمة والمزدحمة بالسكان في المنطقة مثل مصر وسورية والأردن ولبنان تعاني من الفقر ونقول إن لورانس لم يستطع إدراك هذه الحقيقة قبل حدوثها ولهذا يجب على المرء أن يتوقف كثيراً عند رأي كودرا حول هذه الموضوع بشأن لورانس.

الحقيقة أن لورانس كان هو ذاته بكل بساطة. ولانعتقد أن أحداً غير لورانس العرب بما حقق من صيت كبير كان يمكن أن يرغم الأمير فيصل والصهيوني حاييم وايزمان على الجلوس معاًَ في يناير سنة 1919، ويوقعا اتفاقية (صاغها لورانس نفسه) لتشكيل حكومة عربية يهودية في فلسطين؟ ثم من غير تي إي لورانس كان بإمكانه تحقيق إنجاز هائل مع أن استكماله لم يحظ باهتمام قوات الحلفاء حين جلسوا معاً لاقتسام الشرق الأوسط فيما بينهم؟

ولعل أفضل طريقة لفهم هذا الرجل، هي باعتباره سليل المدرسة البريطانية النموذجية إلى حد بعيد في تلك الأيام، وانه غير نموذجي فيما يتعلق بنقائه المطلق، لافي مجمل انجازاته اللازمة لإكمال ما تحتاج إليه تلك المدرسة. وكما قال إدمون ويلسون ذات يوم، فإن التربية التي وفرها عصر «الإدوارديين» للبريطانيين (حيث كان لورانس يدرس في مدينة أكسفورد كطالب في المدرسة الثانوية للبنين قبل أن يدخل جامعة أكسفورد في العام 1907)، هذه التربية إنما كانت تهدف الى تحقيق غرضين مهمين لا ثالث لهما، وأعني تخريج أبناء من طراز كلاسيكي وإنجاب قادة للأمة البريطانية. وإذا طبقنا هذه المقولة على تي إي لورانس لرأينا ان هذه التربية حققت أهدافها من نظامها التربوي، وهو ما شكل لب المشكلة؟

لاريب أن لورانس حصل على ثقافة «سكولائية» كلاسيكية وكانت نظريته من خلال البحث الذي قدمه لأول مرة ونال عليه درجة امتياز حول موضوع القلاع الصليبية، قد شكلت ركناً أساسياً في حياته العملية تحقق له في صيف 1909 وذلك بعيداً عن القارة الأوروبية بنحو ألف ميل. وقد كان سريعاً وعملياً في استيعاب اللغات، كما قطعة الاسفنج. وهكذا تعلم اللغات الفرنسية والألمانية والعربية والتركية واللاتينية ولغة الأغريق القدماء (ومن ذلك أنه ترجم ملحمة الأوديسة لهوميروس سنة 1932 بأسلوب إبداعي حقاً) كذلك استثمر كل مواهبه وملكاته خلال السنوات التي سبقت الحرب التي اندلعت سنة 1914، حيث كان عمره 26 سنة للعمل في علم الآثار فكان خبيراً عبقرياً في هذا المجال ايضاً.

على كل حال لقد تلقى لورانس تعليماً مدرسياً مضبوطاً كما عرف عن بريطانيا في تلك الأيام. ومن حيث المبدأ، لقد استخدمت أكاديميات ومدارس بريطانيا النظام المسيحي في التعليم لتبني عليه نموذجاً استشراقياً حديثاً لايزال قائماً حتى يومنا هذا ومن ذلك أن البحث في علوم الإنجيل لايزال يشدد على الاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط لكن مع رفض التعاليم المسيحية التي كانت سبباً في التأكيد على أن تحل محل النظام التربوي وتطبق على المجتمعات غير المؤمنة بتلك التعاليم.واتضح ان ذلك في نهاية المطاف هو ضرب من التوجه نحوالثقافة العربية في أصولها والاهتمام بالأصول السامية «فيلوسيميتزم» وتاريخها التي غمرت الجامعات البريطانية وتسللت من خلال هذه الجامعات الى مكاتب وزارة الخارجية البريطانية.

وقد لقي لورانس حتفه في حادث اصطدام وهو على دراجة نارية العام 1935، وعاش بما يكفي في حرية قبل ان يرغم على الاختيار بين العرب واليهود وإلى حد بعيد قبل ارغامه على الاختيار بين ان يخدم بلده بريطانيا وبين مساعدة العرب. ولكن الفيلم الذي أنتجه ميشيل كودرا عنه لم يوفق في فهم أفكارلورانس فيما يتعلق بالشرق الأوسط باعتبار هذه المنطقة تمثل أكثر من مجرد دائرة للفكرالبريطاني الذي يدعو في هذه الأيام الى الدفاع عن مقاطعة اسرائيل. ولهذا السبب نقول ان تطور هذا الرجل النفسي كان جزءاً من تدريبه الفكري. وفي كلا الحالين أثبت انه ابن بيئته الزمانية والمكانية. لقد اتجهت بريطانيا الى توجيه البريطانيين في لحظات ذهبية إليها، ولكن الالتفات الى الخلف يعني الادراك بأن تلك اللحظات مثلت الذرى العليا والسفلى لمرحلة الشباب، وليس لحظات النضج الثابت التي يطمح إليها المرء، ولاشك في أن لورانس كان شخصية عظيمة. وفي لحظات الأزمة أثبت أنه كان بطلاً. ولكن سيرته الذاتية بما فيها ما كتبه كودرا أخيرا تنتهي دوماً نهاية حزينة بعض الشيء. وقد كان لورانس شجرة خضراء علت أغصانها في سنواتها الأولى بشكل غير عادي وأصبح يصعب قطعها كان فتى رائعاً وبقي كذلك دون أن يعرف كيف يكون رجلاً ناضجاً.

بوليسي ريفيو

المصدرhttp://www.annaharkw.com/annahar/Article.aspx?id=272016