المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السلطان الغازي مراد خان الرابع


عبدالناصر محمود
11-17-2015, 08:50 AM
السلطان الغازي مراد خان الرابع
ــــــــــــــــ

(د / أحمد عبد الحميد عبد الحق)
ـــــــــــــــ

5 / 2 / 1437 هــ
17 / 11 / 2015 م
ـــــــــــ


http://t1.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcQw7mvCogAG5nBOKoRKkcPHdYBK_q-i5MMRfX1obeqQ7BhjaZMC2G0W0aE


هو مراد بن أحمد بن محمد بن مراد بن سليم بن سليمان بن سليم بن بايزيد بن محمد الفاتح ، يُعدّ من كبار سلاطين الدولة العثمانية، وقد نجح في إعادة النظام إلى الدولة، وأعاد الانضباط إلى الجيش، وأنعش خزانة الدولة التي أُنهكت نتيجة القلاقل والاضطرابات، ومدّ في عمرها نحو نصف قرن من الزمان وهي مرهوبة الجانب، قبل أن تتناوشها أوروبا بحروبها المتصلة.

وأعاد إلى حوزتها كثيرا من المناطق التي أخذها شاه فارس من أبيه .. وكثر الإعمار في عصره حتى قيل إنه استلم الخزينة عند ارتقائه العرش فارغة وتركها مملوءة عند وفاته .. كان عاقلاً شجاعاً ثاقب الرأي ، استأصل الفساد وقمع العصاة، حتى لقب بمؤسس الدولة الثاني لأنه أحياها بعد السقوط ، وأصلح حال ماليتها ، وبالإضافة إلى ذلك فإنه كان يتسم بالقوة حتى حكي إنه طعن درقة نحو إحدى عشر طبقة بعود فثبت فيها ، وأرسلها إلى مصر ، وكان بها العسكر المملوكي المشهورون بالقوة ، وجعل مكافأة لمن يقدر على نزعها ، فلم يقدر على ذلك أحد .. وكان يباشر الحروب بنفسه، ويخالط جنوده، وينام أحياناً في الغزوات على حصانه..


ميلاده :


ولد مراد الرابع في 28 جمادى الأولى سنة 1018هـ الموافق 29 أغسطس سنة 1609 م ، وقد توفي أبوه وهو صغير فقامت أمه على تربيته وتنشئته ، وصارت توجهه التوجيه الرشيد ، ورجت له أن يكون من الرجال المعدودين فكان كما أرادت له .


ولايته للسلطنة والمصاعب التي واجهته:


تولى مراد الرابع السلطنة في منتصف ذي القعدة عام 1032هـ ، وهو في الرابعة عشر من عمره ، وصارت أمه نائبة عنه ، وقد واجه مع بداية ملكه عدة صعاب منها :


ـ تمرد فرق الانكشارية التي صارت تعبث بمصالح البلاد العليا، وتعيث في الأرض فسادًا، حيث كانوا قد ثاروا من قبل على السلطان عثمان الثاني وعزلوه ، وأعادوا مكانه السلطان مصطفى الأول ، ولم يكتفوا بعزله بل هجموا عليه في سراياه ، وانتهكوا حرمتها ، وقبضوا عليه من بين جواريه وزوجاته ، وقادوه قهرا إلى ثكناتهم ، موسعينه سبا وشتما وإهانة مما لم يسبق له مثيل في تاريخ الدولة العثمانية..


وقد كانت تلك الصورة حاضرة في ذهنه عندما صعد لكرسي السلطنة ، فلم يحتك بهم وصبر عليهم لعجزه عن كبح جماحهم ، خشية أن يفعلوا به ما فعلوه بسلفه ، وظل يتحين الفرصة التي يجد فيها المقدرة على الفتك برؤساء الفتنة منهم ..


ـ تجرؤ الولاة على التمرد على سلطة الدولة ، فقد أشهر والي طرابلس الشام استقلاله، وطرد جنود السلطان من ولايته، وفعل الشيء نفسه والي "أرضروم"، واستولى على أنقرة ، وصادر إقطاعيات الجيوش العثمانية بها.


وانتهزت الدولة الصفوية هذه الفوضى التي عمّت الدولة العثمانية فاستولت على بغداد، وأذلت أهل السنة بها وعمل بهم واليها الأفاعيل ، وحاولت الحكومة العثمانية أن تستردها، فبعثت جيشًا يقوده الصدر الأعظم "حافظ باشا" فحاصر المدينة في (1033 هـ= 1624م) وضيق عليها الخناق، ولكن دون جدوى فتذمّر الانكشارية، وأجبروه على رفع الحصار والعودة إلى الموصل، ومنها إلى ديار بكر، وهناك ثارت عليه الانكشارية، فعزله السلطان حتى تهدأ الأوضاع، وعين مكانه "خليل باشا" الذي سبق أن تولى هذا المنصب قبل ذلك، لكنه لم يستمر طويلا، وخلفه "خسرو باشا" في سنة (1035هـ= 1627م).


وبعد تولّيه الصدارة اتجه إلى أرضروم، ونجح في إجبار والي الشام على التسليم، والدخول في طاعة الدولة، وذلك في سنة (1037هـ= 1629م) لكنه لم يفلح في استرداد بغداد، واضطر إلى رفع الحصار عنها في سنة (1039هـ= 1631م) وفي طريق العودة عزله السلطان مراد الرابع وأعاد حافظ باشا إلى منصب الصدارة مرة أخرى.


ولكن ما أن عزل خسرو باشا ـ وكان ظلومًا باطشًا حتى ازداد تمرد وتذمر الانكشارية ، بعد أن أوعز إليهم خسرو هذا بأن السلطان لم يعزله إلا لوقوفه إلى جانبهم وتعاطفه معهم، فثارت ثائرتهم في العاصمة، وطالبت السلطان بإعادة خسرو باشا إلى منصبه، لكن السلطان رفض مطلبهم، فقتلوا حافظ باشا أمامه.


وعندها عزم السلطان على التنكيل بهم ، وكان ساعده قد قوي ، وبلغ مبلغ الرجال ، وتحركت فيه حمية آبائه فأمر أولا بالقبض على خسرو باشا ، لكنه لم يذعن للأمر ورفض التسليم، وكانت هذه أول مرة في التاريخ العثماني يعترض وزير على أمر سلطاني، لكن القوات المكلّفة بالقبض عليه حاصرته في قصره، وقتلته ، وكان ذلك في (19 من شعبان 1041 هـ= 11 من مارس 1632م) ..


ثم تتبع رءوس الانكشارية وغيرهم ممن كان يهيج المشاعر ويثير الجنود ، وينشر الاضطرابات ، وصار يأمر بقتل كل من ثبت عليه أقل اشتراك في الحركات الأخيرة ، وبذلك داخلهم الرعب ووقعت مهابته في قلوبهم ، وخشيه الصغير والكبير والأمير والحقير ، وأمن الناس على أموالهم وأعراضهم من التعدي ، وسادت السكينة في القسطنطينية وضواحيها وجميع أنحاء المملكة ..


وكانت آخر ثورة للانكشارية في آخر شوال سنة 1041هـ الموافق 19 مايو سنة 1632 م حركها رجل يسمى رجب باشا لغاية في النفس فأمر السلطان بقتله وإلقاء جثته من شبابيك السراي حتى يراها المتجمهرون ، فسكنت الناس ، ولم يحصل ما يخل بالأمن بعد ذلك في مدة سلطنته ..


سعيه لاستعادة ما فقد من الدولة من قبل :


بعد كسر شوكة الانكشارية أراد السلطان مراد الرابع أن يعيد للدولة ما فقدته من النفوذ بسبب إهمال بعض أسلافه وعدم طاعة الانكشارية وامتناعهم عن الحرب عند الحاجة القصوى .. فأرسل إلى والي دمشق يأمره بمحاربة فخر الدين أمير الدورزي ، وادخله في طاعة الدولة فقام الوالي بالمأمورية خير قيام ، وهزم فخر الدين وأسره هو وولديه وأرسلهم إلى القسطنطينية ، حيث عاملهم السلطان بكل احتفاء وإكرام ، ولكن لما بلغ السلطان أن احد أحفاده ثار ثانيا ونهب بعض مدائن الشام أمر بقتله وولده الأكبر فقتلا في ذي القعدة سنة 1044هـ إبريل سنة 1635 م فأطاعته الدروز بعد ذلك ..


ثم شرع في استرجاع ما اقتطعه الصفويون من دولته أثناء الفتن وفي عهد من سبقه ، فأرسل عدة حملات باءت بالفشل ، فأصر على أن يخرج هو بنفسه على رأس حملة كبيرة في سنة (1045 هـ= 1635م) وقد اطمأن أن النظام صار يسود فرق الجيوش البالغة فخرج معه نحو 200 ألف جندي، يعلوها الانضباط، وما كانت عليه الجيوش العثمانية في أيام سليمان القانوني من سكينة ونظام.


واستهل انتصاراته بفتح مدينة "أريوان" في الشمال الغربي من إيران في (25 من صفر 1045 هـ= 10 من أغسطس 1635م) ثم قصد مدينة "تبريز" ففتحها في (28 من ربيع الأول 1045هـ= 10 من سبتمبر 1635م)، ثم عاد بالجيش إلى بلاده طلبًا للراحة.


وما كاد السلطان يستقر في إستنبول حتى عاود الصفويون القتال، فاستردوا "أريوان" بقيادة الشاه "صافي" بعد حصار لها دام ثلاثة أشهر، واستعادوا مدينة "تبريز" مع أجزاء كبيرة من أذربيجان ، فعاود الخروج إليهم سريعا في جيش كبير أحسن إعداده، واتجه إلى بغداد، وشرع في حصارها في (8 من رجب 1048 هـ= 15 من نوفمبر 1638م) وكان في المدينة المحاصرة حامية كبيرة تبلغ 40000 جندي، ولم يستطع الشاه الفارسي الاقتراب من الجيش العثماني، واعتمد على قوة جيشه المرابط في المدينة، وأبراج قلعتها الحصينة، لكن ذلك لم يغن عنها شيئا، فسقطت المدينة بعد حصار دام تسعة وثلاثين يومًا، في (18 من شعبان 1048 هـ= 25 من ديسمبر 1638م)، وعادت المدينة إلى الدولة العثمانية بعد أن بقيت في يدي الصفويين خمسة عشر عامًا.


وكان أثناء حصاره لها قد هدم جزءاً كبيراً من أسوارها بالمدفعية ودخلها عام 1048هـ وقتل من جنود الشيعة عشرين ألفاً، ثم أقام بها مدة جدد عمارتها، وأصلح ما تهدم من أسوارها ، وعين لها وزيراً ..


بعد ذلك رغب الشاه الصفوي في الصلح، وعرض على الدولة العثمانية أن يترك لها مدينة بغداد مقابل أن تترك له مدينة "أريوان"، ودارت المفاوضات بينهما نحو عشرة أشهر، انتهت بعقد الصلح بينهما في (21 من جمادى الأولى 1049هـ= 19 من سبتمبر 1639م) وبقيت بغداد تابعة للدولة العثمانية حتى العصر الحديث ثم سلخت منها قبيل سقوطها .


هذا في جهة الشرق أما في جهة الغرب فقد حاول ملوك أوربا هم الآخرون أن يستغلوا ظروف الدولة والعواصف التي حلت بها قبل أن يشتد ساعد السلطان ، وبدأت فرنسا التي كانت ترى نفسها حليفا للدولة العلية ترسل جنودها لمساعدة البندقية ضد العثمانيين ، كما أرسلت سفيرها برفقة عمارة بحرية لإرهاب الدولة العلية ومطالبتها بتحديد الامتيازات ، لكن الصدر الأعظم حينئذ والذي كان مازال يمتلك قراره السياسي، أخبر السفير "بأن المعاهدات هذه ليست اضطرارية واجبة التنفيذ ، ذلك لكونها منحة سلطانية فحسب، الأمر الذي جعل فرنسا تتراجع عن تهديداتها ، وتسلك سبيل مكر الثعالب تتحايل لدى السلطان ليوافق من جديد على تجديد نظام الامتيازات عام 673ام .


جهوده في خدمة الحرمين :


سار السلطان مراد على سنن أسلافه في العناية بالحرمين الشريفين ، وعمل على تدفق الخيرات إليهما ففي عام 1039هـ أمر بإعادة بناء المسجد الحرام من جديد بعد تأثره بمطر وسيول شديدة ، وأصدر أمره إلى والي مصر بتجهيز ما يحتاجه سكان مكة والمدينة من الغلال وإرساله إليهم ..


وفاته :


توفي مراد الرابع في (16 من شوال 1049 هـ= 8 من فبراير 1640م) بعد إصابته على ما قيل بمرض النقرس ، وهو في الثلاثينيات من عمره ، وامتد حكمه 16 سنة و11 شهراً ، ولكن لم يظهر سلطانه إلا في الثماني سنين الأخيرة ، وقد مات دون أن يترك أولادا ، وتولى بعده أخوه إبراهيم ..


وكان يؤمل فيه أن يضارع السلطان الغازي سليمان الأول القانوني في الفتوحات وبعد الصيت لولا أن عالجه الموت وهو في مقتبل الشباب ، وكان أمر الله قدرا مقدورا ..


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ