المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكنيسة المصرية تشرِّع الاحتلال الصهيوني


عبدالناصر محمود
12-03-2015, 08:13 AM
الكنيسة المصرية تشرِّع الاحتلال الصهيوني
-----------------------------

(إياد جبر)
ـــــ

21 / 2 / 1437 هــ
3 / 12 / 2015 م
ــــــــــ

http://www.albayan.co.uk/Uploads/img/thumb/802122015073717.png

تحت ذريعة تقديم واجب العزاء والمشاركة في الصلاة على جثمان الأنبا أبراهام مطران القدس، جاءت زيارة البابا "تواضروس الثاني" بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وثمانية من كبار القساوسة إلى مدينة القدس الخميس الماضي 26 / 11 ، لتطوي 35 عاماً من المقاطعة وتفتح الباب واسعاً للتطبيع مع الكيان الصهيوني.
تلك الزيارة المشبوهة جاءت بعد مضي بضعة أيام على تصريحات البابا "تواضروس" التي أثنى خلالها على موقف سلفه البابا "شنودة" في ما يخص موقف الكنيسة الرافض لزيارة القدس ما دامت تحت الاحتلال الصهيوني، لكن العلاقة الحميمة بين الكنيسة ونظام 3 يوليو والمناخ السياسي العام السائد في مصر الآن، بات مثالياً لـ "تواضروس" وكشف عن الوجه الحقيقي للكنيسة التي تحولت إلى موجِّهٍ للنظام المصري الذي لم يعد يجد حرجاً في التطبيع مع الكيان الصهيوني.
لكنه بحاجة للتأثير على المزاج الشعبي للشارع المصري المصمَّم على أن الكيان هو الأكثر عداوةً لمصر، وذلك بحسب استطلاع رأي حديثٍ أجراه المركز المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة"، فقد جاء الكيان الصهيوني في مقدمة أعداء الشعب المصري حاصلاً على 88 نقطة، وهو ما يؤكد على أن زيارة تواضروس للقدس لا تُعبِّر عن الشارع المصري بقدر ما تؤكد دورَ الكنيسة المشبوه.
مقاطعة البابا شنودة للكيان الصهيوني ورفضه التام لزيارة المدينة المقدسة، لم تكن مختلفة أيضاً عن موقف الدولة المصرية تجاه الاحتلال الصهيوني آنذاك؛ لأن قرار المجمع المقدس للكنيسة الذي تم إقراره في 26 مارس عام 1980م بعد اتفاقية "كامب ديفيد"، وما ترتب عليه من ضغوط كبيرة وصلت إلى حد إقالة البابا شنودة من منصبه في نهاية عهد السادات، تبدلت في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك؛ فبالرغم من كل سيئاته؛ كان خيار رفض التطبيع من قِبل الكنيسة جزءاً من قرار هذا النظام، وهو ما أدركه البابا شنودة حينها فتجاوب وبدأ في بيع الوطنية في كل المناسبات المختلفة، ومن أشهَر مواقفه المعلَنة، رفضُه زيارة القدس إلا بصحبة شيخ الأزهر على حد تعبيره، أو إذا ما اعترفت كل الدول العربية بالكيان الصهيوني.

فإذا كان للبابا "شنودة" موقف ظاهره وطني متجاوب مع موقف نظام مبارك، يقضي بعدم إعطاء أي شرعية للاحتلال الصهيوني على مدينة القدس، فإن لـ "تواضروس موقفاً تطبيعياً منسجماً مع الموقف المصري الرسمي من الكيان الصهيوني، وهو ما من شأنه أن يفتح الطريق لأقباط مصر لزيارة كنائس القدس، لتعزيز شرعية الاحتلال ودعم السياحة الدينية المتراجعة بفعل انتفاضة الأقصى الثالثة.
وهذا ما يستدعي طرح العديد من الأسئلة الهامة: لماذا تم اختيار الزيارة في هذا التوقيت الحرج الذي يتطلع فيه الشعب الفلسطيني لأي إنجاز لانتفاضته التي أرهقت الاحتلال وجعلته فاقداً للتوازن؟
وهل تحمل الزيارة رسالة طمأنة لعائلات المستوطنين الهاربين من القدس نحو المناطق الأكثر أمناً خوفاً على حياتهم؟ أم أن الزيارة تقتصر فقط على تطبيع علاقات النظام المصري مع الكيان الصهيوني؟ بغض النظر عن تداعياتها السياسية على القضية الفلسطينية؟

لا شك في أن الزيارة جاءت بمثابة ضوء أخضر لنحو عشرة ملايين نصراني مصري باتوا ينتظرون أن تفتح المدينة المقدسة أبوابها لاستقبالهم، وهذا ما أكد عليه محلل سياسي مصري لموقع الجزيرة، معتبراً زيارة البابا "تواضروس" للقدس أمراً عادياً، ومبدياً استغرابه مما وصفه بتجاوز الكنيسة لقرار عدم السفر إلى القدس، موضحاً أن زيارة الأقباط للقدس هي أيضاً أمر ديني لا علاقة له بالسياسة، فهم يتوجهون للحج وزيارة الأماكن المقدسة.

فمبرر الكنيسة الذي أتينا على ذكره سالفاً واعتبارُها أن الزيارة استثنائيةً ولا تمثل خرقاً للقرار الكنسي الخاص بالمقاطعة، غير مقنع بكل الأحوال؛ لأن السنوات الماضية شهدت حالات عزاء لرموز نصرانية رفيعة ولم يذهب البابا شنودة، كما أن العزاء لا يمكنه كسر موقف تاريخي بهذا القدر من الخطورة والرمزية.
لكن الظروف الاستثنائية التي تعيشها الكنيسة المصرية، ولعبها دوراً سياسياً غير مسبوق كونها باتت تشكل أحد أقطاب تحالف 30 يونيو الذي تمخض عنه النظام المصري الحالي، يؤكد بما لا يقبل التأويل على أن الاعتبارات السياسية المرتبطة بعلاقاتها الحميمة مع النظام السياسي المصري، قد تغلبت على أي اعتبارات أخرى، ولأن الأخير بات يُمثل حالة استثنائية لدى الكيان الصهيوني، فلا غرابة في زيارة البابا "تواضروس" إلى القدس لإخراج التطبيع من طوره السري إلى العلني.
فالبعد السياسي للزيارة لا يختلف عن الموقف السياسي للنظام المصري الساعي للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وهذا ما أكدته تصريحات المتحدث باسم الكنيسة القس بولس حليم، الذي أكد على أن ترتيبات سفر البابا وطريقة وصوله إلى القدس قامت بها الدولة المصرية وليست الكنيسة على حد وصفه.
المعروف في حقل العلوم السياسية أن العلاقات الدينية والثقافية تُعزز العلاقات السياسية والاقتصادية وتُكمِّلها، ولأن ما يأتي بعد التطبيع الديني والثقافي يثري ذلك السياسي والاقتصادي، حينها لم يعد هناك ما يبرر حظر زيارة الأقباط إلى الكنائس النصرانية في القدس، ومن ثَمَّ منح مجاني لشرعية الكيان الصهيوني على المدينة المقدسة، ودعم القطاع السياحي الذي يدر ملايين الدولارات سنوياً عليه، وهو ما استدعى منظمة العدل والتنمية لحقوق الإنسان بالقاهرة، لأن تطالب في بيانها - تعقيباً على الزيارة - بالسماح للأقباط المصريين بزيارة كنائس القدس أسوةً بـ "تواضروس" وتطالب بإلغاء قرار المجمع المقدس، فإذا كان رأس الكنيسة نفسه قد فعلها فيمكن لكثيرين أن يقولوا إن لديهم أسباباً إنسانية مشابهة.
وبناءً عليه فإن الحديث عن تداعيات الزيارة السياسية والاقتصادية والثقافية يفوق قيمتها الرمزية بالنسبة للكيان الصهيوني؛ لأنها جاءت لتؤكد ما قاله المفكر الصهيوني "يوسي كلاين" "بأن بعض اليهود شرعوا في التفكير بمغادرة الأراضي الفلسطينية، بسبب طغيان حالة الإحباط الذي مرده تدني مستوى الشعور بالأمن الشخصي بعد موجة عمليات الطعن الفلسطينية"، فاختيار البابا لهذا التوقيت يمكن اعتباره تبديداً لمخاوف المستوطنين على أمنهم الشخصي في مدينة القدس على وجه التحديد، أو على الأقل إعطاء انطباع جيد ليهود العالم عن الأمن في مدينة القدس وتشجيعهم على الهجرة نحوها، لأنها باتت أكثر أمناً على حياتهم بعد زيارة البابا "تواضروس".
زيارة البابا الفريدة من نوعها جاءت أيضاً في توقيت حرج ومهم جداً بالنسبة للكيان الصهيوني، الذي يتطلع لمثل هذه الزيارات التي من شأنها أن تخفف من وطأة حركة المقاطعة الدولية للمنتجات الصهيونية، فيمكن للكيان أن يقول للغرب لا تكونوا ملكيين أكثر من العرب، فالعرب اليوم حريصون على تبادل الزيارات معنا ولم يعد هُناك ما يبرر مقاطعة منتجاتنا.

فضلاً عن ذلك فإن الكيان الصهيوني قد حقق نصراً نوعياً من وراء تلك الزيارة التي منحت جرائمه بحق الشعب الفلسطيني غطاءً شرعياً، فكانت نقلةً نوعيةً لذلك التطبيع التدريجي، الذي خرج من مرحلة السر إلى العلن، وهي أُمنيَة كثيراً ما عملت القيادات الصهيونية على تحقيقها.

------------------------------------