المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نقد أحكام القضاء في وسائل الإعلام


عبدالناصر محمود
12-12-2015, 08:29 AM
نقد أحكام القضاء في وسائل الإعلام (مراجعة نقدية)
ــــــــــــــــــــــــــ

(سالم الشهري)
ـــــــ

غرة ربيع الأول 1437 هــ
12 / 12 / 2015 م
ــــــــــ

http://nama-center.com/ImagesGallary/photoGallary/magalat/10-12-2015.jpg


رقابة الأمة على كافة مفاصل الدولة ضمانة من الفساد وتوغل الساسة وانتشار الطمع وتولية من ليس بأهل، فالقضاة كغيرهم ليس لهم عصمة من الخطأ والزلل وشهوات النفس والتأثر بالضغوطات، فالنفس البشرية تنشط وتفتر، واذا انتفت العصمة فقد وجبت الرقابة، وحين تغفو عين الأمة ولو قليلا يتمدد الفساد في مفاصل الدولة، وبالتأكيد فالحديث عن ضرورة الرقابة مختلف تماما عن استقلال السلطة القضائية في الحكم والاجتهاد، ولكن ما يحدث اليوم في وسائل الإعلام يدعونا لإعادة النظر في آليات الرقابة ونوعية المراقبين بما يحقق مقاصد القضاء ومقاصد مراجعة أحكامه دون عرقلة مسيرة القضاء وإسقاط هيبته والتأثير على أحكام القضاة والضغط الإعلامي على ناظر القضية عبر ترويج معلومات قاصرة، أو كاملة، ولكن بنظرة قاصرة وفي البدء؛ فنحن نتفق أن مراجعة الأحكام القضائية ومداولتها من جهات قضائية عليا هي ضمانة لصحة الأحكام القضائية للاطمئنان من تحقق الأهداف الكبرى للتقاضي من إرساء العدل وإعادة الحقوق لأهلها ورفع المظالم، فقد فتح نظام المرافعات الشرعية في مادته (173) طريقين لمراجعة الأحكام القضائية: التمييز، والتماس إعادة النظر، إلا أننا يجب أن نقرر أن الأصل قطعية حكم القاضي، وكما يقرر الفقهاء رحمهم الله في القاعدة المقررة: أن حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية لا يُنقض إلا إذا خالف النص أو الإجماع أو القياس الجلي، أو القواعد الكلية، وحكاه القرافي في الإحكام إجماعًا [1]. فلا يُنقض اجتهاد القاضي باجتهادٍ مثله، كما تنص عليه القاعدة الفقهية، بل ينص السرخسي في المبسوط وغيره أنه لا يُنقض حكم الحاكم الأول في حادثة معينة حتى لو كان الحكم الثاني أقوى [2]. والقول بجواز نقض اجتهاد القاضي يفضي كما ينص الكاساني في البدائع إلى ألا تندفع الخصومة والمنازعة أبداً، والمنازعة سبب الفساد، وما أدى إلى الفساد فهو فساد ..[3]. ويختصر القرافي الأمر في بيان قطعية حكم القاضي بقوله: أن حكم القاضي هو حكم الله للمتخاصمين.
وإذا إستقرّ هذا التقرير في قطعية وهيبة حكم القاضي، والمساحة الممكنة لمراجعة أحكامه التي قررها الفقهاء ونص عليها نظام المرافعات؛ ننطلق من هذا التقرير إلى إمكانية إبداء الآراء حول الأخبار القضائية، فكثيرا ما تكون التعليقات حول أحكام القضاة في الإعلام قاصرة من جهتين:

الأولى: جهل الناقد بوقائع المرافعة وضبوطها وأدلة المترافعين. فأبجديات مراجعة الأحكام تنص على ضرورة الاطلاع على كافة تفاصيل المرافعة القضائية، والأصل هو مبدأ علانية الجلسات وإمكانية حضور جلسات المرافعة والنطق بالحكم، وهذا ما ينص عليه نظام المرافعات الشرعية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/12 وتاريخ 20/5/ 1421ه، حيث جاء في المادة الحادية والستين: (تكون المرافعة علنية إلا إذا رأى القاضي من تلقاء نفسه أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سراً محافظة على النِظام، أو مراعاة للآداب العامة، أو لحرمة الأسرة).

فالناقد الاعلامي في كثير من أحواله بين أمرين؛ بين جلسات مفتوحة لم يحضرها، وجلسات مغلقة ليس من المصلحة إفشاء أسرارها، لاسيما والإسلام جاء يحث على الستر وتضييق دائرة الفضيحة، حيث يكون الإضرار بالمتخاصمين أو حدوث مفسدة مجتمعية، ففي بعض القضايا قد يكون الإفشاء والنشر نوع من التشهير، والتشهير بحد ذاته عقوبة تبعية أو تكميلية، فنجد -مثلاً - النظام السعودي يعتبر التشهير عقوبة تبعية في الجرائم المنصوص عليها في نظام مكافحة الرشوة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/36) لسنة 1412هـ، و في جرائم أخرى يعتبرها تكميلية كما في الجرائم المنصوص عليها في نظام الأوراق التجارية، وقد جعلها جريمة وفرض عليها عقوبة كما نصت عليها الفقرة الخامسة من المادة السادسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.

إذن نحن من حيث قصدنا إظهار عدالة القضاء بإفشاء معلومات المرافعة؛ وقعنا في التشهير والإضرار بالآخرين، وقد تكون موانع عدم اطلاع الناس على الوقائع والمرافعات والضبوط غير مانع التشهير، فالموانع مختلفة ومتعددة يضبطها أنه حين يغلب على الظن في علانية الجلسات أو إفشاء أخبارها ضرر للآخرين أو إفساد للمجتمع فإن المصلحة في سرية الجلسات.
ومن هنا نخلص أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، كما تنص القاعدة الشهيرة المحكمة مبنى ومعنى، فالتصور القاصر كثيرا ما يجُرّ إلى أحكام قاصرة، وما أجمل عبارات ابن تيمية في بعض مطالع فتوايه حين يقول ما نصه: (الحمد لله، هذه المسألة ونحوها تحتاج قبل الكلام في حكمها إلى حسن التصور لها ...) [4]، وهذا من هو من الحكمة والورع، فالله تعالى يقول: (ولا تقف ما ليس لك به علم)، قال ابن عباس أي: لا تقل، ونلحظ في الآية أن الله نهى أن نقول ما ليس لنا به علم، ثم أخبر وأنذر: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا)، بل إن النهي جاء للقاضي نفسه: (أن لا يقضي وهو غضبان) [5]، قال ابن عثيمين رحمه الله: (والتعليل أن الغضبان لا يتصوَّر القضية تصورًا تامًّا، ولا يتصورُ تطبيقها على النصوص الشرعية تطبيقًا تامًّا، والحكم لا بد فيه من تصور القضية، ثم تصور انطباق الأدلة عليها؛ لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره)[6]، قال ابن قدامه: (ولأنه إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه وفكره) [7]. فإذا كان القاضي نفسه إذا لم يتوفر له التصور التام فإنه منهي عن الحكم والقضاء؛ فغيره من باب أولى ممن لم يتصور ماهيّة المسألة فيأتي الخلل من ضعف التصور أو فساده.

ثانيا: ضعف الأهلية التي تخوله للنظر في المرافعات القضائية، فإذا كان الفقهاء قد اشترطوا في القاضي أن يكون مجتهدا مثلا، والاجتهاد مرحلة أرفع من مجرد الفقه ومعرفة المسائل والمذاهب، وإن كان كثير ممن يخوض في مراجعة الأحكام في الإعلام أقل من هذه الرتبة أصلا؛ فالاجتهاد هو تملّكٌ للأدوات التي يستطيع بها بذل الوسع والطاقة في استخراج الأحكام من النصوص، وتنزيل النصوص على الوقائع مع إلمام شديد بمقاصد الشرع الكبرى وانتظام لأصول الدين وأولوياته وكلياته، وإذا كان أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله قد اشترط في مطلع الموافقات، وهو أوسع من تحدث عن المقاصد وأفردها تنظيرا، حيث يقول: (لا يُسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريّانا من علم الشريعة أصولها وفروعها منقولها ومعقولها غير مخلد إلى التقليد ...) [8]، ولا يمكن القول في هذه المسائل بتجزؤ الاجتهاد، على خلافٍ في المسألة، وإن كان الراجح عدم تجزّأ الاجتهاد، كأن يكون أحدهم مجتهدا في المناسك وحدها، لأن الاجتهاد عبارة عن ملكة وأدوات تؤهل صاحبها للنظر في المسائل، فمتى توفرت الآلات حصلت الملكة واستطاع بها الاجتهاد في كل مسألة، وبالتأكيد ليس شرط كون المجتهد مجتهدا أن يكون له في كل مسألة اجتهاد، بل متى ما توفرت فيه الآلات حصلت له الملكة وصار مجتهدا يستطيع النظر في كل مسألة، بل بالغ بعضهم وجعل للاجتهاد شروطا لم تتوفر ولا في أبي بكر وعمر.
وبالجملة؛ فلعلك تلحظ كيف أن الاجتهاد مرحلة متقدمة جدا من العلم، وبالتأكيد نحن لا نشترط على من ينتقد أحكام القضاء أو يراجعها أن يكون مجتهدا لأنه حتى بعض القضاة اليوم لم يصل إلى هذه الرتبة من العلم، ولكن مفاد الأمر وغايته أن يكون المراجع والمنتقد على قدم من العلم وعلى سابقة طويلة من التعامل مع كلام الفقهاء ومعرفة مصطلحاتهم ومقاصد الشريعة وعلى خبرة بمسائل الدين هذا التخصص، وهذه العناية هي وحدها يستطيع بها النظر في هذه الأحكام القضائية وهي مما لا يسع الناظر في مثل هذه الأحكام جهله أبدا، وهي في الحقيقية رتبة يقصر عنها كثير من أهل الإعلام الخائضين في كل فن، وإنه والله مما يعيب المثقف أن يتحدث في كل شيء وكأنه من أهله، وحين سئل الإمام يحيى بن معين عن إبراهيم بن محمد بن عرعرة قال: ثقة معروف مشهور بالطلب كيس الكتاب، ولكنه يفسد نفسه يدخل في كل شيء.[9]
بل يرى ابن حزم أنه لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون [10]. ويعبر الجرجاني عن ذات المعنى: (إذا تعاطى الشيء غير أهله، وتولى الأمر غير البصير به أعضل الداء واشتد البلاء) [11].
ومن هنا نخلص أن الكاتب والإعلامي، وإن ألمّ بملف القضية وقرأه من أوله حتى منتهاه، هل تملّك الآلة التي تخوّله النظر في الوقائع والحكم عليها وفق النصوص ومذاهب السلف ومقاصد الشرع؟ فلو وجد النصوص في المسألة ثم أطلق العنان لقلمه على ضوء ما فهم من النص فإنه لن يدرك علل الأحكام ومقاصد التشريع ودلائل اللغة في غضون بحثه السريع وإطلالته على بحر علوم الشريعة من النافذة.
فمن هاتين الجهتين كانت أبرز مظاهر القصور في التعليق ومراجعة أحكام القضاة، ولكننا نؤكد أنه لا يمكن بحال من الأحوال جعل حد فاصل بين الأمة ومسيرة القضاء ونزاهة القضاة، ولكن هذه الرقابة يجب أن تكون عبر المختصين، هم وحدهم لهم حق مراجعة أحكام القضاة ونقدها بما لا يتماس مع مسيرة العدالة واستقلال القضاء، لأن حديث غير المختصين هو ضرب في أصول الوعي، وإضرار بالقضاء وهيبة المحاكم، والتي يجب أن يحافظ عليها أهل العقل والوعي لأنه متى سقطت الهيبة القضائية تجرأت السلطات التنفيذية والكبار والصغار ونقد الجاهل منهم مدة سنة من المرافعة في تغريدة من مئة وأربعين حرفا، ولو ترك الأمر للمختصين سواء كانوا في داخل السلطة القضائية أو خارجها لانتقل الأمر بدلا من المهاترات الإعلامية إلى سجالات محكمة تهدف إلى الرقي بالقضاء ونشر الوعي في الأمة .

_________________________________
[1] نص على هذا التقرير ابن قدامه الحنبلي في المغني والكاساني الحنفي في بدائع الصنائع والسبكي الشافعي في فتاويه والخرشي المالكي في شرحه لمختصر خليل.
[2] الأشباه والنظائر الكتاب الثاني في قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية القاعدة الأولى ص102.
[3] أبو بكر الكاساني في بدائع النائع في ترتيب الشرائع كتاب أدب القاضي ص15.
[4] مجموع الفتاوى (10/ 270-271).
[5] أخرجه البخاري (7158)، ومسلم (1717).
[6] الشرح الممتع (15/ 299-300).
[7] المغني (11/395).
[8] الموافقات (1/124).
[9] السير للذهبي (11/ 480).
[10] مداواة النفوس ضمن رسائل ابن حزم الأندلسي (1/ 345).
[11] دلائل الإعجاز (ص482).

------------------------------------