المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البرنامج النووي الإيراني وأمن الخليج العربي دراسة تحليلية


Eng.Jordan
12-13-2015, 07:10 PM
البرنامج النووي الإيراني وأمن الخليج العربي
(دراسة تحليلية)

تاريخ تسلم البحث: 27/3/2009م تاريخ قبوله للنشر: 4/6/2009م

غــازي صالــح بنـــي ملحـــم * و فايز عبد المجيد الصمادي **




حمل المرجع كاملاً من المرفقات




-----------------




- المقدمة:
كثيرة هي المؤشرات والمظاهر الواضحة التي تؤكد على وجود أزمات إشكالية مستحكمة تنعكس في كثير من جوانبها على الأمن في الخليج العربي، لعل من أبرزها في أيامنا الحاليـة البرنامج النووي الإيـراني كحالة مفترضة لمشكلات الأمن في الخليج العربي وتتعاطى مع قضايا التفاعل السياسي بين دول المنطقة والدول المهتمة فيها.
على الرغم من الكتابات العديـدة التي بحثت بالأمن في منطقة الخليج العربي، إلا أن القليل منها قد تعرض للآثار التي يمكن أن تترتب على البرنامج النووي الإيراني على الأمن في الخليج وانعكاساتها على العلاقات الإيرانية مع دول الخليج العربي.
لقـد أورد الباحث الحديث أعلاه في محاولة منـه ليجيب على بعض أسئلة البحث التي منها مثلاً: لماذا حدثت تلك التطورات في منطقة الخليج العربي؟ فهل إيران بحاجة لأسلحة نووية للحفاظ على أمنها القومي؟ وما هي الخيارات المطروحة لتحقيق الأمن في الخليـج العربي في ظل البرنامـج النووي الإيراني؟ وما هي العوامـل والحقائق التي دفعتها لبناء برنامجها النووي؟
إن النظر والتأمل في الأسئلة التي طرحها البحـث أعلاه، تظهر لنا الظروف الأمنية الحالية والمحتمل وقوعها في منطقة الخليج العربي، وتبين أيضـاً الحاجة للبحـث عن الدروس العامة التي مرت بها دول العالم الأخرى التي بحثت عـن تطوير برامجها النووية في المنطقة والعالم. وبناء على تلك الدروس، فـإن الباحث يحق له أن يـسأل السؤال الآتي: هل تستطيع دول المنطقة إيجاد نظام أمن في الخليج يقوم على التعاون بعيدا عن البرامج النووية وعلى نزع أسلحة الدمار الشامل منها؟
فعلى الرغم من أن الوصول إلى تلك الحالة وتحقيقها يواجه صعوبة كبيرة في منطقة الخليج العربي، إلا أن هذا لا يمنع دول المنطقة من القيام في البحث عن أفكار ومحاولات فاعلة وجادة للوصول إليها، ولا يعني أيضا، أن دول منطقة الخليج العربي لا تستطيع بناء إستراتيجية أمنية مبنية على نزع الأسلحة النووية وإيقاف العمل بالبرامج النـووية المؤدية إلى الحروب في منطقتهم. على العكس من ذلك، يمكـن أن تساهم دول المنطقة في خلق أجواء تبعد شبح الحرب من خلال المساهمات المباشرة لقادتها ومفكريها، ومن خلال التحالفات التي تقوم بها مع دول أخرى، والأحداث الدولية الشاهدة على مثل هذه المحاولات عديدة بين دول العالم.
لذلك جاء هذا البحث ليقُيم لنا أثر البرنامج النووي الإيراني على أمن المنطقة، ويمتحن سياسة إيران وأهدافها، ويبين أهداف هذه الدولة من هذا البرنامج. ويختتم البحث في مناقشة الاحتمالات المترتبة عليه، ورد الفعل العربي المحتمل تجاهه.
1:1- أهمية البحث:
لقد بدأ الاهتمام الإقليمي والدولي شديداً وواضحاً هذه الأيام في منطقة الخليج العربي حـول البرنامج النووي الإيراني، ودخلـت المنطقة في أزمة قابلة للانفجار إذا لم يتم تداركها. لقد دخلت الأزمة النووية الإيرانية بيـن إيران من جانب والولايات المتحـدة وحلفائها من جانب آخر إحدى مراحلها الحرجة، خاصة في ضوء التصعيد المتبادل بين طرفيها، وإصرار كل منهما على مواقفه المتشددة حيال رغبات الطرف الآخر.
ولا شك أن هناك ثمة صعوبة في تحديد أي من الاتجاهـات التي يمكن أن تسلكها الأزمة النووية الإيرانية في المستقبل، خاصة وأن تطوراتها لا تزال تتفاعل بشكل يمكن القول معـه إنها مفتوحة على كل الخيارات والاحتمالات. فإيـران تصر على حقها في تكوين قدراتها التكنولوجية النووية وتطويرها، بينما تعبر الدول الأخرى عن قلقها ومخاوفها الأمنية من البرنامج النووي الإيراني. ومن هنا فإن فشل العمل الدبلوماسي في التعامل مـع هذه الأزمة، سيدفع بالاحتمالات غير المقبولة إلى الواجهة وتكون عندها تداعياتها كارثة على الأمـن والاستقرار في منطقـة الخليج العربي بشكل خاص والمنطقة العربية بشكل عام.
على كل، تشير مجمل التطورات التي تشهدها أزمة الملف النووي الإيراني إلى وصوله للمرحلة الحرجة التي يمكن أن تنفجر خاصة إذا ما أصر كُلُّ طرف على مواقفه المتشددة تجاه رؤية الطرف الآخر ورغباته، وهـو ما دفع بنا للبحث في هذا الموضوع أكاديميا من حيث خلفيته والأسباب الكامنة وراء مواصلـة العمل به وتداعياته الأمنيـة على المنطقة.
لا تزال الأبحاث التي دارت حول تأثير
البرنامج النووي الإيـراني على أمن الخليج العربي بشكل خاص وعلى طبيعة العلاقات العربية- الإيرانية بشكل عام بحاجـة إلى المزيد والعديد منها، وهي بحاجة إلى العمق في التحليل حولها. وانطلاقا من ذلك، سيسهم هذا البحث في تقديم بعض المعلومات وإعطاء فكرة عامة تحدد من خلالها وتبين للقارئ أثر البرنامج النـووي الإيراني على الأمـن في الخليج العربي، وعلى العلاقات الإيرانيـة –العربية الخليجية. نرى ذلك، لأن أثر البرنامج النووي الإيراني على المنطقـة بدأ بالظهور في بداية القـرن الجديد وبدأ يأخذ طابعا واهتمامات دولية ووضع المنطقة في مرحلة حرجة تنذر بخطر الحرب.
2:1- أهداف البحث وفرضيته:
تأسيساً على ما تقدم، يهدف هذا البحث لبيان آثار البرنامج النووي الإيراني وانعكاساته على طبيعة الأمن في منطقة الخليج العربي، وذلك بالانطلاق من الافتراض القائل:
"إن التـداخل الكبير بين ما يمكـن أن يحققه البرنامج النووي الإيراني من فوائد على إيران وبين الآثار الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية المترتبة على دول المنطقة ومجتمعاتها في حال قيام حرب جديدة مدمرة نتيجـة لهذا البرنامج تحتم على الجميع -دول المنطقة والمهتم بها- النظر لحل المشكلة بنوع من الجدية والحرص والسرعة قبل تفاقمها".
3:1- أسئلة البحث:
للتحقـق من فرضية البحـث وأهدافه يطرح البحث الأسئلة الآتية ويحاول الإجابة عليها وهي:
- هل يؤثر البرنامج النووي الإيراني سلباً على طبيعة الأمن في منطقة الخليج العربي؟
- هل استمرار إيران ببناء برنامجها النووي يعني هيمنتها على دول المنطقة؟ أم ستصبح شريكاً لدول المنطقة فتساهم معها في بناء تصور أمني مشترك؟
- وهل تخليها عن برنامجها النووي مثلا يعنـي ضعف هيبتها وعدم قدرتها على تحقيق طموحاتها الفكرية والقوميـة في المنطقة؟
4:1- منهجية البحث ومباحثه:
للتعامل مع فرضية البحث وأهدافه اعتمد الباحث في هذا البحث على المنهج التكاملي، الذي يحتوي على المنهج التاريخي، والمنهج الوظيفي، والمنهـج التحليلي. وسيتم الاعتماد على المنهج الأول ليبين لنا بعض الحقائق التاريخية التي مـرت بها دول المنطقة وفقا لمتطلبات البحـث واحتياجاته. أما المنهـج الوظيفـي فسيتم استخدامه لتحليل الوظائف التي تسعى إلى تحقيقها الدول المعنية بأمن منطقة الخليج العربي، وأخيراً سنستخدم المنهج التحليلي لتحليل كل من مدركات إيران ودول الخليج العربية للوضع الأمني الكائن والذي يجب أن يكون في منطقتهم.
ولتحقيق أهداف البحث تم تقسيمه إلى مجموعـة مباحث وخاتمة. يتنـاول المبحث الأول الإطار النظري للبحث، والذي سيتعرض لبعض مفاهيم الأمن وبعض الكتابات التي تناولت موضوع البرنامج النووي الإيراني. أما المبحث الثاني، فانه سيلقي بعض الضوء على المدركات الأمنية الإيرانية وعلى العوامل المؤثـرة على السلوك السياسي لهذه الدولة تجاه أمن الخليج العربي. سيتعرض المبحث الثالث للسياسة الإيرانية ضمن مراحل ويبين العوامل التي دفعت إيران لبناء برنامجها النـووي. المبحث الرابع: يبين رد فعل دول الخليج العربي على البرنامج النووي الإيراني مع التعرض لرؤية مستقبلية حول الخيارات المطروحة لإيجاد نظـام أمني مشترك في منطقة الخليج العربي. وفي الخاتمة، يتم بيان بعـض الأفكار المقترحة لتجنـب المخاطر المحتملة على البرنامج النووي الإيراني على دول المنطقة.
2- الدراسات السابقة والأطر النظرية حول الموضوع:
بدايـة وقبل الخوض في الحديث عن
الإشكالية التي يثيرها البرنامج النووي الإيراني على الأمن في الخليج العربي، يمكن الإشارة هنا إلى أن موضوع الأمن يستخدم للاتفاقيات الجماعية الضرورية التي تبعد الخليج العربي عن احتكار الأمن فيه من قبل دولة معينـة وحدهـا، وتبعد العدوان والاعتـداءات عن أراضي الدول الأخـرى، واستغلال ثرواتها الطبيعية التي تشكل تلك الأمور بمجملها تحدٍ يواجه مصالـح دول منطقة الخليج العربي ((Kamran Taremi, 2003. كذلك، فان الهدف الأساسي لأي إستراتيجية أمنية تتبناها وتؤسسها الدول، ثنائية الأطراف ومتعددتها، هو توفير ضمانات أمنية وتحقيق مصالح فردية وجماعية من خلالها لها ولمجتمعاتها، ولإنجاحها عليها تجاوز خلافاتها التي تدور حـول مصالح آنية وأيديولوجية ضيقـة(Michael Ryan Kraig: 2006).
لكـن في ظل ظروف عالمية متقطعة ومتضاربة المصالح، غالبـاً ما تجد الدول نفسها عاجزة عـن إيجاد نظام أمن دائـم ومستقر يحقق الأمن والاستقرار لجميع الدول، خاصة في ظل وجود دول مستقلة وذات سيادة. إن الظروف الأمنية غير المستقرة غالبا ما تحصل نتيجة لظروف دراماتيكية وتغييرات سريعة داخل النظام الدولي الفرعي والعام، وتأتي في بعض الأحيان على أنقاض نظام أو أنظمـة سابقة تحطمت بسبـب الحروب والصراعات بين الدول، مما أدى لإفـراز دولٍ جديـدة قوية تسعى لإيجاد ظروف ومنظمات مناسبة تحقق من خلالها مصالحها.
عنـد العودة للحديث عن موضوع هذا البحث، نجد انه بعد سنوات قليلة من انتهاء الهجوم الأمريكي على العراق واحتلاله تحت ذرائع أسلحة الدمار الشامل - وبحجة تحقيق الأمن والاستقرار لمنطقة الخليج والشرق الأوسط- أسوة بباقي الأزمات والحروب التي حدثت في المنطقة -وبدون توقف طويل عن فائدة حدوثها أو أسبابها الحقيقية أو نتائجها- بدأ البرنامج النووي الإيراني يثير العديد من التساؤلات حول الدور الذي يمكن أن يؤديه لإيـران، على المستوى الداخلـي والإقليمي والعالمي باعتباره سلاحاً غير مرغوب بوجوده في البلاد العربية والإسلامية من قبل الغير.
لكن الغريب في الأمر، أن تلك التساؤلات جاءت من بعـض الكتاب والساسة العرب والأجانب على حد سواء متجاهلة امتلاكه من قبل دول أخرى بدون أن تعاني من صدى مضاد لها. ربما حدثت هذه التساؤلات تحت تأثير حملات النقـد العنيفة المستمـرة التي بـرزت في الخطب السياسية للدول الأجنبية والكتابات الغربية في بداية القرن الجديد، موجهة إصبع الاتهام للدور المستقبلي الذي سيؤثر فيـه البرنامج النووي الإيراني على أمن دول المنطقة.
فعلى الرغم من وجود اتفاق بين الباحثين على هيمنة موضوع الأمن على دول منطقة الخليج ودول العالم الأخرى المهتمة بهذه المنطقة، إلا أن هناك اختلافات بينهم حول إرساء إستراتيجية عامة تؤطر الأبعاد الأساسية لحالة الأمن في الخليج العربي -وهي المنطقة المعني بها هذا البحث- وانطلاقا من هذه الاختلافات برزت عـدة دراسات وكتابات تمخض عنها وجود تيارات يحاول كل منها طرح رؤى ومرتكزات نظرية لحالة الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي يمكن تلخيصها بما يأتي:
الـرأي الأول من الدراسات: يرى أن الأمن يمكن أن يتحقق من خلال وجود نظام أمـن جماعي مكثف تشارك في صياغته وتنفيذه جميع دول منطقة الخليـج العربي (Michel D. Yaffe, 2004)، وهذا الرأي يرى ضرورة إيجاد نظام مبني على إستراتيجية أمنية مشتركة بيـن دول المنطقة، وبالتالـي يطرح أصحابه ضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل، والحد من سباق التسلح في المنطقة. ولكن، هذا النظام الذي يستند على إستراتيجية أمنية مشتركة يواجه مشكلة أساسية تعطل إمكانية تحقيقه، لأن طبيعة العلاقة بين دول منطقة الخليج العربي بإطارها العام تتصف بعلاقة التفرقة والتناقض، لا بعلاقة التقارب والسعي إلى الوحدة، نتيجة للخلافات المذهبية والاختلافات القومية والعرقية بينها، ناهيك عن الخلاف حول المدركات الأمنية والثقافية المختلفة، والمصالح المتباينة بين أنظمتها السياسية، (Michel D. Yaffe, 2004).
والـرأي الثاني من الدراسات: يرى عكس الـرأي الأول، حيث يعتقد بضرورة إيجاد برامج نووية في الدول المعنية بأمن المنطقة بغية خلق حالة من التوازن في التسلح مع دول الجوار، وهي حالة - بالنسبة لهم- يمكن أن تؤدي إلى الاستقرار والأمن فيها. يرى ذلك، لاعتقاده أن من المعايير المتناقضة وغير مقبولة أن تمتلك بعض دول الجوار الجغرافي لإيران أسلحة نووية مثل إسرائيل والهند وباكستان، وفي الوقت نفسه، تسعى دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية لوضع قواعد ومبادئ ودساتير أمن للدول الأخرى في منطقة الخليج وفي مناطق العالم متجاهلة حتى مشاركة أصحاب الشأن فيها. (Jeffrey Bout well, 2003). كذلك، يفيد بأن دولة مثل إيران محاطة بدول غيـر مستقرة مثل العراق وأفغانستان، ووجود عسكري مكثف للقوات الأمريكية في منطقة الخليج العربي، فإنها -وفقاً لهذه المعطيات والظروف- بحاجة للبحث عـن خيارات متعددة بغيـة تحقيق متطلباتها الأمنية واستقلالها القومي والمحافظة على مصالحهـا الحيوية،(Jeffrey Bout well, 2003).
فعلى الرغم من وجود بعض الجوانب المثيرة للاهتمام في الطـرح المذكور أعلاه، إلا أن هذا الطرح واجه رد فعل معارض له أيضاً، حيث يرى بعـض الكتاب العـرب والأجانب وبعض المنظمات الدولية أن البرنامج النـووي الإيراني يمثل تهديداً لأمـن دول المنطقة، وسيزيد من نفوذ إيران وهيمنتهـا ومن تأثيرها على دول الجوار العربية وغير العربية (Abedelwahed Al- Jassani, 2006). وفي الاتجاه ذاته، يرى بعض الكتاب العرب أن الهدف الاستراتيجي الإيراني من امتلاكها للبرنامج النووي يكمن في محاولتها نشر مشروعها الثوري ومعتقداتها الفكرية القائم على نشر مذهبها الشيعي في العالم، وبطبيعة الحال يمثل الوطن العربي الخطوة الأولى لها، لقربه الجغرافي منها (Abdelkhaleq, Abdullah, 2006).
يستند أصحاب هذا الرأي على الظروف الموضوعيـة والجغرافية والمجتمعية لدول الجوار الجغرافي المحيطة بإيران. إن مشاركة إيران لدول الخليـج العربي وتشابههـا في الموروث الثقافي والبعد الجغرافي والتاريخي ووجود بعض الشرائـح الاجتماعية العربية وغير العربية التي تعيش في المجتمعات العربية وتعتنق المذهب الشيعي كلهـا عوامل تدفع بهذه الدولة لتوسيع نفوذها في دول المنطقة، وجعلتها هدفا لتحقيق طموحاتها التوسعية فيها (Samih. Hammam. Ahmed, 2006)، خاصة مع الإقرار بوجود فجوة سياسية وفكرية وربما تطلعات مذهبيـة بين بعض الشرائح الاجتماعية في المجتمعات الخليجية وأنظمة الحكم السياسية فيها(Mohammad. Sayyed, Saed, 2006)).
على كلِ، لقـد اتخذت أزمة البرنامج النووي الإيراني تجليات ومظاهر مختلفة في منطقة الخليج العربي، أجملتها بعض الدراسات التي عثر على بعضها الباحث – وأوردهـا أدناه في هذا البحث-، ويعتقد بأنها لا تزال صالحة للاستشهاد بها في هذا البحث خاصة وأنها أجريت حديثا في بداية القرن الجديد، حيث ترى:
- عجـز الاتجاهات النظريـة والسياسات السائدة في منطقة الخليج عن متطلبات حالة الأمن فيها.
- وجود فجوة واضحة بين سياسة الحكومات المتبعة من جهة والرؤية الشعبية وخاصة تلك المتعلقة برسم سياسات أمنية وصنع القرار لتحقيقها من جهة أخـرى، بحيث أصبحت تتخبط حالة الأمن ضمن حالة من الخوف والقلـق، بعيداً عن تحقيق حالـة الاستقـرار والإحساس بالأمـن المفترض أن يسود المنطقة.
- انشغال العديـد من الحكومات والكتاب في موضوعات ومسائل جزئية، لا تكاد تقدم ولا تؤخر شيئا على صعيد مجابهة الإشكاليات التي تستوجب البحث فيها والحديث عنها بشكل جاد وفاعل.
اعتماداً على ما تقـدم، وكون البرنامج النووي الإيراني يشكل أحد العوامل التي تثير الإشكاليات الأمنية في الخليج العربي وأوصلت المنطقـة إلى مرحلة أمنية حرجة، جاء هذا البحث مختلفـاً في أطروحته عن الدراسات السابقة لأنه لا يركز على تصور أحـادي الجانـب كالكتابات التي عثر عليها الباحث وأوردها بعضها في البحث، بل يطرح عدة خيارات وسيناريوهات أمنية محتملة يضعها أمام دول المنطقة بغية تجاوز الإشكالية الأمنية التي أوجدها البرنامج النووي الإيراني. فهو يرى أن حالة الأمن في الخليج العربي تستوجب بنـاء إستراتيجية عربية أمنيـة مشتركة تتماشى مع متطلبات الأمن في المنطقة، لإنقاذها من حرب مدمرة رابعـة. ويدعـو لتفعيل الهياكل التكاملية للمؤسسات العربية على المستويـات كافة الدفاعية والسياسية والاجتماعية، والاقتصادية وهي حالة لم نعثر عليها في الدراسات السابقة رغم حداثتها.
بعـد استعراض سريع لبعض الأطر النظرية الخاصة بموضوع هذا البحث، سيتم إلقاء بعض الضوء على أبعاد المنظور الإيراني الأمني لمنطقـة الخليج، وبيان أثرهـا على سياسة إيران الخليجية، لنتمكن من خلال تلك المعلومات التعـرف على الطرق المقترحة والخيارات المطروحة أمام دول المنطقـة الخليجية للتعامل مع هذه الدولة وتحدياتها.
3- أبعاد الإدراك الأمني الإيراني والبرنامج النووي:
تُعـدُّ إيران ذاتها الدولة الأكبـر في منطقة الخليج العربي، خاصة بعد خروج العراق مـن دائرة الفعل العربي نتيجـة للاحتلال الأمريكي له في عام 2003م ومساندتها له. فهي تحتل في الجانب الجغرافي مثلا، موقعاً استراتيجياً هاماً مطلاً على ضفة الخليج العربي وتشرف على مدخل مضيق هرمز، وتسيطر على جزر متعددة في الخليج، وتتمتع بقدرة اقتصادية عالية، وعدد سكانها أكبر من مجموع سكان دول الخليج العربي بما فيها العراق. بناء على ذلك، رسمت إيران سياستها الأمنية في المنطقة وقامت ببناء برامج وأبحاثاً نوويةً وتسليحية متطورة، أثارت العديد من التساؤلات وردود الفعل السلبية والايجابيـة، الإقليمية والدوليـة حولها وحول مـدى انعكاساتها ومخاطرها الأمنية على دول المنطقة والعالم (2000: Bijan Mossavar Rahmani).
لقد بـدأ العمل في البرامج النوويـة الإيرانية في الخمسينيات من القرن الماضي في زمن الشاه بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكيـة وبعض دول أوروبـا الغربية (Wikipedia, the free encyclopedia, Org, 19/3/2008). ولكن مع ظهور الثورة الإيرانية في عام 1979م وتبنيها لسياسات خارجية ومرتكزات فكرية تستند على مذاهب دينية تختلف مع سياسة من سبقها، برز في المنطقة شكل آخر من التحديات التي واجهت دول المنطقة ولا تزال. بناء على المتغيرات الجديدة في إيران منها توقف الدعم الأمريكي والغربي لبرامجها النوويـة بسبب الخلاف السياسي معها، ولكن هذه الدولة استمرت بالعمل على تطوير مفاعلها النووي لأسباب تتعلق برؤيتهـا الخاصة بالتهديد الأمني المفترض القادم إليهـا من دول إقليمية مثل باكستان وإسرائيل، وأخرى دولية ممثلة بالولايـات المتحدة. هذا الاستمرار ربما جاء لأسباب أخرى منها ما يتعلق بدوافع اقتصادية وثانية تكمن بإظهار هيبتها الإقليمية والدولية (Bahgat. Gawdat: 2006). ولإعادة تفعيل العمل في برامجها النووية وقعت إيران اتفاقيات مع كل من الأرجنتين وروسيا، حيث قامت الأخيرة بتزويد إيران بالخبرة الروسية في مجالات الطاقة النوويةStanislav. Lunev, 1998)). وفي 11 نيسان من عام 2006م أعلن الرئيس الإيراني أحمد نجاد عن امتلاك إيران لليورانيوم الذي يستخدم للأغراض السلميـة، وعن انضمامها لمجموعة الدول التي تملك التكنولوجيا النووية Wikipedia, 2008)). إن السلوك الإيراني في البحث عن امتلاك طاقة نووية ويورانيوم إضافة إلى توجهاتها السياسية جعل الرئيس الأمريكي جورج بوش يرد على التصريحات الإيرانية في 31 آب 2006م متحدثًا لوكالات الأنباء، وتناقلتها الفضائيات العربية قائلاً "إنّ العالـم اليوم يواجه تهديدا مميتاً من النظـام المتطرف في إيـران" President George Bush's speech in 31, August, 2006)).
وعلى الرغم من التصريحات التي أدلى بها قائد الإدارة الأمريكية –آنذاك- المناهضة للسياسـة الإيرانية -إعلامياً على الأقـل-، استمرت القيادة الإيرانية بتطوير برامجها التسليحية والنووية، ولاقت هذه السياسة ترحيباً شعبيـاً ومساندة لهـا Karl Vick: 2006)). وبالمقابل بدأت بعض دول المنطقة تتخوف مـن الخطر الإيراني الجديد القائم على مبدأ تصدير الثورة إلى دول الجـوار العربي والعالم، وازداد التحسب من تأثير إيران على الأقليـات الشيعية في المجتمعات العربية المجاورة لها، وهو أمر له انعكاساته وتداعياته الأمنية على هذه الدول.
لقد ضاعفت الأحداث التي ظهرت في منطقة الخليج العربي من التساؤلات حـول مستقبل سياسة إيران، وعن خطرها على أمن المنطقـة واستقرارها، وساهمت في الوقت نفسه في تعميق العداء بين أطراف العالـم الإسلامي. فاندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وظهـور تحالفات إيرانية مع دول عربية وتيارات سياسية فيها، وتصريحات إيرانية عن ملكيتها لدولة البحريـن، وإصرارها على الاستمرار باحتلال الجزر العربية في الخليج العربي، وتقدمها في برنامجها النووي، كلها عوامل ضاعفت من التحسب للخطر الإيراني القادم على المنطقة العربية.
كذلك أضاف البرنامج النووي الإيراني هاجس أمني يضاف لما ذكر أعلاه، حيث بدأت دول الخليج العربي تتوجس تجاه إيران ونواياها الجديدة، خاصة أن البرنامج النووي السلمي للطاقة النووية يمكن أن يتحول إلى الأغراض العسكرية متى توفرت الإرادة السياسية، مع القيام بخطوات مهمة أخرى وإن كانت أكثر تعقيداً من الناحية التكنولوجية والعسكرية.
فإذا تجاوزنا الحديث حول قدرة الدولة على الإنتاج إلى الأهداف والدوافع من وراء هذا البرنامج، فإننا نجد أنَّ اهتمام غالبية المحللين والمهتمين بشؤون المنطقـة ينصب في هذه الأيام على أهداف البرنامج النووي الإيراني، للاعتقـاد السائد بينهم إن هدف إيـران من برامجها النووية يـدور حول إنتاج الأسلحة النووية لتحقيق أحد الاحتمالين أو ربما كليهما معاً. فالأول يتعلق بموضوع الردع والذي غالباً ما يكون موجه ضد الدول النووية الأخرى التي تقع ضمن الدائرة الإقليمية لإيران، ومنها إسرائيل والهند وباكستان، أو ربما يأتي للابتزاز الذي سيوجه للدول غير النووية في المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي التي تعاني مـن خلل استراتيجي كبير على العديد من الأصعدة مقارنـة بقدرات إيران، (باكينام الشرقاوي، 2007).
إن التحليل للتوجه الإيراني أعلاه يستند على سياسة إيران التاريخية المعادية للعرب في العديـد من أهدافها، حيث تأتي درجـة العداء لهم حسب شدة الموقف المطلوب، وتبعاً للموروث الثقافي والاجتماعي في بعض الـدول العربية. بل أكثـر من ذلك، ينظر أصحاب هـذا التوجه لإيران على اعتبارها دولة قومية فارسية، تستند على المذهب الشيعي فضلاَ عن أنها ثورية، تسعى مدفوعة بمعتقداتها هذه للسعي إلى الهيمنة على العرب في الخليج العربي بل وعلى المنطقة العربية بأكملها. يستند هؤلاء الكتاب في هذا الطرح على ممارسات إيران الفعلية في الشأن العربي منها تدخلها في كل من العـراق، ولبنان، وبعض حركات المقاومة الفلسطينية مثل حركة حماس، وفي السودان والأردن وغيره (محمد السيد سعيد، 2006).
إن إيران تتحرك وفقا لعقيدتها المذهبية والقومية، وتؤمن بحتمية قيام حكومة عالمية إسلامية عاجلا أم آجلا، وتعتقد أنها ستقودها هي ذاتها وفقا لعقيدتها المذهبية الشيعية. وأما في الجانب الآخر من التصور الإيراني فهو يستند على بعد قومي سياسي وأمني، وينطلق من رفض إيران لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تطرحه وتتبناه الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد احتلالها للعراق، علاوة على شعورها بالقلق الأمني نتيجة لمحاصرتها بقوات أجنبية في العراق وأفغانستان والخليج وآسيا الوسطى، ناهيـك عن امتلاك بعض دول المنطقة المحيطة بها لأسلحة نووية. إن تلك المعتقدات دفعت بالقيادة الإيرانية لبناء سياسة تبعتها بسلوك سياسي ربما يكون بعيداً عـن الحقيقة، مما أبعدها عـن المشاركـة الجماعية في بناء نظام أمن خاص للمنطقة يقوم على المشاركة الجماعية مع باقي دول المنطقة M. A. Mansour 2007)).
إن البحث في العوامل المؤثـرة على المـدركات الإيرانية، ومتابعـة مدى تأثيرها على السلوك السياسي الخارجي لهذه الدولة في الخليج العربي، يتيح للمهتم معرفة أولويات القيادة الإيرانية في ترتيب سياستها ضمن رؤيـة القيادة الإيرانية المبنية على العقيـدة الدينيـة وفقاً للمذهب الشيعـي، وبناء عليه وضعت تصورهـا حول طبيعة تعاملها مـع دول الجوار العربية.
بالنسبـة للجانب الأول، تشير بعـضالدراسات إلى أن السياسة الإيرانية تقوم على أولويات مـن أهمها ضرورة ضمان تحقيق الأمن والاستقرار السياسي الداخلي للمجتمع الإيراني، وعلى تحقيق المصالح القومية لها. ولتحقيـق تلك الأهداف طغى هدف تصدير الثورة - بعد سقوط نظام الشاه- على المفردات الخطابية للعديد من القيادات الإيرانية الجديدة. وقـد توجهت السياسة الإيرانيـة في عقد الثمانينيات من القرن الماضي إلى إتباع سياسة خضعت لحالـة الشد والتنافر والتجاذب مع دول الخليج العربي، مما جعلها تتراوح ما بين الصراع والتعاون (Kamran Taremi: 2003). لقد تحكم في طبيعة السلوك الإيراني السياسي تجـاه دول المنطقة عدة عوامل وأسبـاب أخرى مضافة، سواء أكانت داخلية أو إقليمية أو دولية منفردة أو مجتمعة. ومن هنا نجد أن علاقـة إيران بدول الخليج العربي لم ترتبط برباط مؤسسي لأن رؤية الأولى منهما لتاريخ المنطقة السياسي والأمني يتناقض مع رؤية الثانية لها. فلقد خضعت المنطقة خلال القرون الماضية لغزوات استعمارية متعددة، وفرضت الدول المستعمرة رؤيتها الأمنية على المنطقة ودولها، خاصة وأن الأخيرة منها كانت لا تمتلك القـدرة على المواجهة وطرد الـدول الأجنبية المستعمرة، لأنها كانت تعيش حالة من الضعف لم تمكنها من بناء سياسة أمنية مشتركة تحقق فيها أمن المنطقة، ولم تتمكن في الوقت نفسه من طرد الدول الاستعمارية منهـا. ناهيك عـن اعتراض إيـران على المحاولات التي تتبعها الولايات المتحدة لرسم سياسة أمنية لأمن المنطقة خلال العقديـن الماضيين، ومحاولتهـا إقصاء إيران عـن المشاركة فيها.
أما بالنسبة للجانب الآخر الذي قاد إلى التباعد والتناقض بين سياسة إيران مع سياسة دول الخليج العربي، فإنـه يتمثل بتناقض مدركات دول الخليج العربي ورؤيتها للأمن في الخليج العربي وسياستها مع المدركات الإيرانية، -لأسباب متعددة وكما ذكرنا سابقا في البحث- التي منها فكرية، وأخرى تتعلق باختلاف المصالح بينهما، (محمد عز العرب، 2005). فمثلاً تأكيداً لذلك، انعكست الأسباب المذكورة أعلاه سلباً على العلاقات الإيرانية - العربية في منطقة الخليج العربي وقادت إلى حرب مدمرة مع العراق استمرت ثماني سنوات مـن أيلول في عام 1980 إلى أب 1988م. وعلى الرغم من تلك الحرب، شهدت العلاقات الإيرانية الخليجية نوعاً من التغيير وعـدم الثبات في السلوك لكل منهما، لذلك سيحاول المبحـث الآتي بيان طبيعة تلك العلاقـة والأسباب الكامنة وراء التغيير والثبات فيها.
4- الثبات والتغيير في سياسة إيران الخليجية:
لقد شهدت المرحلة التي أعقبت الحرب العراقية- الإيرانية سياسية إيرانية تكتيكية جديدة، انتقلت بها من الاعتماد على مبدأ تصدير الثورة إلى دول الجوار العربية إلى حالة من التعاون الاقتصادي حيث أعلنت عن رغبتها في التعاون الأمني معها. لقد جاء هذا التحول التكتيكي كنتيجة للآثار التي خلفتها الحرب العراقيـة - الإيرانية التي استمرت ثمانـي سنوات من أيلول عام 1980 إلى آب 1988، وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد الإيـراني وعلى جوانب الحيـاة الاجتماعية الأخرى في تلك الدولة، (Shahram Chubin, 1994)
ففي هـذه المرحلة أيضاً، لم تحاول إيـران البحـث عن التمـدد والانتشار الأيديولوجي المذهبي، بل حاولت الاهتمام بالجانب القومي للمجتمع الإيراني بغية الحصول على دعـم كافة الشرائح الاجتماعية للمجتمع الإيراني ومساندتها في تلك الحرب. إن التغيير الجديد أو التكتيـك في السلوك السياسي الإيـراني الداخلي رافقه سلوك تكتيكي مماثل في التوجه نحو عرب الخليج العربي أيضاً، حيث أعلنت هذه الدولة عن رغبتها في التعامل مع الدول العربيـة – ما عدا العراق – مـن أجل تحقيق الأمن الجماعي في المنطقة.
لقد تمثل التغيير السياسي الإيراني تجاه دول الخليـج العربي في إعادة علاقاتـها الدبلوماسية مع كل من المملكة العربية السعودية والكويت التي انقطعت خلال حرب السنوات الثمانية مع العراق (Shireen Hunter, 1992)، وأوقفت هذه الدولة أيضاً مساندتها للمجموعات التي كانت تثير الشغب في المجتمعات الخليجية، وحملاتها الإعلاميـة التي كانت تصدر من طهران ضد الأنظمة السياسية الخليجية، وشجبت طهران الاحتلال العراقي للكويت، وساهمت تلك الدولة في الحصار الاقتصادي ضد بغداد(K. L. Afrasiabi, 1994)، وزادت طهران من تعاملها التجاري مع دول المنطقة ومع دول أوروبا الغربيـة والاتحاد السوفيتي قبل انحلاله. (Peter Jones, 1998) وللغرض نفسه، طرحت إيـران في عهد كل من رافسنجاني وخاتمي، مبادرات أمنية مع حكومات دول الخليج العربي، وقامـت بمشاورات أمنيـة وتبادل بعثات عسكرية معها، ولتعزيز الثقة بينهما قامـت البحرية الإيرانية بزيارات عسكرية ودية للموانئ الخليجية، وقامت القيادة الإيرانية على إبلاغ دول الخليج العربي بمناوراتها وتدريباتها العسكرية في الخليج كجزء من التكتيك الإيراني الجديد. (Kamran Taremi, 2003) وللتـخلص من الضغـوط المتزامنة مع ظروف تلك المرحلة، حاولت إيران التعايش مع الوجود الأمريكي والسياسة الخليجيـة في الخليج العربي (Peter Jones, 1998)، وتعاونت مع الولايات المتحدة الأمريكية لإسقاط النظام السياسي في العراق، وشجعت حلفائها من الشيعة والأكراد المعارضين للنظام العراقي السابـق على التعاون مع الولايات المتحدة عند دخولها إلى بغداد في آذار من عام 2003. وكذلك، أرسلت أعداداً كبيـرة من أجهزتها الأمنية للعراق بهـدف التأثير على مجريات الأحداث في هذا البلد العربي، وساندت قوى اجتماعية ومنظمات مسلحة داخل المجتمع العراقي للغرض نفسه(Middle East Economic Survey, 1997) وعلى الرغم من التعاون الإيراني مع دول الخليج العربي في مراحل ما بعـد إيقاف الحرب العراقية – الإيرانية المذكورة أعلاه، إلا أن العلاقة بينهما لا زال يشوبها حالة من عدم الثقة، و لم تصل إلى مرحلة بناء إستراتيجية أمنيـة قائمة على مشاركة جميع أطراف الخليج فيها.
أما سياسة إيران في مرحلةما بعد سقوط بغـداد، فقد اتسمت بسياسة التناقض وعدم الثبات. لقد توقع البعض أن سقوط بغداد وسقوط نظام صدام حسين يمكن أن يحقق الأمـن ويطوره في منطقة الخليـج العربي Mark Gasiorowski, 2007))، ولكن الأوضاع الأمنية جاءت على عكس تلك التوقعات. فلقد تدهورت الحالة الأمنية في تلك المرحلة وانحدرت إلى أدنى مستوياتها في بعض المناطق، وانعدمت فـي بعضها الآخر، (Mark Gasiorowski, 2007) وأدى تغيير النظام السياسي في العراق إلى وجود حالة عدم استقرار في العـراق وخارجه، وأوجد انقسامات طائفية وعرقية داخل المجتمع العراقي مما أثـر ويؤثر سلباً عليـه وعلى المجتمعات المحيطة بهذا البلد (Emile El-Hokayem and other 2006). فلقد وصلت الحالة الأمنية في المنطقة إلى درجة سيئة مما دفع إلى تغيير معتقدات بعض